آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الشيخ العلّامة علاء الدين علايا رحمه الله



مرات القراءة:221    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

  الشيخ العلّامة علاء الدين علايا

رحمه الله

1337 - 1431هـ/ 1919  2010م

 

 

ترجمة الشيخ العلامة علاء الدين علايارحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 395).

العالم العامل، المحقق الحاذق، صاحب قوة البرهان، وسطوع البيان الشيخ العلامة علاء الدين علايا.

ولادته ونشأته:

ولد رحمه الله- عام 1919م في مدينة تادف التابعة لمدينة حلب، وينتهي نسبه إلى سيدنا العباس -رضي الله عنه- عم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

والده الحاج حسن عبود علايا كان تاجرًا في مدينته (تادف).

 والشيخ علاء الدين أصغر إخوته، وشاء الله أن يكون يتيم الأب وهو في الرابعة من عمره، وكانت وصية والده: (إني أرى فيه طالب علم، وأريده أن يكون طالب علم).

ما إن أصبح في التاسعة من العمر حتى لحقت أمه بأبيه، فصار يتيم الأبوين ولكن إخوته الحاج محمد والحاج يوسف -رحمهما الله- التزما بوصية والديهما واعتنيا به كل الاعتناء.

 

وحين بلغ الثانية عشرة من عمره طلب من أخويه الالتحاق بالثانوية الشرعية في حلب لطلب العلم، وكان -رحمه الله- أول فرد في الأسرة يطلب مثل هذا الطلب.

لم يقتنع أخواه بهذا الطلب خوفًا عليه فقد كان حديث السن قليل الخبرة، لكنه ظل متشبثًا بطلبه حتى وافقا عليه، وتحققت رغبة والده، رحمه الله.

 كان أخوه يحثه على الجد في طلب العلم ويقول له: إذا لم ينجح إلا واحد في الصف فيجب أن تكون أنت ذاك الواحد.

تزوج -رحمه الله- عام 1949م وله أربعة أبناء وبنتان.

دراسته:

انتسب إلى المدرسة الخسروية في حلب عام 1933م، ثم انتسب إلى الأزهر الشريف عام 1951م.

ثم التحق بكلية التربية في دمشق عام1961م.

في العام الذي انتسب فيه إلى الأزهر الشريف التحق أيضًا بجامعة القاهرة كلية الحقوق واستمر فيها مدة عامين.

من شيوخه في العلم:

الشيخ محمد أسعد العبجي، والشيخ فيض الله الأيوبي، والشيخ محمد سعيد إدلبي، والشيخ نجيب خياطة، والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ محمد السلقيني. رحمهم الله جميعًا.

من زملائه في الدراسة:

الشيخ عبد الله علوان، والدكتور عبد الفتاح أبو غدة، والدكتور محمد علي الصابوني، والأستاذ عبد الرحيم علاف، والدكتور محمد رواس قلعة جي

والدكتور الطبيب ناظم النسيمي، والشيخ محمد أديب حسون، والأستاذ عبد البر عباس. رحمهم الله.

 صفاته:

هو معتدل القامة، مائل إلى الطول، نحيف، سريع الخطو والكلام والبديهة، قلما تراه مازحًا، جادٌّ، مسكون الذهن دائمًا بتأملاته، محبوب، موقر، قريب جدًا من الجادّين من طلابه، مكانته في العلوم مكينة، وحذاقته في التنقيب والغوص على المعاني حادة، ومناقبه الشخصية جعلته في عِلية العلماء، وعالية النقباء.

أوتي الشيخ علاء الدين علايا قوة البرهان، وسطوع البيان مع الصبر والمصابرة.

له اهتمام خاص بالأدب والشعر، أَلّفَ قصيدة ألفية في مدح السيد النبهان استعرض فيها كل حياة السيد رضي الله عنه.

يقول في مطلع هذه القصيدة:

أعظم بذكرى فقده ومصابه *  حين التقى  مع  آبِهِ  شعبانُه

 

له بحوث عديدة ألقاها في مناسبات رسمية عديدة كبحثٍ كتبه عن (منع الحمل) ألقاه محاضرة في المركز الثقافي في حلب أواخر السبعينات.

في بداية الستينات عُيّن موجهًا لمادة التربية الإسلامية عن المنطقة الشمالية والشرقية (من حلب إلى أبو كمال) في القطر السوري. 

وكذلك في أوائل الستينات  كُلِّفَ وفضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم السلقيني -رحمه الله- بتأليف مناهج التربية الإسلامية لكل الشهادات (الكفاءة العامة، والثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، ودار المعلمين) ودُرِّست في المدارس والثانويات ودور المعلمين السورية.

الشيخ علاء الدين وصحبته للعارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهانt :

مواقفه وحضوره عند السيد النبهان معروفة مشهورة.

كان الشيخ علايا يلتقي بسيدنا -رضي الله عنه- مرارًا وتكرارًا حين كان يقيم في جامع الإسماعيلية عام 1936م.

سمعت منه -رحمه الله- مسجلًا يقول:

« الشيخ محمد أسعد العبجي كان محترِمًا ومعظمًا السيدَ محمد النبهان منذ عام 1936م بالضبط، وكان سيدنا النبهان وقتها إمامًا بديلًا عن الشيخ عبد الله سلطان (الحفيد) الذي ذهب إلى مصر ليكمل دراسته، ومما منّ الله به عليّ أني أخذت غرفة في ذاك الجامع مقابل غرفة السيد النبهان، وكان الشيخ أسعد يأتي ويقف على باب غرفة سيدنا فيطرق الباب بأظافره، وأنا أتصور صورته الآن وبيده سبحة طويلة يسبح بها، أشاهده وهو ينتظر أمام غرفة سيدنا أحيانًا خمس دقائق وأحيانًا عشر دقائق، فيُؤذَن له فيدخل، وأحيانًا لا يؤذن له، فيكرر الاستئذان، وأحيانًا تطول الفترة إلى ثلث ساعة، وما هذا الانتظار إلا لأنه عرف من هو الشيخ محمد النبهان.

كان اعتقادي بسيدنا منذ رأيته وسمعت به أنه عالم ليس كالعلماء وهذا قبل أن آتي إلى هنا بشكل مستمر».

الشيخ علايا لم يستسلم للسيد النبهان مريدًا وسالكًا إلا بعد عودته من اللاذقية حيث كان مدرسًا في ثانوية جول جمال في مدينة اللاذقية وذلك في عام 1964م فلزم -رحمه الله- سيدنا النبهان h، وغيّر زيه وكان أفنديًا فارتدى الجبة والعمامة النبهانية.

ومما يذكر أنه في أول مرة غيّر الشيخ علاء الدين لباسه من لباسِ أفندي إلى لباس العلماء (جبة وعمامة) أنه دخل على السيد النبهان يومها، فلما جلس قال أحد الحضور: سيدي هل لاحظت أبا شوقي؟

قال: ما بهِ؟

قال: سيدي يلبس جبة وعمامة.

فقال السيد: أنا هكذا كنت أراه.

تحدث هو -رحمه الله- عن سبب تعلقه بسيدنا -رضي الله عنه-  فقال كما هو مسجل:

«السبب الذي استحوذ وسيطر عليّ وأخذ بلبّي وكياني هو فهمه وتحقيقاته في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ما قرأ قولًا إلا وحققه، وما طلبتُ منه كرامة وما خطر في بالي أن أطلب منه كرامة، لا استهانة بالكرامات ولكنني لا أعتمد على الكرامات، فالكرامة هي دليل على صدق من أجرى الله على يديه الكرامة، وأنا كنت موقنًا ومصدقًا به إذن فلماذا أطلب الكرامة!».

يروي لنا الدكتور محمود الزين -رحمه الله- ناقلًا عنه، يقول الشيخ علايا: «كنت مولعًا بالأمور العلمية جدا، ً فجئت وحضرت مرة عند السيد النبهان، فسمعته يتكلم بتحقيقات علمية راقية، وكنت كلما جلست إليه أسمع شيئًا جديدًا، فقلت في نفسي: إن هذا ليس تحقيقًا عقليًّا أو قراءة في كتب، هذا لا يكون إلا عن فتح إلهي فلازمت السيد النبهان رضي الله عنه ».

الشيخ علاء الدين علايا صاحب عقلية مستقلة لا قابلية لديه للتبعية أبدًا، وما كان يسلّم لأحد إلا للسيد النبهان.

كتب لي تلميذه الشيخ محمود العبيد: «مرة كان يناقش شيخنا الشيخ علايا -رحمه الله- الطالب عيد الإبراهيم في مسألة، فلما أُخبر أن السيد النبهان -رضي الله عنه-  يخالفهما في الرأي توقف فورًا وقال لعيد الإبراهيم: عقلي وعقلك ورأيي ورأيك في سلة المهملات إذا قال أهل الله قولًا يخالف رأينا».

في عام 1965م صحب -رحمه الله- شيخه الشيخ محمد النبهان h-رضي الله عنه- في حجته الثانية، حيث ولاه السيد النبهان إمارة الحجيج الذين حجوا معه، وهم 240 رجلًا، و160 امرأة.

تحدث -رحمه الله- عن بعض مواقف الحج فقال -كما سمعته مسجلًا-:

«جاء الإمامان إلى سيدنا -رضي الله عنه-، وأنا رأيتهم بعيني، توضؤوا وضوءًا جديدًا من ماء زمزم، وكان سيدنا جالسًا أمام مزراب الرحمة، فأتى أحدهم وأخذ يد اليسار لسيدنا فقبلها، والثاني أخذ اليمين فقبلها أيضًا، وأخذ صاحب اليمين يمص إصبع السيد، وصاحب الشمال بدأ يسأل السيد ولكن لا بلسانه، إنما بقلبه يسأل ويجيبه السيد ولا أحد يسمع، وهناك عالم من علماء رجال الأمر بالمعروف يقول لواحد من جماعتهم: انظر كيف سجدوا له! وهو يقصد الإمامين لما قبلوا يد السيد، هناك واحد من إخواننا تاجر كبير يريد أن يرد عليه وأنا كنت واقفًا جنبه، فأشرت له قلت: لا تعكر صفونا في الرد عليهم، وإذ هناك واحد شكله باكستاني أو أفغاني ملتح أسمر سمت جميل فقال له: ابق مع سيدنا، لا تُذهب نورك مع هؤلاء المظلمين، هؤلاء إن سمعت منهم فلا ترد عليهم فسأله أخونا الحلبي: هل أنت تعرف سيدنا؟ فقال له: أنا من قبل سبعة أشهر لي خبر وأُذِن لي أن أحج لأجتمع معه.

لما حججت معه -رضي الله عنه- عام 1965م كانت الكرامات يأخذ بعضها برقاب بعض، من التسهيلات، من الأمور العظيمة، فماكنت أنظر إلا إلى تحقيقاته.

تميز حج سيدنا النبهان بأن عددًا كبيرًا من الرجال والنساء حج معه، ولم يختلط رجل بامرأة مهما كانت، وذلك من حلب إلى حلب، ولم يحدث أي انشقاق أو خلاف حتى أن بعض العلماء عندما اجتمعوا بسيدنا، وشاهدوا هذا العدد الكبير من النساء، والكل يرتدي لباسًا موحدًا ساترًا، ولا يسمع لهم جلبة ولا صوت، فقال: يكفي هذا المشهد ليدل على تميزك، نحن نصحب معنا بعض النساء واحدة أو اثنتين، ونعجز عن التحكم بهن». 

كانت هناك جلسات عديدة للسيد النبهان يخص بها الشيخ علايا -رحمه الله- في بيته، وآخر دعوة للسيد في بيت الشيخ علايا على الغداء عام 1973م.

والشيخ علاء الدين علايا أحد أكابر أصحاب سيّدنا -رضي الله عنه-، استقى من معينه وشاهد المشاهد الكثيرة والكرامات العظيمة فهو صاحب صحبة صادقة مع السيد النبهان قدس سره.

كان للسيد النبهان مجلس خاص يوم الجمعة بعد العصر في بيت من بيوت أصحاب سيدنا يحضره عدد من أهل العلم وإخوان السيد، وكان الشيخ علاء الدين علايا ممن يحضر هذا المجلس.

ومرة كان الشيخ علايا في مجلس خاص فيه بعض إخوان سيدنا فقال لهم السيد -رضي الله عنه-: «لا أموت حتى أكملكم كلكم».

حين أجرى السيد النبهان عملية جراحية قبل وفاته بفترة كان يوضع له فراش عند النافذة الغربية لغرفة الضيوف بعد العصر ويلتف الحاضرون من أحباب السيد حوله، والشيخ علاء الدين ممن واظب على هذا المجلس وكان هو أكثر الحاضرين أسئلة للسيد، وكان يحضر المجلس الذي خصه السيد النبهان للعلماء، ويواظب عليه وقرئ في كتاب إحياء علوم الدين مدة، وكان الشيخ علاء الدين يقرأ والسيد يعلّق.

أعماله ووظائفه ودعوته:

عمل مدرسًا في العديد من مدارس حلب وغيرها كمدرسة جول جمال في اللاذقية، وثانوية هنانو في حلب؛ وكان له أثر بارز فيها، والمدرسة الخسروية، وكذلك كان موجهًا لمادة التربية الإسلامية في مدارس حلب.

كان الشيخ علايا يدرّس التربية الإسلامية في مدارس التربية في حقبة من تاريخ بلاد الشام المعاصر التي تعدّ الأكثر حراكًا وعراكًا بين الإسلام والحركات والأحزاب فكان يخوض حوارات طويلة عريضة مع أصحاب تلك التيارات.

عين مديرًا في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية)، وكذلك مدرسًا، فدرّس فيها: أصول الفقه، والثقافة الإسلامية ومصطلح الحديث، والإقراء، والفرائض، والبلاغة، والعروض، وقصص الانبياء، دَرّس في مدرسة الكلتاوية منذ افتتاحها عام 1964م إلى وفاة السيد النبهان -رضي الله عنه- 1974م.

كان له درس فكري روحي قبل صلاة الجمعة في جامع الكلتاوية من عام 1987م إلى عام 1995م.

له درس خاص يوم الاثنين بعد العصر إلى المغرب يجيب عن أسئلة الصفوف الأخيرة في المدرسة، وكثير منها مسجل.

ظل الشيخ علاء الدين علايا مدة طويلة يحضر عند ابن سيدنا السيد أحمد النبهان أبو فاروق بعد صلاة الجمعة حيث يستمع الحاضرون شريط درس أو مذاكرة بصوت السيد النبهان، ثم يشرح الشيخ علاء الدين علايا ويجيب على أسئلة الحاضرين وقد استمر ذلك مدة طويلة.

مشاهد ومواقف:

وهنا أنقل بعض المشاهد التي حضرها وتحدث عنها -كما هو مسجل- يقول، رحمه الله:

«ذُكِر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي -قدس سره- أمام سيدنا النبهان وكنت أنا جالسًا فقال أحد الأشخاص وتلا قول الشيخ الأكبر: 

لكلِّ  عَصْرٍ   واحدٌ  يَزْهُو  به * وأنا لباقي العَصْرِ ذاك الواحدُ

وأنا بنفسي قرأت هذا الكلام وهو مكتوب على مدخل مزار الشيخ الأكبر في دمشق.

فأنا تدخلت بالموضوع أمام سيدنا فقلت له: سيدي! يمكن أن يكون في الرواية تحريف، والشعر يحدث فيه تحريف، فأصل البيت كما قلت أنا: «وأنا لهذا العصر ذاك الواحد» وإذ بسيدنا يقول: لا «لباقي العصر» فسكتُّ، وما خطر ببالي ما الذي أبقاه لسيدنا إنما ثبت عندي أن هذا البيت صحيح وهذه الرواية صحيحة، أحد الأشخاص بعدما انفض المجلس استأذن سيدنا وقال: سيدي! أنا عندي استفسار؟! فقال له سيدنا: تفضل. قال: سيدي إذا كان الشيخ الأكبر هو لباقي العصر ذاك الواحد فما أبقى لجنابكم؟ قال سيدنا: «الشيخ الأكبر صفاتي وهو يتكلم عن الصفاتيين».

ومرة سأله أحد الإخوة وقد سمعت ذلك منه مباشرة قال: سيدي ماهي مرتبتك في الوجود؟! قال: «أنا الفرد الذاتي».

كان سيّدنا -رضي الله عنه-  يشرّفنا بالحضور كل يوم جمعة بعد صلاة العصر إلى فئة من الإخوة منهم: الشيخ حسان فرفوطي، والحاج أبو بشير الرفاعي، والشيخ محمّد لطفي، وكنّا مرّة بصحبة سيّدنا -رضي الله عنه-  في بيت أخينا الحاج حسن ابن محمّد إسحاق ابن عمر المكنّى بحسن دانيال، وحضر المجلس اثنان من الشيوخ المصريين: الشيخ عبد اللطيف شعبان والشيخ محمود جوهري اللذين كانا مدرِّسين في دار نهضة العلوم الشرعية وقد انتهت مدّة إقامتيهما، فطلبا مني أن أكلم سيّدنا -رضي الله عنه-  ليكرمهما بشيء قبل سفرهما، فبادرت وقبلّت يده وقلت له: سيّدي إنّهما يريدان إكرامًا من جنابك، وعندها قال -رضي الله عنه-  مباشرة: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالتفتُّ عندها فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

كنا في غرفة سيدنا -رضي الله عنه-  فخرج سيدنا من الغرفة للوضوء فقال أحد إخواننا: إن لإخواننا العراقيين مكانة عند سيدنا أكثر من الحلبيين، فأجابه الشيخ علايا: لا تنس أن لطلاب مدرسة الكلتاوية مكانة كبيرة عند سيدنا، فدخل سيدنا -رضي الله عنه-  بعد أن فرغ من الوضوء فأخبروه بالحوار فقال -رضي الله عنه-: «لو كان قلبي يتسع لغير رسول الله لكان لطلبة الكلتاوية».

حضرت بنفسي في غرفة السيد التي فيها مقامه الشريف جاء إليه ثلاثة أشخاص يحملون الدكتوراه أحدهم في علم النفس والآخران في علم الاجتماع «التاريخ والجغرافية» وسيدنا من ناحية الدراسة دراسته شرعية فقد درس في الخسروية وفي الأزهر الشريف العلوم الشرعية، دار الحديثُ، ومنّ الله عليّ أن حضرت هذا الاجتماع، وإذ بأحدهم يوجه السؤال لسيدنا فيقول: ما درجة حديث «علمت علم الأولين والآخرين، وسلوني ما شئتم ما دمت في موقفي هذا»؟ ما درجة هذا الحديث من حيث المصطلح وعلم الحديث؟

فأجابه سيدنا جواب الحكيم كما أجاب القرآن حين قال: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس، قال السيد النبهان: «إيش نريد من درجة الحديث؟ أنا أمامكم، سلوني ما شئتم ما دمت في موقفي هذا، إي أنا وارث محمدي أجيب كما أجاب محمد صلى الله عليه وسلم، أنت يا عالم النفس، وأنت يا عالم التاريخ، وأنت يا عالم الجغرافية سلوني ما شئتم ما دمت في موقفي هذا».

وهذا برهان على أنه الفرد المحمدي الذاتي، وهذا غيض من فيض ونقطة من بحر.

سمعت السيد النبهان -حفظنا الله به- من فمه لأذنيّ وكنت أجلس على كرسي أمام طاولته في غرفته وكنت لوحدي يقول: «مما منّ الله به على أنني ما تركت أحدًا أمامي، وقال: كنت أتمنى أن أعود ابن ثلاث سنين لأسير سير سهل التستري أما الآن فلا أتمنى». 

سمعت سيدنا من فمه الشريف لأذني -واللهُ على ما أقول شهيد- في غرفته هذه وأنا كنت بجانبه فسأله أحد إخوانه: هل صحيح هناك مجدد ألف ومجدد مئة؟ فقال: نعم ثم قال -وبكل صوت متواضع-: «وأرجو الله أن أكون مجدد الكل».

ذكر أحد إخوان سيدنا أمام السيد النبهان أن الشيخ عبد الغني النابلسي قال: منّ الله علي أنني في ليلة من ليالي الأسبوع تنام عيناي ولا ينام قلبي فقال سيدنا رضي الله عنه: «وهذا سمعته بأذنيّ هاتين» مما منّ الله علي به أنني على الدوام تنام عيناي ولا ينام قلبي.

قال أحد إخوان سيدنا وكنا في بيته مدعوّين في آخر أسبوع قبل انتهاء أجله يقول لسيدنا الشيخ محمد النبهان ونحن جالسون معه: يا سيدي إن شاء الله في الدار الآخرة نجلس مثل هذا المجلس فقال له: نعم مثلما نحن جالسون نجلس هناك ثم انعطف إليه وقال: ولكن أنت على ما أنت عليه وأنا على ما أنا عليه «أي أنت في مرتبتك وأنا في مرتبتي» فعلم من علم من الإخوان أن أجل هذا الأخ قد انتهى وفعلًا توفي بعد فترة وجيزة.

 سمعت من فمه الشريف لأذنيّ هاتين في غرفته التي فيها قبره الشريف: أبو شوقي! هذه العلوم التي عندي وأشار إلى صدره الشريف هل ترجع معي؟! «يعني ما وجد لها حملة ممن عاصره».

ويتحدث -رحمه الله- عن انتقال سيدنا فيقول: كان انتقال سيدنا فقدانًا لحقيقتنا وفقدانًا لذواتنا، ولا يحافظ لنا على هذه الذوات إلا المحبة، وفقداننا له فقدان للتحقيق والتجديد في بيان حقيقة وجوهر الشريعة الإسلامية فلا شك أنه مجدد ومجدد الكل كما سمعته شخصيًّا من فمه الشريف لأذني بأنه مجدد الكل، وأنه محقق، وأنه ما من قول إلا وحققه ماعدا القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهذه خسارة عظمى لا تعادلها خسارة وفداحتها كبيرة لا يساويها أي شيء في الوجود لأننا خلقنا للمعرفة إذن فقدنا التحقيق والتجديد، والتجديد يعني إعادة وتقويم مفهوم الدين المفهوم الصحيح للقرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا التحقيق وهذا التجديد لا يعادل فقدان الوجود بأسره».

هذا غيض من فيض سيرته العطرة، فرحمه الله آنسه الله رفع درجته في عليين.

مرضه ووفاته:

لازمه المرض أواخر حياته إلا أنه لم يغير فيه شيئًا من عقله ودقة فهمه واستحضاره العلوم.

يقول الشيخ محمود الزين، رحمه الله: «زرته في عام 2008م فوجدته كما هو في عقليته وتفكيره ومعالجته للمسائل، لم يغيره الكبر ولا المرض».

توفي عصر الجمعة 17 جمادى الأولى 1431 للهجرة، الموافق 30 نيسان 2010. م

وصلي عليه في جامع الكلتاوية ودفن في مقبرة البادنجكية في حلب الشهباء.

رثاؤه:

رثاه تلميذه الشيخ محمود العبيد فقال:

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بادئ ذي بدء أعزي نفسي ومدرسة الكلتاوية والأمة الإسلامية جمعاء بوفاة العالم الجهبذ فضيلة العلامة المربي الشيخ: علاء الدين علايا.

تغمده الله تعالى بوافر رحمته، وأسكنه فسيح جنته، وأنزل عليه السكينة والأمان، وجعل قبره روضة من رياض الجنان، وحشره مع سيد الأنام مولانا محمد والصحب الكرام.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم 24).

إذا كان هذا الوصف لكلمة طيبة فكيف يكون الوصف لعالم جهبذ، ومربٍّ صادق، ومعلم بارع، جعل الرسول قدوته، ومحبة الصالحين بضاعته، ومجالسة العارفين سجيته؟!

فقد كان لهذه الخصال الحميدة أثر في أخلاقه وأحواله وتصرفاته.

ولك أن تتصور معي أخي الكريم حال من لازم الصالحين وأخذ عنهم.

كان -رحمه الله- وقّافًا عند حدود الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، عُمَريٌّ في طبعه، تساوى عنده الكبير والصغير «وأعني هنا المراتب الدنيوية الزائفة والطبقات الاجتماعية البالية» فكان لا ينظر إليهم بمنظار الدنيا الفانية، ولكن بمنظار الحقيقة، بمقياس أهل الله، حيث إن الكبير عندهم هو الله تعالى.

ولعلي أذكر موقفًا لي معه يدل دلالة واضحة على قبوله الحق من أين أتى فالحق عنده أحق أن يتبع.

تعلمنا منه أصول النقاش والحوار، حصل خلاف بيني وبينه عندما كنت مراقبًا في مدرسة الكلتاوية بعد وفاة السيد النبهان -رضي الله عنه-، فاستعملت معه نفس الأسلوب الذي يسير عليه في النقاش، فلما غلبته بالحجة وأثبت له الدليل قال لي: أنا أخطأتُ والحق معك.

 وكان محبًّا لأهل الله، ملازمًا لهم، متأدبًا في حضرتهم، مقتفيًا أثرهم، متمثلًا بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام 90) فانبثق النور المحمدي من قلبه ليظهر على لسانه وقلمه، حتى شهدناه مخلصًا تقيًا ورعًا.

كان مثالًا يحتذي به ويفتخر طالب العلم منا بالانتماء إلى هذه المدرسة المحمدية.

فو الله إن الكلمات والمعاني لتزدحم في ذكر مناقب هذا الشيخ الجليل والوالد المربي، ولكن مهما كتبنا في حقه فلن نوفيه قدره.

فوداعًا يا أبا شوقي، لك منا التحية والسلام، ولتسعد روحك في عليين.

 فطبت -يا شيخنا- وطاب مسعاك، وجمعنا الله وإياك في رحاب خير الأنام سيدنا محمد بدر التمام وآله والصحب الكرام.  

ورثاه تلميذه الدكتور أحمد الموسى فقال:

(الشيخ علاء الدين علايا أستاذ العقلانية والمعاصرة)

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (الفجر 28-29)

وداعًا أستاذ الأساتيذ، رحمة الله عليك، وجزاك خير ما جزى أستاذًا عن العلم وطلابه والتربية وشُدَاتها.

لقد كنا ولا نزال نحن طلابك ندعو لك في صلواتنا ومنتدياتنا، فائذن لنا اليوم أن ننشر بعضًا من مآثرك في سطور وكلمات وفاءً لروحك الطاهرة، وإنصافًا للرجال الذين لم يطوِ القدر صحف عمرهم المبارك حتى رفدوا الحياة بأجيال أخرى روت للتاريخ قصص عباقرة العلوم الإسلامية في حلب الشهباء حاضرة الدين، والثقافة، والتراث، والتقى، والتسامح في بلاد الشام.

أول لقاء كان لي به يوم تقدمت إلى معهد دار نهضة العلوم الشرعية للانتساب إليه في صيف عام 1966م كان يجلس بوقار إلى جوار اثنين هو ثالثهما: المربي الكبير مؤسس المعهد سيدي محمد النبهان -طيب الله ثراه- وشيخي محمد أديب حسون، رحمه الله.

ثم صار الشيخ علاء الدين علايا أحد شيوخي الأكثر تأثيرًا في تخصيب عقليتي، وتنمية معارفي، كان أستاذي في العلوم التي ثوّرت عقليتي الناقدة والمتوثبة، كعلم أصول الفقه، ومصطلح الحديث، والمنطق، وأحيانًا البلاغة العربية، وكلها علوم لا يدرّسها إلا من وُهب العمق والحذق والتفنن في العقليات والذوقيات، وكان الشيخ علايا بحق أستاذها وفارسها.

والطريف مع هذا أننا كنا في معهد ليلي نهاريّ، مسوّر لا يسمح لنا بمخالطة الناس إلا بندرة، فلا نزور أو نُزار إلا في المناسبات، فنحن منقطعون للتعلم والتربية، وكأن من استراتيجية التخطيط التربوي حينذاك أن نتفرّغ تفرّغًا تامًّا من كل شواغل الدنيا.

ولأن الطموح والتطلع لا يمكن أن يُسوّرا بإحكام كان الشيخ علايا يمثل لنا بوابة عبور، نتعرّف من خلالها على تيارات الحداثة والمعاصرة، وما يُشعِل الحراك الطلابي من أسئلة عصرية في المدارس الحكومية، فقد كان الشيخ علايا يدرّس في تلك المدارس التربية الإسلامية، وفي حقبة من تاريخ بلاد الشام المعاصر تعدّ الأكثر حراكًا وعراكًا بين الإسلام والحركات والأحزاب العلمانية، فكتب على مدرسي التربية الإسلامية أن يكونوا في واجهة هذا الحراك وحواراته، ولذا كان أستاذنا يحضر إلينا غالبًا بعد الظهر وقد أنهى دروسه في المدارس الحكومية، وخاض ما خاض من صراع عالي الموج، فإذا وصل إلينا ونحن قلة ألقى عصاه واستقر به غمار التحديات وتنفّس الصعداء، كأنه يشعر إذا التقانا براحة الجسد والأعصاب، ثم يشرع في تدريسنا بعقلية أخرى وروحية أخرى.

لقد أوتي شيخنا قوة البرهان، وسطوع البيان مع الصبر والمصابرة.

وما كان أحوجنا نحن المنقطعين عن العالم إلى استطراداته! وهي في الأغلب نفثات متأمل، أو ملاحظات أو تعليقات من خرج من الحوارات توًّا، وكلها أمور نطالع فيها ما يفكّر به أترابنا من الطلاب كالاشتراكية والوجودية والليبرالية والرأسمالية والديمقراطية، والحريات، والتي كنت أراها من ألصق ما يجب تدريسه في فصول العقيدة، بدل تاريخ الفرق ومقولاتها.

إن نجاحي في حياتي العلمية والعملية يعود بعد فضل الله تعالى إلى شيوخي الأوائل ومن أبرزهم الشيخ علاء الدين علايا.اهـ.

وكتب في رثائه تلميذه الشيخ إبراهيم المنصور:

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أحسن الله عزاءنا، وعزاء إخواننا زملاء الدراسة، وعزاء المسلمين في أستاذنا الكبير، المربي الفاضل، والعالم العامل، والحاذق العاقل، شيخنا أبي شوقي، الشيخ علاء الدين علايا، رحمه الله وأحسن مثواه.

لقد عرفناه في الروضة الربانية الزكية، والدار النبهانية البهية، مدرسة دار نهضة العلوم الشرعية، سقى الله أيامها ما كان أصفاها! وأحلاها من أيام!

كان أستاذنا الراحل أصوليًّا، فرَضيًا، لغويًّا، أثريًّا، كان حَبرًا في العلم، رحبًا في الفهم، بحرًا في العقل والتحقيق، فارسًا مجليًا في الحوار والحِجَاج، جبلًا في الصدق والثبات، مثلًا في الإخلاص وحسن الصحبة لشيخنا ومربينا العارف بالله سيدي محمد النبهان قدس الله روحه.

قال لنا مرة: إن الذي شدني إلى سيدنا الشيخ ما رأيت عنده من العلم والتحقيق. «أو كلمة بهذا المعنى».

ومن أهم ما يميز فقيدنا -رحمه الله- أنه كان صيـِّنًا ديـِّنًا، لم تنل الدنيا من دينه شيئًا، لا المناصب ولا المطامع، ولا العمائر والمزارع، بل ولا المنابر والمجامع، فقد كان من الأخفياء الأتقياء.

كان -على جلالة قدره وذيوع اسمه في الوسط العلمي والتعليمي في حلب الشهباء، في الثلث الأخير من القرن الهجري الماضي- خامل الذكر في سنوات الفتن والمطامع التي أشرعت أبوابها بعد ذلك.

يذكرني حاله بحال سيدنا سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، الذي كان من السابقين، ومن وجوه الصحابة رضي الله عنهم، ومن العشرة المبشرين، ولكنه آثر العزلة إبان الفتنة، وغادر المدينة إلى العقيق فرارًا بدينه، ولما عوتب في ذلك قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِّيَّ الْخَفِيَّ».

وأحسب أن أستاذنا الراحل قد كان من أولئك الأتقياء الأخفياء، أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله.

وأشهد أني زرته في منزله بحلب، بصحبة بعض زملاء الدراسة، قبل قرابة عشر سنوات، فوجدناه وحيدًا في شقته، ليس معه فيها أحد، قد كف بصره أو كاد، فتملكتني حسرة وحيرة، كيف يكون رجل بهذا القدر-قد كان قبلُ ملءَ السمع والبصر في الساحة العلمية في البلد- مغمورًا مستورًا على هذا النحو المحزن؟! ولكنها الصيانة والديانة.

والسلامة لا يعدلها شيء، فهل في هذا عِبرة لمعتبـِر، أو قدوة لمدَّكر؟!

رحمك الله أبا شوقي رحمة واسعة، وأنزلك منازل الصديقين، وجزاك الله عن أجيال الناهلين من علمك، والمسترشدين بهديك، خير ما جزى به عالمًا عن علمه، وسلفًا عن خلف، وجمعنا بك في عليين في مستقر رحمته، إنه أرحم الراحمين.  آمين.

ورثاه تلميذه الدكتور محمود أحمد الزين -رحمه الله- فقال: 

في وداع العلامة أستاذنا علاء الدين علايا، -رحمه الله-، أستاذيَ العلامةَ المفضال وشيخيَ المحقق في كل ما قال.

رحمك الله قدر ما أفدتُ منك وأفاد كل محب للعلم والتحقيق، وقدر ما رفعتَ للحق من منار أضاء كل طريق، رحمك الله قدر ما قدمت للأجيال من علم ممزوج بنور الهداية، رحمك الله قدر ما أحببت السيد النبهان وأحبك وسقاك من نوره فسقيت به المحبين، أبكيك أم أبكي يوم وفاتك العلم والتحقيق ونصرة الحق وإخماد الباطل ونشر أنوار السيد النبهان؟! بل أبكي ذلك كله، وأبكيك أنت أولًا، فأنت منبع لذلك كله وأنت علاء الدين.

ودّعِي شهباءُ ذا الوجهَ الوقورْودّعِي في العلم سَفانَ البحور

غاص في العلم إلى أعماقه * واقتنى منه دراري النحور

وغدا التحقيق طبعًا عنده * في عويص العلم في أخفى الأمور

ما ارتوى لكـن مضـى مستطلعًا * عن ذوي العرفان سادات الصدور
فإذا النبهان شمس في الضحى * وسنـاها مشـرق ملء الدهور

فدنا مقتبسًا لكنه * صار في أفلاكها دون شعور

ورآه الناس نجمًا ساطعًا * فيه من أنوارها وجه البدور

عاش يزداد ضياءً بعدها * ويناجيها بطور بعد طور

ويبثُّ العلم ممزوجًا به * فإذا طلابه فخرُ العصور

غير أن الشوقَ للنبهان ما * زال يغلي مثلما غليُ القدور

فأتت من فوق أطباق السما * دعوة نادت فلبّى في حُبور

كيف لا والسيد النبهان في * وجهه يلقاه في أعلى القصور

طار يشتدُّ إلى أعتابه* حولَه الأحبابُ في أسمى سرور

طابتِ اللقيا وعاد النجم في * لُجّة النور كما ماضي العصور

غادرَ الدنيا وفيها أهله * ومحبو العلم، ممزوجًا بنور

أدمعًا حرَّى قلوبًا خشعًا * وحنينًا دائمًا ملء الصدور

يا علاءَ الدينِ دعهم يهنؤوا* بالذي أبقيت فضلًا ذا ظهور

واهنَ بالنبهان في فردوسه * وتجلي الله في مَرِّ الدهور

 

وألقى الشيخ الدكتور محمد صهيب الشامي كلمة في عزاء آل علايا بوفاة الشيخ العلامة المربي الأستاذ علاء الدين علايا -رحمه الله- جاء فيها:

 

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عظّم الله أجركم، ورحم الله فقيدكم.

الحقيقة -أيها الإخوة- إننا لسنا في عزاء عادي، فقد يعرف البعض منكم فقيدنا معرفة حقيقية، والغالبية العظمى من أبناء هذا البلد، ومن علماء الحاضرين منهم في بعد عنه.
أستطيع أن أقول لكم اليوم ودّعنا -ولا أتألى على الله - خاتمة السلف الصالح من هذه الأمة حقيقة ودعنا عالماً من طراز خاص جمع بين العقل والقلب، ومساره التصديق والتسليم؛ بالرغم من قوة الحجة والمنطق عنده؛ إلا أن غلبة حال الاتباع جعله مهضوم الحال أمام أهل الأحوال؛ وهذه حقيقة ندر من يعرفها في فقيدنا رحمه الله.

لا زالت كلماته وحواراته وأنا في مقتبل العمر بل أقول: في سن الطفولة أتصوره وهو ممشوق الحال يوم أن كانت حلب خالية من الموجهين التربويين، من العلماء الصادقين، كان هو واحد من أبرزهم، فلما أن ألتحق بركب السيد النبهان تغير الحال إلى عالم آخر، وشاء الله تبارك وتعالى أن يمدّ وينسأ في اجله ليكون كما قلت لكم خاتمة السلف؛ وفي هذه الحقبة وهذه المرحلة تاريخ هذه الأمة، وما أحوج أمتنا اليوم إلى أصحاب عقل وفكر وقلب؟ فالانفصال ما بين أصحاب العقول والقلوب أدى بالأمة إلى انحرافات في التصور والسلوك، ومن جمع بين سوابق العلم وسوابق الفهم مع صدق الاتباع هم نزرة يسيرة من الرعيل السابق فما بالك بالواقع الحاضر؟!
لا زلت أتصور ذلك القوامَ الممشوقَ، فهو لم يتغير في شكله منذ أيامه الأولى، حاله يغني عن مقاله وكانت الكلمات في يوم الجمعة عقب درس سيدنا وشيخنا قدس سره ورضي عنه كان يتكلم بحال أهل التسليم.
هذا هو فقيدنا رحمه الله، ومهما أردت أن أتكلم عنه أجد نفسي أنني أقف أمام جبل شامخ، وأنا في سفحه أنظر إلى الأعلى لأستمد من تلك الصفات الطيبة المؤمنة، من تلك الأحوال المشرقة، من ذلك السداد والثبات والرشاد التي تميزت بها تلك الحقبة وتميز هو من جهة أقرانه بصحبة أولياء الله وأحباءه، ليكون رمزاً مميزاً في عطاءه وسلوكه ووعيه.

فرحمك الله يا أبا شوقي.

رحمك الله في الأحياء، ورحمك الله في الأموات.

وأسأله سبحانه وتعالى أن يلحقنا بكم على خير حال غير مبدّلين ولا مغيّرين ثابتين غير متحولين، وأن يمن على هذه الأمة بنظرة رحمة وأن يبدّل حالها إلى أحسن حال، وأن يجعل في أسرتك وعقبك وأبناءك وأحبابك من يسير على طريقك وتبع نهجك وأسأله سبحانه وتعالى أن يجمعنا مع سيدنا وشيخنا في ظل عرش الرحمن تحت لواء سيد الأولين والآخرين بسر أسرار سورة الفاتحة

 

 

وكتب في رثائه الشيخ إبراهيم الحمدو العمر:

أيُّ صبْرٍ على طويلِ بِعادي* بعضُ هذا النوى مُعَنٍّ فؤادي

كلمّا قلتُ: إن عارِضَ حزني* ينجلي، قال: إنه في ازدياد

زهرة العمر لا يدوم جناها* والأماني لمَنْ جنى شرّ زاد

ومنى الحُرّ ضاق ذا الدهر عنها* بائداتٌ على الصخور الشداد

وإذا سار ظامئ خلفَ آلٍ* كان ريّاه نفحة  من رماد

رب طَوْدٍ تَحَارُ فيه الدواهي* قد طواه الفناء سَلْسَ القياد

وعظيمٍ قد سدَّ أُفْقَ المعالي* أمكنَتْ منه مهلكات العوادي

هَتَفَ الموتُ بالجميع فهبُّوا* إنَّ ذا الخلقَ طائعٌ للمنادي

والبرايا ذا قادمٌ لحياةٍ* لم يُرِدْها، و ذاهبٌ لِمعاد

رحلة حيَّر العقولَ مداها* سار فيها الحمقى وأهلُ  الرشاد

أيّهذا الثرى المليءُ جسوما* أترى ما سئمت حضن العباد

كم جليل يهز متن الدراري* سكن الرَّمْسَ كوكبًا ذا اتِّقاد

ولقد جاءك (العلاء) نزيلا*   بعد أن كان في منيع العماد

فاغتبطْ يا ثراه فُزْتَ بِطَوْدٍ  *  كان زين الملا وتاج  النادي

 

  

  مصادر الترجمة:

*ولده الأستاذ محمد علاء الدين علايا، لقاء مباشر معه.

*دروس الشيخ علاء الدين علايا المسجلة.

*الدكتور محمود أحمد الزين-رحمه الله- لقاء مباشر.

*الشيخ محمود العبيد، والدكتور أحمد الموسى، والشيخ إبراهيم منصور، والشيخ إبراهيم الحمدو العمر، مراسلة كتابية.

ملفات مسموعة:

أبيات من قصيدة الشيخ علايا بصوته، وبعض حياة سيدنا.

في وداع الشيخ علاء الدين علايا بصوت د محمود الزين

 

في وداع الشيخ علاء الدين، بصوت الشيخ عبد المنعم سالم

 

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة269)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 28-10-2021م