آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   إخوان وأتباع السيد النبهان من العراق
الشيخ عبد الرزاق محمود حبيب رحمه الله



مرات القراءة:185    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ عبد الرزاق محمود حبيب رحمه الله

1344 - 1411هـ/ 1926 1990م

 

ترجمة الشيخ عبد الرزاق محمود حبيبرحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 286).

 

لمدينة هيت العريقة في تاريخها وقيمها نصيبها الكبير من الرعيل الأول لأصحاب سيدنا النبهان، وكأن العراقيين في سباق بينهم للتعلق بتلك الشخصية الربانية التي أدهشتهم فلم يبق ما يشغل أفكارهم إلا ما يدفعهم ويقربهم من حضرته.

حين زار سيدنا العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهانرضي الله عنه- العراق عام1962م خرجت مدينة هيت بعلمائها وصالحيها وشيبها وشبابها لاستقباله وبقي فيها ليلة قال بعدها: «مدينتكم هذه مدينة طيبة وجميلة نمت فيها نومة هادئة».

ومدينة هيت من أقدم المدن العراقية على نهر الفرات مع مدينة تكريت على نهر دجلة كلاهما من المدن الموغلة في قدمها عبر الزمن، وسمات أهلها الكرم والشجاعة والشرف مع محبتهم للأولياء، وعونهم لذوي الفاقة والنازحين واحترامهم وتقديرهم لكل وافد غريب.

مدينة هيت تتوسطها قلعة قديمة يعلوها مقام لأربعين وليًا يحسبها الناظر طيرًا بجناحين: أحدهما يطل على الفرات ويحتضن الشيخ علي الهيتي أحد شيوخ سيدنا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه- وتحيطه بساتين النخيل وأنواع الفاكهة. أما جناحها الثاني: فيطل على سكن واسع يكتنف مقام سيدنا عبد الله بن المبارك رضي الله عنه-  وأكثر المساجد والمدارس من حوله وفيه الجامع الشرقي الكبير الذي شيده من نترجم عنه. رحمه الله.

اسمه ونسبه:

هو الشيخ عبد الرزاق بن محمود بن حبيب بن ياس بن خضير بن جاسم بن زكري بن جاسم بن محمد بن احمد بن محمد بن فهد بن زايد. من فخذ البو صالح في عشيرة الدواسر الملقبين بالبدارين النازحين من نجد بجزيرة العرب، ويلقب بالهيتي نسبة إلى مكان ولادته، والدوسري نسبة لعشيرته، والمؤذني نسبة للقب مهنة عشيرة الدواسر في هيت.

ولادته ونشأته:

ولد -رحمه الله تعالى- في مدينة هيت في محافظة الأنبار في العراق عام 1926م.

وفي كنف أبوين صالحين نشأ وحظي بتربية راقية، فوالده محمود حبيب رجل صالح من أهل الفطرة، محب للعلم والعلماء والأولياء، قارئ متقن للقرآن الكريم، يرتل فيه ويتغنى به الليل والنهار، ويعلمه أبناءه، وأمضى عمره نساجًا للفرش والسجاد، ومن واردها الحلال يطعم الضيف والأهل والأولاد.  قال سيدنا النبهان : «لقمة الحلال هي تدلكم على أهل الله».

وفي هذه البيئة الطيبة ابتدأ الشيخ عبد الرزاق حياته، وأشرقت بدايته في تعلم القرآن الكريم مع بعض الأناشيد والمدائح النبوية، فنشأ -رحمه الله- محبًا للعلم وأهله، مجالسًا لأهل القرآن وخاصتهم.

دراسته:

بعد أن أتقن القرآن الكريم على يد والده دخل المدرسة الابتدائية النظامية في قضاء هيت وبعد الدراسة الابتدائية أو في أثنائها قدم الشيخ عبد العزيز سالم السامرائي إلى مدينة هيت في مطلع الأربعينات من القرن الماضي، وكان من أوائل من بادر بالدخول في عِداد طلاب المدرسة الدينية الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله- وكانت مدة الدراسة فيها ست سنوات ومقرها جامع الفاروق في هيت.

عكف الشيخ عبد الرزاق يدرس عند شيخه الشيخ عبد العزيز السامرائي

-رحمه الله- طيلة فترة بقائه في هيت حتى أصبح من خواصه الذين يوليهم الشيخ عبد العزيز عناية ومكانة خاصتين، حتى تأثر بشيخه تأثرًا كبيرًا فأحب العلم كحبه لشيخه، وواصل طلبه العلم حتى تخرج في المدرسة ذاتها بتفوق في عام 1950م.

الوظائف التي شغلها:

بعد أن أتم دراسته في مدرسة (هيت) الدينية ومنح شهادة المدارس الدينية التابعة لمديرية الأوقاف العامة عُيّن إمامًا وخطيبًا في جامع القاضي في قضاء (عَنَهْ) عام 1950م، وبقي في قضاء (عَنَهْ) يشغل هذه الجهة إمامًا وخطيبًا أكثر من سنتين، ثم نقل واعظًا سيّارًا في قضاء (راوة) عام 1953م.

وبعد عام تقريبًا أصبحت جهة الإمامة في جامع هيت الشرقي شاغرة حيث كان ملّا جمعة حنتوش والد الحاج كريم إمامًا فيه فوافاه الأجل -رحمه الله-، عندئذ أشار الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- على الحاج عبد الرزاق بأن يعود إلى هيت ويستلم وظيفة الإمامة والخطابة في الجامع الشرقي وما كان منه -رحمه الله- إلا أن امتثل أمر شيخه فعاد إلى مسقط رأسه هيت، وتولى هذه المهمة عام 1954م.

في العام نفسه مَنَح الشيخ عبد العزيز الإجازة العالمية للشيخ عبد الرزاق، وكان الشيخ عبد العزيز لا يمنحها إلا لمن يستحقها ممن يعلم منه الرسوخ في العلم وطلب الزيادة فيه، ومن يقرأ مضامين وبنود هذه الإجازة يجدها صعبة المنال ولا يستطيع الوفاء بها إلا من أخلص لله تعالى في العلم والعمل، وأصلح حاله مع الله تعالى قلبًا وقالبًا، فضلًا عما فيها من بركة اتصال سندها بالنبي .

يقول الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله-: «دخلت المجلس العلمي للاختبار في بغداد وقد سألوني فيها أربعة عشر سؤالًا، وقد أجبت عليها كلها بفضل الله تعالى ثم بفضل دراستي على يد الشيخ عبد العزيز سالم السامرائي».

بقي الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله- إمامًا وخطيبًا في جامع هيت الشرقي منذ قدومه من عَنَهْ وكان يومها جامعًا صغيرًا، وسقفه من الخشب والطين كالسقوف القديمة في مدينة هيت، فلم يكن بهيئته الحالية، فاستمر يعمل في هذا الجامع بوظيفته إمامًا وخطيبًا وواعظًا، وقد أصلحه ووسعه، وجعله منارة علم وهداية.

حرص الشيخ -رحمه الله- على العلم، ومن شدة طلبه له دفعه ذلك إلى الرحيل في مواصلة طلبه، وأن يعيده مرارًا وتكرارًا، وسبب آخر وهو حبه الجم للشيخ عبد العزيز -رحمه الله- وحرصه على طول صحبته للإفادة منه، فأصر على أن يقبل ولده إبراهيم في المدرسة الآصفية الدينية في الفلوجة ليدرس عند الشيخ عبد العزيز فقرر أن يشتري بيتًا هناك ويتفرغ مرة أخرى لطلب العلم وأخذ إجازة رسمية من الوظيفة في الجامع الشرقي، وأناب مكانه الشيخ إسماعيل جلوب، وانتقل بجميع أفراد عائلته إلى الفلوجة عام 1962م ليبدأ المرحلة الثانية له في طلب العلم.

يقول الحاج عبد الرزاق توفيق: قال لي الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله- يومًا: «عندما ذهبت إلى عَنَهْ لم أر نفسي مؤهلًا لإفتاء الناس، فحرصت على العودة إلى أحضان الشيخ عبد العزيز لأكمل الصف الثاني عشر، لأني درست في هيت ست سنوات فقط». وهذا دليل واضح على علوّ همته في طلب العلم وحبه الجم لأهله واستزادته من العلوم والمعارف التي تمكنه من حمل الإجازة العلمية والقيام بحقها على أحسن حال، وتؤهله لمنصب الإفتاء والترجيح.

وفعلًا قدم إلى ما عزم عليه فانتقل إلى مدينة الفلوجة، وانطلق يواصل دراسته على يد الشيخ عبد العزيز، ولم يمنعه كبر سنه أو موقعه الذي شغله بكونه إمامًا وخطيبًا في أكبر جوامع هيت، أو أنه أصبح عنده من الأعمال ما يمنعه عن تحصيل ما يهدف إليه، فواصل دراسته حتى أتم ست سنوات أخرى يطلب فيها العلم عند الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- فمُنح شهادة الثاني عشر المعادلة للشهادة الثانوية آنذاك وتخرج من هذه المرحلة متفوقًا، وكان ترتيبه الأول لنيله العلامات الكاملة في جميع المواد التي درسها في ذاك العام.

صلة الشيخ عبد الرزاق محمود الحبيب بالعارف بالله سيدنا محمد النبهان رضي الله عنه:

كتب لي ابنه الأستاذ الدكتور إسماعيل عبد الرزاق محمود الحبيب:

في أول زيارة للعارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه-  للعراق عام 1962م بدأ بهيت لوقوعها على الطريق الدولي الرابط بين حدود سوريا والعراق المؤدي إلى بغداد، فتشرفت هيت به أول يوم في ضيافة آل المرحومين سعود وحمود حجي عباس اللذين تربطهما بالسيد النبهان رضي الله عنه- صلة ود واتباع قبل مقدمه المبارك، يرافقه جمع طيب من حلب.

وبعد مبيته في مضيف آل عباس كان والدي قد تشرف بضيافته في بيته.

وقد قويت رابطته بالسيد النبهان لعدة أمور:

أولًا: منهج أبي ودراسته عند الشيخ الرباني المرحوم عبد العزيز سالم السامرائي هو منهج شيخه نفسه [العلم والتصوف ]، فهو صناعته وتربيته، وأجازه بالإجازة العلمية بالمسلكين كليهما، فهذه الميزة وعقليته الصوفية أدت به بعد البحث والسؤال عن الوارث فوجد في سيدنا النبهان ما كان يصبو إليه، والشيخ عبد العزيز لم يَمنع طلبته الذين أتموا دراستهم من السلوك على يد السيد النبهان بل كان مؤيدًا ومشجعًا، لكنه كان يرغب بحكم منهجه أن ينتهي مع الطالب من تلقي دروسه العلمية ثم هو حر في سلوكه التصوف ومن هنا حصل بعض الجفاء بين الشيخ ومن خالفه في هذا المنهج ممن لم ينته من دراسته، وبما أن الوالد أتم دراسته فقد سمح له بالسلوك على يد السيد النبهان، بل كان مؤيدًا ومشجعًا له.

ثانيًا: توجيه الحاج محمد الفياض -المرشد الروحي المبارك المشهور، الذي كان الوالد مجالسًا ومصاحبًا له، وكان الشيخ الفياض قد اكتشف هذه الدرة النبهانية المباركة بعد بحث وعناء طويلين، وصرح بهذه الحقيقة، وقال قولته الشهيرة: [طفت البلاد السورية بلدًا بلدًا وقرية قرية أبحث عن الرجل الكامل العالِم العامل فوجدت كثيرًا منهم لديهم الكرامات الظاهرة، لكن ما رأيت أفضل وأكمل من الشيخ النبهان فليس له كرامة أعلى وأسمى من الاستقامة على العلم والعمل]. فأرشد والدي وغيره من تلامذة الشيخ عبد العزيز إلى التوجه للسلوك على يد الشيخ النبهان وأنه هو الوارث الحقيقي الموصل بهم إلى الله تعالى.

ثالثًا: صلة الوالد بالشيخ عبد الستار ملّا طه عالم كبيسة الشهير، إذ كانت تربطه بالوالد مع رابطة زمالة العلم عند الشيخ عبد العزيز رابطة روحية صوفية كانا بها وكأنهما أخوان شقيقان، وكان قد تشرف بمعرفة السيد النبهان من خلال معرفة الشيخ عبد الستار الشخص الوحيد الذي كان يعرف السيد النبهان وكان يزوره في كلتاوية حلب الشهباء، ولذلك كان هدف توقف سيدنا بهيت هو تلبية دعوة وجهت إليه من الشيخ عبد الستار بكبيسة التي تبعد عن هيت نحو سبعة عشر كيلو مترًا الذي كان يشوق أهلها بهذا الوارث العظيم، وكان بعد أن استضاف الوالد السيد النبهان في اليوم الثاني من زيارته الأولى للعراق خرج متوجهًا من بيتنا إلى كبيسة لتلبية دعوة الشيخ عبد الستار في مدرسته الدينية، فذهبنا معه بصحبة الوالد وعدد من رجالات هيت، فاستقبله وجهاؤها ومشايخ العلم وشيوخ العشائر، فكان في ضيافة أهل كبيسة وعلى مائدتهم التي بسطوها في المدرسة الدينية واحتفوا به احتفاء يليق بمقامه الشريف، وبعدها توجه للاغتسال في عين ماء مشهورة لديهم، وباليوم التالي وبتنسيق مع الحاج محمود مهاوش عاد السيد النبهان إلى هيت في ضيافة المرحوم الشيخ إبراهيم رْحَيّم جِدِي، وبعدها واصل الركب المبارك مسيرته للفلوجة، واصطحب السيد النبهان الشيخين الجليلين الوالد وعبد الستار معه لبغداد ذهابًا وإيابًا. وفي الفلوجة أمّ المدرسة الآصفية الدينية التي يديرها العلامة الشيخ عبد العزيز سالم السامرائي، وكانت تلك السنة الدراسية أولى سنوات دراستي فيها، كان في ضيافة آل الفياض الحاج محمد، والحاج حمدان، والحاج يحيى حمد الفياض.

ومما أذكر لسيدنا لا أدري في زيارته الأولى أو الثانية أنه لبّى دعوتين حضرتها أنا والوالد إحداهما: دعوة آل سليمان ضاري والد المرحوم الدكتور حارث، وثانيهما: دعوة الشيخ برغش فارس، فحلّ يومًا هنا ويومًا هناك، ومما أذكره في ديوان سليمان الضاري أُتِي بالمرحوم الشيخ حامد ملّا حويش كان مريضًا يتهادى بين رجلين فألقى قصيدة جاء فيها:

ومن حلبٍ جاء الهدى لقلوبنا* فقلنا له: افتح تعاليم ذي اللّبِّ

تقدّم أيا نبهانُ، إنا بحاجة* إلى من يدلّ السالكين إلى الربّ

فكانت صحبة الوالد لسيدنا في الزيارتين كلتيهما في حله وترحاله جنّد نفسه لخدمته لم يفارقه أبدًا إلا في النوم حتى في بغداد كان ينزل الوالد في فندق الروضة الذي يرتاده الهيتيون، ثم ينطلق لصحبة السيد أينما يذهب للقيام بخدمته، ومما كان يرويه الوالد عن قصة تركه التدخين بشكل نهائي الذي كان يتركه مرارًا ثم يعود إليه، يقول: كنا في ديوان حميد عريم كان السيد مدعوًا عنده على عشاء في بيته بمنطقة الكسرة، وبجانبي كان يجلس المرحوم عَبْد إحْمَيّد أبو شويش فألقى السيد درسًا وأخذه حديثه للحث على ترك التدخين، وأن أولى من يقلع عنه هم علماء الشريعة، وتحدث بعبارة ولم أشك أنني أنا المقصود بها، إذ قال: «عِمّة وذقن -أي لابس عمامة، ومربي لحية- ومسبحة ويدخّن كيف هذا يصير؟!» يقول: فكنت أنظر في المجلس لا يوجد فيه أحد بهذه المواصفات سواي، فلما سمعت هذه المقولة كان لها وقعها الكبير في نفسي وآخر عهدي بالتدخين وإلى الا بد، ومن تلك اللحظة أخرجت القداحة من جيبي ووهبتها لحجي عبد احميد، قلت له: خذها لئلا يكون في إتلافها تبذير، وحين عدنا وصرنا فوق الجسر رميت بعلبة التبغ بنهر الفرات.

بعد أن أكمل الوالد دراسته وأجيز بهِيت من شيخه عبد العزيز، ورأى الشيخ قد سافر للفلوجة التحق به هناك لأجلنا نحن أبناءه، فبدأ بتلقي العلم من جديد في حلقة واحدة معنا سوية يجلس للتلقي معنا ثم يأمره الشيخ بالاستماع لي ولبقية الطلبة، وفي هذه الأثناء في السنة الأولى التي بدأت تلقي العلم عام 1962م والتي كانت هي السنة الأولى لزيارة سيدنا للعراق وزار الفلوجة حصلنا ببركة زيارته على صحبة مجموعة طيبة مباركة في مدرسة الشيخ عبد العزيز الآصفية، كلنا قوي ولاؤنا بالعلم للشيخ عبد العزيز، وبالسلوك وطريق التصوف لسيدنا النبهان رضي الله عنه-، ومن أبرز هذه الصحبة كنا في غرفة واحدة أنا والوالد والمرحوم أيوب محمد الفياض وهو من آخى سيدنا بيني وبينه، والحاج معروف الفياض، والدكتور حامد فرحان، وبجانب غرفتنا: الشيخان: محمد مطلك، وحمد عبيد الفلاحي، والمرحوم الحاج عبد الله الحديد، والغرفة كانت للمذاكرة والمحاسبة، وغيرها ومنها جمعية مصغرة يرأسها الشيخ أيوب وهي تكافلية لجباية وجمع بعض الأموال من المحسنين على بعض طلبة العلم المحتاجين، فكنا نعمل بالطريقتين مذاكرة العلم على نظام المدرسة، والسلوك التطبيقي للتصوف على منهج سيدنا.

فالوالد قد تشرف بالسيد بصحبته في أول زيارته، وأثرت به تأثيرًا جذريًا من الناحية الروحية ومنهج تصوفه، وكان مثله الأعلى قبل مقدم السيد النبهان في العلم والتصوف الشيخ عبد العزيز كان متمسكًا بما يفتي به ويمتثله بكل حركاته.

وكان قد بدأ الوالد ومن معه ببعض الآداب والأوراد مثل: (الله شاهدي، الله ناظري، الله معي) التي تنسب لسيدنا سهل بن عبد الله التستري، وأذكر أنه خطها بلوح وعلقها على جدار بيتنا وبدأ يلقننا إياها ويوصينا بترديدها دائمًا إحدى عشرة مرة بعد كل فريضة.

ومما عمل به الوالد هو التطبيق للمؤاخاة تطبيقًا عمليًّا بحذافيره، فإنه لما وصل السيد النبهان رضي الله عنه-إلى هيت آخى بين والدي والشيخ إبراهيم رْحَيِّم، ومنهج المؤاخاة هو مما يعتاده السيد مع تلامذته، ومن وظيفة المؤاخاة كان الشيخ إبراهيم رْحَيِّم يأتي كل يوم في ساعة معينة، والوالد يزور الشيخ إبراهيم في بيته بأوقات دورية منظمة يجلسان جلسات إيمانية ومنها المحاسبة، يحاسب فيه كلٌّ أخاه فيما فاته من فضائل وسنن، وما عسى أن يكون ارتكب من آثام ومكروهات، هذا الأمر كان له الأثر الطيب في سيرة واستقامة الشيخين الجليلين.

ولما انتقل الوالد للفلوجة آخى سيدنا بين الوالد والشيخ جمال شاكر النزال، ليستمر هذا العمل مؤثرًا في أتباع سيدنا واستقامتهم على طريقته، وأنا أيضًا آخى سيدنا النبهان بيني وبين الشيخ أيوب محمد الفياض لنكون جميعًا على المحجة البيضاء التي أرادها لنا سيدنا أن نسير عليها.

فأصبحت الإطلالة النبهانية وتشريف سيدنا لهيت نقطة تحول جذري في حياته الشخصية عمومًا ونذر نفسه خادمًا له، لكن السيد عرف إخلاصه فقبله في صحبته المباركة أينما يذهب، ورغبنا نحن أولاده على الفور بالسير على خطاه ويصطحبنا معه عندما كان في العراق.

الوالد أخذ كذلك بيدنا للكلتاوية (والكلام لولده) لننال التوفيق والبركات التي يمنحها الله لنا في حياتنا، ويرى أنها أمانة أداها كما يجب أن تؤدى، وأنا سمعت والدي في آخر أيامه يحمد الله -تعالى- أن وجهنا الوجهة التي ينبغي أن يوجهنا إليها علمًا وسلوكًا، وأنه قد قرت عيناه وتحقق حلمه الذي يحلم به أن وجهنا نحن أبناءه الأربعة الوجهة العلمية الشرعية والسلوكية، ويدعو لنا بالاستقامة على ذلك.

ومما يذكر من بعض التغيرات أيضًا التي طرأت على منهج الوالد بعد قدوم السيد هو الزهد في الدنيا، الزهد بمعناه الحقيقي الذي يجعل دنياه مطية للآخرة، وكان يتصف بالكرم، لكنه بقدومه أصبح سخاؤه يرى في وجهه الباسم، وترك عمل السوق والصناعة وتوجه للزراعة لأن سيده النبهان هكذا يفعل، وكان يقول لنا مشجعًا على العمل أن نحصل على الكسب الحلال وننفق على عيال الله كما يفعل سيدنا، كان الوالد يأمل أن يصل للمستوى الذي بإمكانه أن يغدق على أهل الحاجة والمساكين، فذلك هو الزهد أن يكون مال المرء بيده لا بقلبه.

ومنها: أنه سمى أختا لنا باسم «رشيدة» تبركًا واقتداء بسيدنا لديه بنت بهذا الاسم، حتى من ناحية توجه الوالد المذهبي كان مذهبه حنفيًّا، فغير الوالد مذهبه شافعيًّا لما علم أن السيد مذهبه شافعي.

ومظهر الوالد أيضًا غيّره، فبعد أن كان يلبس الطربوش الأحمر واللفة البيضاء المحيطة به، أو العقال والغترة، بدأ يلبس العمامة البيضاء النبهانية، وعذبتين، وكذلك العباءة كان يلبسها سابقًا فاستبدلها بالجبة، لا بل حتى الثوب الذي يلبسه يتميز بكسرات على شكل خطوط على الصدر وجيوب صغار لا تتجاوز مساحتها الخمسة سنتمتر مربع، أي لم يترك شيئا من الناحية الشكلية إلا وفعل مثل ما فعل..

ومما أذكر في زيارة سيدنا الثانية للعراق عام 1968م أن الوالد طلب منه أن يعمل استخارة لزواجي فكتبنا له بعض الأسماء وأرشدنا إلى المرحومة أم أمجد وقال: هذه حسنة.

وسار الوالد على منهج الشيخ النبهان بعد أن عرفه لا يحيد عن أحكام الشريعة ولا يخرج عن مبادئها، ومنها الالتزام بتطبيق السنن من صلاة وصيام وأذكار، وقلة كلام، وأهم ما استرعى انتباهه منعه ترك العمل، بل كان مثالًا للحركة الدائمة فتراه يعمل بالزراعة والتجارة وأي عمل مشروع، وينهى عن الكسل والتواكل، ولو أراد أن يطلب من أرباب الأموال لأغنوه عن العمل والكسب ولأصبح غنيًّا، لكنه لم يمد يده لأحد بل يعمل بنفسه، وأراد إعطاء درس عملي للسالك بالاعتماد على كسبه وخبرته وأن لا يتقاعس في أي عمل يراه مشروعًا مع اعتقاده أن جالب الرزق هو الله، وما الإنسان إلا مباشر أمره تعالى بالعمل، وبهذا كانت له ثروة مباركة درت عليه أرباحًا كان للفقراء وطلبة العلم النصيب الأوفى منها، فتلك هي ترجمة التوكل الحقيقية، وكان ذلك درسًا مهمًّا ومنهجًا اقتدى به الوالد الذي لم يترك  بعد أن عرف هذا المنهج يومًا بلا عمل، حتى وسع الله عليه رزقه في مزارعه التي يملكها في قرية الخوضة كان يشرف على إدارة أعمال الفلاحين والعاملين بنفسه، وحاول بعد إسناد مهام الخطبة لي أن لا ينقطع عن المنهج الذي اختطه سيدنا النبهان، فبقي إمام الجامع الشرقي، واستمر بالعمل في إدارة مزارعه حتى التحاقه بالرفيق الأعلى.   ويذكر أخي أيضًا عن سيدنا أنه كان يثني على والدي وعلى أتباعه ويشجعهم دائمًا على حب الله ورسوله والصالحين، وكان أيضا سيدنا يمدح الشيخ حمد يحيى الفياض، ما رأيته أثنى على أحد مثلما أثنى عليه.

كان يوجهنا دائمًا لمحبة سيدنا النبهان رضي الله عنه- ويقول: إنه تكاملت فيه أوصاف الكمال التي لخصها الإمام النووي رحمه الله في مقاصده بقوله: «ومن المطلوب اعتقاد مَنْ علم وعمل، ولازم الأدب، وصحب الصالحين».

ومنذ صغري وعند قدوم السيد المبارك لهيت عام 1969م أحفظ بيتي شعر خطا على لافتة وعلقت على أكثر من مكان قيل لي فيما بعد هما للشيخ إبراهيم رْحَيِّم استقبل بها أهالي هيت سيدنا معبرين بهما عن اعتزازهم وتشرفهم وترحيبهم بمقدمه الشريف، والبيتان هما:

هلّت بدورٌ من الشهباء مشرقة* لمّا بدا السيد النبهان من حلبِ

فغرّد القلب في أكناف بهجته* أهلًا وسهلًا بشيخ العُجم والعرب

وأيضًا كان والدي لما استعذب صوتي من حين صغري ويحفظني وإخوتي بعض المدائح ويسجلها لنا في المسجل ويستمتع بسماعها، ومنها:

يا سيدي النبهاني* طريقك الرباني

معلم الحقيقـــة* مهذب الإخوان

وحين كنت أنشد له وللحاج أيوب قصيدة «خبّرينا» المشهورة في هيت وهي:

خبرينا يا  منازلَنــــا* هل يعود الدهر يجمعنا

خبّرتني وهي  قائلـــةٌ* عن قريب الله  يجمعنا

وأعجبتهما القافية، نظما لي بيتين ساعد أحدهما الآخر في النظم وأمراني بإنشادهما وهما:

خبرينا   يا ذوي   الإرب* عن حبيب حلّ  في  قرَبي

جئت من أهلي إلى حلب* كي  أزورك  يا حبيب  لنا

 

                       

 

 

ومن القصائد التي كانت ينشدها أهل هيت في حق سيدنا أبي حنيفة -رحمه الله- (نعمان يا نعمانينا) أظنهما هما وآخرون قاموا بمحاكاتها أو معارضتها إلى (نبهان يا نبهانينا) ويحب سماعها، ومنها:

نبهان  يا نبهانينا* يا محيي سنة نبينا

 

وكان يعجبه أن يسمع مني دائمًا:

الله قل وذر الوجود وما حوى* إن كنت مرتادًا بلوغ كمال

واعلم بأنك والعوالم كلها* لولاه في محو وفي اضمحلال

من لا وجود لذاته من ذاته* فوجوده لولاه عين محال

والعارفون فُنُوا به لم يشهدوا* شيئًا سوى المتكبر المتعال

ورأوا سواه على الحقيقة هالكًا* في الماضي والحال والاستقبال

 

رحم الله الوالد لقد ربانا نحن أسرته جميعًا تربية إسلامية محمدية نبهانية، ونقر جميعًا بشمولنا بركات سيدنا وأنواره، فبعد فضل الله -تعالى- علينا يعود فضل مدده وإشراقاته الربانية لأسرتنا من طريق بركة سلوك والدي ومن معه من أسرته الحبيبية على يديه الكريمتين، ويشهد الله أنا نحبه وأن كل ما وفقنا إليه من خير فذلك بحبنا له، ونرتجي الخير دائما وأبدًا بحبه وعلى حبه، وأن يديم بركاته وأنواره علينا في الدنيا والآخرة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

من خصاله وصفاته:

إن صفات الشيخ وأخلاقه عاطرة بسجايا عظيمة، فكان متواضعًا عفيفًا حييًّا حليمًا سمحًا بشوشًا هينًا لينًا دؤوبًا في عمله مجدًّا فيه، شديدًا في الحق لا يخاف في الله لومة لائم وكان غضبه تعجبًا، حليمًا، رحب الصدر، سليم القلب، طيبًا كريمًا، ذا مروءة، شهمًا ماجدًا، حسن الرفقة.

يقول الشيخ عبد الغفور-رحمه الله- عندما نعاه: «وأما كرمك في بيتك فلم أر مثله، حيث إنني كنت في جنوب العراق مع شيوخهم، وفي بغداد وأطرافها كذلك فو الله لم أر نفسًا كريمة كنفسك الطيبة الطاهرة ولا كرمًا ككرمك وتُشعر الضيف وكأنه واحد من العائلة فينطبق عليك قول الإمام عبد الله بن المبارك نزيل هيت ودفينها:

يا ضيفنا لو جئتَنا لوجدتنا* نحن الضيوفَ وأنت رب المنزل».

ويقول الشيخ الدكتور هاشم جميل: «أحبه لخصلتين: إحداهما كرمه فما لقيت أكرم منه، والأخرى جمال صوته في قراءة القران في الصلاة فما يمل سامعه من تلاوته الحنونة الخاشعة».

يكسب رزقه بيده وعرق جبينه، فلم يمنعه كبر سنه وموقعه الاجتماعي أن يأخذ حد كفايته المشروع من متاع الحياة ليصون به نفسه وأهله عن الحرام.

كان الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله- يحذر من الانتماء للأحزاب مهما كان هدفها، قال ولده الدكتور إبراهيم: لم يكن والدي -رحمه الله- يميل إلى السياسة أيًّا كانت ولا إلى أي حزب من الأحزاب؛ لاعتقاده أن الأحزاب لا تتناسب مع دور العالم في البلد بل عليه أن يجمع الجميع دون الالتفات إلى أحزاب أو توجهات.

كان يوصي تلاميذه بالاهتمام بالدروس اليومية وتكرارها فيقول: «الدرس حرف والتكرار ألف»، وكان إذا علم من طالب ضعفًا في حفظه قص عليه قصة ابن حجر -رحمه الله- فيقول له: يا ولدي إن الحافظ ابن حجر كان ضعيف الحفظ فمر ذات يوم على رجل يحز صخرة بحبل حتى ترك أثرًا كبيرًا فيها فأنشد يقول:

ألم تر أن الحبل بتكراره* في الصخرة الصماء قد أثّرا

فتعلم ابن حجر -رحمه الله- أن تكرار الدرس يؤثر في رسوخه في الذهن فأخذ ابن حجر هذا المسلك في التعلم حتى أصبح من أعظم الحفاظ والمحققين.

أما هيئته فكان -رحمه الله- قصير القامة، مربوعًا، يرتدي عمامته البهية التي يغطيها خمار أبيض يعرف بـ (الغترة) ويرتدي الجبة بعد أن كان يلبس العباءة، ولا تراه إلا وهو بزيه الشرعي المعهود الذي عهده الناس به.

كان قبل أن يدخل طلب العلم وفي بداية طلبه يعمل في استخراج معدن القار ونقله وتجهيزه، وكان يراجع واجباته مستظهرًا لها وهو على ظهر دابته في ذهابه وإيابه إلى المقلع.

ومما ينقل عنه أيضًا أنه كان عنده محل تجاري (دكان) في ساحة باب الشرقي وموقعها مقابل مسجد (ست نفيسة) في قلعة هيت (لولاية) قرب دار أهله فكان هو وبعض إخوته يبيعون فيها القماش والغذائية والعطارية ونحوها إضافة إلى عمله نساجا مع والده أحيانا.

ولما استقر في هيت بعد طلب العلم بدأ بمراجعة أرضه الزراعية التي ورثها عن آبائه فكان يأخذنا نحن أولاده وأحفاده معه إليها لنعمل فيها ويوصينا بأن نتمسك بها ويقول: إنكم ستنتفعون بهذه الأرض وإن العمل عبادة فبقي يعاود مراجعته إليها مع عمله إمام الجامع الشرقي حتى توفي -رحمه لله- يجمع بين العبادة والعمل.

وفاته:

توفي -رحمه الله- صبيحة يوم الأربعاء 22 صفر 1411هـ، الموافق 12 أيلول 1990م في داره في هيت، فنعته المآذن يومها وترحم عليه أهل هيت الذين امتلأ بهم المسجد يومئذ لأداء الصلاة عليه، ووقف الشيخ الدكتور عبد الملك السعدي أمام مشيعيه ألقى فيهم كلمة نعى فيها الشيخ وبين فيها مآثره ومكانته وبعض سجاياه ثم صلى عليه هو والحاضرون ثم شُيع بعد ذلك ودُفن في مقبرة الشيخ أحمد في حي الجمعية بعد أن قضى أربعة وستين عامًا حافلة بالعلم والعمل والدعوة. 

المصدر:

أعد لي هذه الترجمة الشيخ هشام الألوسي بالتعاون مع ولدي المترجم: الدكتور إبراهيم، وإسماعيل عبد الرزاق الهيتي، بتاريخ 11 حزيران 2018م.

ملف مسموع:

خطبة للشيخ عبد الرزاق محمود حبيب عن عيد الفطر السعيد.

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 286).

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 6-9-2021م