آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الشيخ محمد أديب حسون رحمه الله



مرات القراءة:629    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ محمد أديب حسون

رحمه الله

1332 - 1429هـ/ 1913 2008م

 

ترجمة الشيخ محمد أديب حسون-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 26).

العالم العامل، المدير الثاني لمدرسة الكلتاوية، الداعية المؤثر الشيخ محمد أديب حسون، رحمه الله.

ولادته ونشأته:

ولد في قرية «ياقد العدس» التي تقع في الشمال الغربي لمدينة حلب عام 1332هـ الموافق 1913م فعاش فيها السنوات الأولى من عمره، وتعلم فيها القرآن الكريم عند إمام الجامع الشيخ أحمد العنداني.

دراسته:

  انتقل بعدها إلى مدينة حلب وأخذ غرفة في جامع القرناصية فجاور فيها طالبًا للعلم في مدرسة الشعبانية «معهد التعليم الشرعي» عام 1927م.

شيوخه:

يقول الشيخ أديب، رحمه الله: «في عام 1346هـ الموافق 1927م أكرمني الله تعالى بدخولي في المدرسة الشعبانية الشرعية، وكان فيها نخبة من أهل الفضل والعلم، ومن أمنّهم عليّ الشيخ محمد الجبريني -رحمه الله- بينما كنت في أول العقد الثاني من عمري ورزقني الله محبته، وحنا علي حنوّ الوالد، فكنت أراجعه في كثير من أموري».

ثم انتقل إلى المدرسة الخسروية، فلازم شيوخها، وأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية.

فأخذ علوم القرآن على الشيخ أحمد التيجي-وهو ذو سند عال في القرآن الكريم كما نقل تلميذه الشيخ بشير حداد-، والتفسير على الشيخ أحمد الشماع، والفقه وأصوله على الشيخ محمد أسعد العبجي والشيخ محمد سعيد الإدلبي، وعلوم الحديث والسيرة والتاريخ على الشيخ محمد راغب الطباخ، والتوحيد والمنطق على الشيخ فيض الله الأيوبي، ومن شيوخه فيها كذلك: الشيخ محمد نجيب خياطة والشيخ محمد نجيب سراج الدين والشيخ إبراهيم السلقيني (الجد) والشيخ أحمد الزرقا، رحمهم الله.  وتخرج فيها عام 1353هـ.

من زملائه فيها:

سليم الرفاعي، عبد الباسط خلف، محمد الياقتي، أحمد المايري، عبد الله حلاق، عبد الجواد العطار، عبد الرحمن الصباغ، عبد القادر بللو.

عمله:

بدأ دعوته إمامًا ومدرسًا في عدة جوامع بحلب مثل جامع قارلق وجامع حمزة بيك وجامع الحدادين، وحين تم بناء جامع أسامة بن زيد بأقيول انتقل إليه إمامًا وخطيبًا ومدرسًا عام 1960م فمسجد أسامة بن زيد في محلة أقيول من معالم الدعوة البارزة في حلب الشهباء، فهو عامرٌ بدروس العلم والإرشاد والذكر والقرآن من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد العشاء، ويَؤُمُّه الناس على اختلاف فئاتهم.

وكان من شأنه وسيرته في البذل والعطاء أنه إذا حضرت لجانٌ لجمع المال في المسجد لجهات الخير يكون هو من يفتتح العطاء، ويَظْهر أثرُ ذلك وصِدْقُه في تسابق الحاضرين في الاقتداء به، فتكون ساعات مشهودة يكثر فيها الخير والعطاء.

كان أول من صلى فيه وافتتحه العارف بالله الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- وله مذاكرات خاصة في غرفة الشيخ أديب فيه، وبقي الشيخ أديب فيه إمامًا ومدرّسًا وداعية إلى وفاته.

درّس الشيخ أديب في المدرسة الشعبانية والخسروية والكلتاوية مواد الفقه والحديث والتفسير والأخلاق.

واستقال من التدريس حين بلغ من العمر ستين عامًا، لكنه بقي ملازمًا إعطاء دروس عامة للناس في جامع أسامة بن زيد.

أولاده:

تزوج الشيخ أديب -رحمه الله- أربع نساء، وأنجب أربعة عشر ولدًا سبعة ذكور وهم: عبد الباسط، محمد، أحمد، يوسف، فاتح، عبد الله، محمود، وسبع إناث.

مؤلفاته:

ألف الشيخ زهاء عشرين مؤلفًا بين كتاب ورسالة في موضوعات عدة، منها:

إرشاد الطائعين لزيارة البلد الأمين.

التفسير الأنيق لسورة يوسف الصديق.

مختصر الأذكار.

النوافح المسكية في الفتوحات المكية. ‏

اللؤلؤ والمرجان في سيرة ولد عدنان. ‏

مختصر كتاب المجموع في الفقه الشافعي. ‏

مختصر العهود المحمدية.

شحذ الهمم في شرح الحكم العطائية. ‏

لوامع الأنوار في ترتيب الأذكار للإمام النووي. ‏

السبع المنجيات. ‏

أخوة الإيمان.

مختصر كتاب التاج. ‏

آلاء الرحمن على العارف النبهان. ‏

 

السير والسلوك وصلته بالعارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه:

في صيف عام 1927م اصطحبه الشيخ محمد الجبريني للسلام على الشيخ المربي أبي النصر محمد سليم خلف، وكان الشيخ -رحمه الله- حينما يأتي إلى حلب تهتز المدينة فرحًا به ويؤمها الكثير من أهل القرى للسلام على الشيخ أبي النصر، وكان جلّ علماء حلب يأتون إليه كالشيخ محمد نجيب سراج الدين وسعيد الإدلبي وغيرهم كثير، وفي بيت الحاج عبد الله لاجين في محلة الشرعسوس أمر الشيخ أبو النصر الشيخ عبد الرحمن حميدو (المنغي) بتلقين الشيخ أديب الذكر وذلك بحضوره ثم لازمه وسلك على يديه وواظب على أوراد الطريقة وأذكارها.

وفي باب الأحمر كان قد أقام السيد النبهان الذي كان في أوج سيره وسلوكه حلقة ذكر بأمر من الشيخ أبي النصر فحافظ الشيخ أديب على حضور هذا الختم.

وكان هذا الختم كما يقول -الشيخ أديب- ليس له نظير من عدة وجوه: 

أولًا: أن مديره هو الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- ، وكان إذ ذاك في أوج سيره وسلوكه.

ثانيًا: كان يحضر هذا الختم غالب أهل العلم البارزين في مدينة حلب أمثال: الشيخ أحمد المصري، والشيخ حسن حاضري، والشيخ ناجي أبو صالح، والشيخ محمد الجبريني وغيرهم الكثير من علماء حلب ومريدي الشيخ أبو النصر، فكنت ترى حلقة الختم قد زانها العلم وكملها الطريق.

 ظهر السيد النبهان -رضي الله عنه- في ذاك الجامع لأول مرّة بعد مدّة أمضاها في وحشة وخلوة، فأحاط به جمع غفير بين سالك وتائب ومتبرك، وفي ختم الذكر الذي كان يقيمه يحضر قارئٌ للقــرآن الكريم حسن الصوت، رقيق القلب يَبكي ويُبكي سيّدنا -رضي الله عنه-  وكلَّ من معه، ويفترش بعضهم الأرض من غلبة الحال عليهم، فيخيّل لمن يمرّ بين القلعة والجامع أنّ القوم مجتمعون على جنازة، لما هم عليه من ذكر وضراعة.

قال سيدنا الشيخ محمد النبهان  -رضي الله عنه- كماهو مسجل: «كنت أطلع من الختم بباب الأحمر وأنا مدير الختم، وأنا صغير، صار لها أكثر من أربعين سنة، وكنت لا أمشي مع أحد أبدًا أبدًا، أمشي على جنب الطريق. لماذا؟ أبكي وأنا رايح وأنا ماشٍ، لماذا أبكي؟ ليس لي ذنوب، ولا أعرف الذنوب، لكن أبكي لأنني أريد حبيبي، ما كنت أعرف أن حبيبي معي، هذه ما كنت أفهمها، أريد حبيبي، وأكثر من هذا لا أعرف، ولكن المذاكرة ما كنت أعرفها أبدًا ولا نعرف نتكلم أبدًا، يروحون معي كل ليلة إلى البيت أربعون خمسون يقعدون، أقول لهم: يا الله كل واحد يصلي مئة مرة على النبي ﷺ، كبيرٌ صغيرٌ مُشَكَّلِين، تجار، أهل علم، مشكل ملوّن، لا يقدرون أن يخالفوني أبدًا، يصلون على النبي، بعدها نتكلم ليس دنيويًا، لتُوَلّ الدنيا، ما لنا وما للدنيا ولا الآخرة. نحن عبيد الله، نحن نريد الله، أكثر من هذا لا يوجد».

نعود إلى الشيخ أديب وهو يحدثنا: «ألا وإن أكبر أثر لشيخنا أبي النصر هو شيخنا الشيخ محمد النبهان، عشت معه قرابة ثلاثين سنة، فلله آثارها ولله أنوارها ما أبركها وما أطيبها!

حضرت مرة وكنا مواظبين على الورد فأخذ المجلس من قلوبنا كل مأخذ وخرجت من الختم وذهبت إلى غرفتي في مدرسة القرناصية، فلم أقدر على المطالعة لقوة الورد، فاضطجعت وإذ بي أرى شيخنا أبا النصر في الرؤيا وهو مستلق على ظهره في إحدى الغرف، ودخلت عليه وإذا به يفتح ذراعيه مشيرًا إلي للاضطجاع بجانبه، فاضطجعت ولما استيقظت وجدت نقشًا على ذراعي كهيئة الشجرة الجميلة ونسيت الرؤيا فكنت أتوضأ والنقش باق على ذراعي مدة ثلاثة أيام، وعندما ذهبت في اليوم التالي إلى المدرسة نبهني بعض رفاقي على أثر نقش آخر في رقبتي وهنا تذكرت الرؤيا فذهبت بصحبة الشيخ محمد الغشيم إلى سيدي محمد النبهان في الكلتاوية، فقصصت عليه ما رأيت، ومن ذلك اليوم بدأ ارتباطي بحب الشيخ».

ولما استقر العارف بالله الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه-  في الكلتاوية ودخل فيها الخلوة كان لا يأتي إليه فيها إلا الخواص من إخوانه كالشيخ أحمد المصري، والحاج محمود حموية، والشيخ أديب، وغيرهم، ثم كان بعدها للشيخ أديب غرفة خاصة في الكلتاوية وهي مكان الصف الثالث بجانب القبو الذي كان مطبخًا في البناء القديم، فحافظ الشيخ أديب على حضور مجالس السيد النبهان رضي الله عنه.

قال الشيخ أديب -رحمه الله- وهو يتحدث عن الكلتاوية: «وتمر الأيام وإذا بمسجد الكلتاوية يصبح مقصدًا للصادقين ليل نهار، وأنوار الشيخ النبهان تشع على الجميع، وسكونه في مراقبته يسبي العقول، وبكاؤه في لياليه يأخذ بألباب المتعبدين، فملأ السمع حديثه العذب، وملأ البصر وجهه الجذاب، وأما نظراته الأخاذة فكان لها وقع الغيث في الأرض المجدبة، ولم تمض سنوات حتى صار جامع الكلتاوية كما تراه زينة للبلدة وملجأ لطالبي الحق».

كان -رحمه الله- يعرّف الناس بسيدنا النبهان ويقول لهم: هناك في زماننا من هو مثل الإمام الرفاعي مثل سيدنا الجيلاني. ويعني بذلك سيدنا النبهان رضي الله عنه.

كان سيدنا النبهان -قدس سره- يثق بالشيخ أديب ولذا فقد أوكل إليه العديد من الأمور في الكلتاوية.

تدريس أصحاب السيد النبهان قبل بناء مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية):

كتب لنا الدكتور محمود فجَّال، رحمه الله: «قبل نشأة دار نهضة العلوم الشرعية أمر السيد بتوزيع إخوانه الخواص إلى خمس مجموعات، وكل مجموعة مرتبطة بمسؤول عليها من أهل العلم ممن له قَدَم وقِدَم عند سيدنا -رضي الله عنه- وهم الشيخ أديب حسون، والشيخ علاء الدين علايا، والشيخ محمد لطفي، والشيخ حسان فرفوطي، والشيخ محمود فجَّال، والهدف من هذه الحلقات: اجلسْ بنا نؤمن ساعة، وطلب العلم، والتواصي بتلاوة القرآن، وبصوم الاثنين والخميس، وكان لهذه الحلقات لقاءات مع سيدنا في بيت أحد إخواننا، ويُسمح بحضور ضيوف سيدنا وبعض الأفراد من حلقات أخرى بدعوة سيدنا أو صاحب الدعوة».

المدير والمدرس:

وبعد افتتاح المدرسة «دار نهضة العلوم الشرعية» كان الشيخ أديب -رحمه الله- من أوائل المدرسين فيها، وكذلك هو من أعضاء لجنة اختبار قبول الطلاب التي يتصدر فيها السيد النبهان ويحضر فيها أيضًا الدكتور محمود فجال وأحيانًا الشيخ عمر ملاحفجي.

ودرّس فيها الشيخ أديب -رحمه الله- الحديث الشريف (منهل الحديث)، وكتاب (فتح الخلاق في مكارم الأخلاق)، والشمائل المحمدية، ودرّس أيضًا فيها الفقه.

كان له أسلوب رائع وشيق في تدريس الشمائل المحمدية لطلابه فيشبه لهم هيئة وصورة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالسيد النبهان ويشرح لهم فيحببهم به -رضي الله عنه- ، فكان طلابه ينتظرون درسه ويحبونه.

كتب لي تلميذه الشيخ الدكتور عبد الله الحسن: «لقد أكرمنا الله بمعرفة وارثه الكريم سيدنا محمد النبهان -رضي الله عنه-، ومَنَّ علينا بالتَّلقي عن أساتذةٍ مِنْ ذلك الدَّوْح النَّضير، ومِنَ الرعيل الأول، منهم: شيخنا وأستاذنا الشيخ الفاضل والمربي المتفاني في خدمة طلابه ومريديه بصدق وإخلاص =نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا= الشيخ محمد أديب حسون، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء- وكان مما تلقينا عنه الحديث النبوي الشريف، ومادة الأخلاق والفقه الشافعي.

فكنا نرى الأخلاق متجسدة فيه، تتجلى في سَمْتِه، ونبرات صوته، ونظراته، وحُنُوِّه على طلابه، ولا زلت أذكر وأردد تلك الأبيات التي اختارها لنا في إكرام العلم وعزة العلماء، والتي كنا نراها متجسدة فيه:

وهي قصيدة طويلة، منها هذه الأبيات:

يقولــــون لي فيك انقباضٌ وإنما                   رأوا رجلًا عن موقفِ الذلِّ أحجما
ولــو أن أهل العلمِ صانوه صانَهُم                   ولــــو عَظَّمُوه في النفوسِ  لَعَظِّما
ولكـــــــن أهانوه فهانو ودَنَّسُوا                    مُحَيَّاه بالأطمــــــاعِ  حتى  تَجهَّما


وقال أحد تلاميذ مالك: ما تعلَّمنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلَّمنا من علمه، وتعلمنا منه الكثير.

وأقول: ونحن ما تعلمناه من أدب شيخنا أكثر مما تعلمنا من علمه، وإن كان علمه لكثير. كيف لا وهو الشيخ أديب».

أصبح مديرًا لمدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) بعد الشيخ عبد الرحمن الحوت عامًا واحدًا 1964 1965م ودرّس فيها إلى عام 1972م.

قصة استقالته من إدارة الكلتاوية:

كتب لنا الدكتور محمود فجَّال -رحمه الله-: «جاءني الشيخ أديب حسون وكان مدير الدار إلى غرفتي وجلس معي وصار يعدد لي مهامه، وارتباطاته، وأشغاله، وأبدى إليَّ عدم ارتياحه في إدارة مدرسة الكلتاوية؛ لأنه بحاجة أن يكون المدير متفرغًا، وهو غير متفرغ لما ذكر من أشغاله.          

ذهبت إلى سيدنا -رضي الله عنه- وكان في التويم -قرية جنوب غرب حلب وكان فيها مشروع زراعي لسيدنا النبهان- وليس من عادتي أن أذهب إلى التويم، فسلمت على سيدنا وقلت له: جئت لأمر مهم، فطلب من إخواننا أن يخرجوا ثم قال: ما هو؟  فذكرت له ما قاله لي الشيخ أديب من دون أن أذكر له أن الشيخ أديب جاءني وشكى لي وطلب أن يكون المدير غيره وأن يعفيه سيدنا من الإدارة على أن يكون ذلك ابتداء مني، -وقد كان- فقلت لسيدنا: نريد أن يرتاح الشيخ أديب من عمل الإدارة وتُعَيِّنوا مديرًا غيره، فقال سيدنا رضي الله عنه: من أين آتي بمدير؟  أنت من ترى يصلح؟  فقلت له: محمد لطفي فأطرق سيدنا زمنًا ثم قال: حينما أنزل إلى حلب سأضعه. وجاء الشيخ أديب يستأذن سيدنا للذهاب إلى الحج، فقال سيدنا له: سلم الشيخ محمد لطفي إدارة المدرسة، وهكذا استمر بها محمد لطفي سبع سنوات، فكانت حِقْبَةً مباركة والحمد لله».

درس الرجال:

الشيخ أديب هو العالم الوحيد الذي كان يوكله السيد النبهان بدرس الرجال مساء الجمعة في جامع الكلتاوية، وكان يحضر فيه جمع من العلماء، ويلقي الشيخ أديب الدرس إما من (لواقح الأنوار القدسية) أو (موعظة المؤمنين) أو من (تنوير القلوب).

 درس النساء:

أما درس النساء فلم يُوَكِّل السيد النبهان -رضي الله عنه- به أحدًا كما في تسجيلات له.

قال السيد النبهان رضي الله عنه: «هل أنا أريد أحدًا يدرس النساء بحلب؟ لا أريد؛ لأنني أخاف عليه لا أخاف منه، قلت للشيخ أديب -يريد أن يُدَرس- قلت: اقرأ لكن دائمًا خائف عليك لا خائف منك، خائف أن يتوجه قلبه لامرأة تأخذ قلبك، أنا قلبي لا أحد يأخذه، أخاف عليكم كلكم».

اسألوه:

الشيخ أديب كان مصدر ثقة عند السيد النبهان قال -رضي الله عنه- لبعض أصحابه: «إذا سألتم الشيخ أديب فحطوا أرجلكم في ماء بارد» أي اطمئنوا لفتواه.

قال لسيدنا أحد أصحابه: سيدي بعد عمر طويل إذا انتقلت فمن أسأل؟ قال: اسأل الشيخ أديب.

قال عنه سيدنا رضي الله عنه: «الشيخ أديب أديب».

حلقة الذكر:

وكان يوكل إليه سيدنا النبهان إدارة حلقة الذكر إذا لم يكن موجودًا.

سئل سيدنا رضي الله عنه: سيدي إذا لم تكن موجودًا في الذكر فمن يدير الحلقة فقال: الشيخ محمد أديب حسون فإن لم يكن موجودًا فالشيخ محمد لطفي فإن لم يكن موجودًا فالشيخ علايا.

أسفاره مع السيد النبهان:

صحب الشيخ أديب السيد النبهان داخل سورية وخارجها، فكان معه في رحلة العراق والكويت وتركية ولبنان، وكان معه في زيارات عديدة إلى دمشق والقرى والأرياف كقرية الجابرية وغيرها.

حجه:

قال -رحمه الله تعالى-: في عام 1384هـ أمرني السيد النبهان بالحج، فامتثلت أمره وكانت أول حجة حججتها، وتمم فضله وبركته علي، وقد أرسلت له رسالة من مكة مؤثرة تفيض بالمعاني الروحية، ولما رجعت من الحجاز لأسلم عليه وذلك قبل أن أدخل بيتي وهذا هو الأدب فبشرني قائلًا: في السنة القادمة سنكون في الحج جميعًا إن شاء الله. وهكذا كان فكان معه في رحلة الحج عام 1385هـ ويوكل إليه تعليم الحجاج شعائر الحج وما يحتاجون إليه من أمور شرعية، ومن هذه الدروس ماهو مسجل، وكان مسؤولًا على إحدى الناقلات طوال الرحلة.

إجازة بإرشاد الناس وإدارة حلقة الذكر:

كتب الشيخ عبد الباسط أبو النصر-رحمه الله- إجازة بطريقة السادة النقشبندية للشيخ محمد أديب حسون وأتى بها إلى السيد النبهان -رضي الله عنه- فوافق ووقع عليها.

هذا وقد فهم بعضهم خطأ من خلال هذه الإجازة أن السيد النبهان جعل الشيخ أديب خليفته وهذا أمر أنكره الشيخ محمد أديب حسون -رحمه الله- فضلًا عن تبيين السيد النبهان أنه لم يُخَلِّف أحدًا واللهُ يضعُ أمرَه حيثما شاء.

حدثني الشيخ عثمان عمر المحمد قال: زرت شيخنا الشيخ أديب -رحمه الله- فسألته عن قضية الخلافة فقال: «يا ابني أنا ما صرت تلميذًا صادقًا عند السيد النبهان حتى أكون خليفته، سيدنا لم يخلّفني».

قال السيد النبهان رضي الله عنه: «أنا ما أعطيت ثقة لأحد، لا من الرجال ولا من النساء حتى يبقى ببالكم! لا يأتي أحد ويرجع يكذب عليكم يقول لكم: الشيخ أعطى».

والثقة التي قصدها هنا السيد النبهان هي الخلافة، لا مجرد إذن بتدريس أو وعظ أو إدارة ذكر فذلك موجود.

مناجاة:

مناجاة له -رحمه الله -يخاطب فيها شيخه السيد النبهان رضي الله عنه: يا رعى الله ذلك الوجه الصبوح، يا رضوان الله على ذلك القلب السمح الكبير. آه يا مجالس الخير والبر! آه يا مجالس المذاكرة والنور!

آه يا سيدي: لقد تركت قلوبًا حيرى والهة لا تقنع بعد وجهك، ولا يملأ قلوبها بعد نورك نور.

إي وربي! إن المنصفين قليلون.

سيدي لا أقدر أن اخاطبك بكنيتك أبي أحمد فالصغير لا يليق به أن يخاطب الكبير بغير سيدي.

أقول سيدي وأُقِرُّ وأعترف بفضل تربيتك وبحسن توجيهك وإخلاصك لله في سائر ميادين حياتك. طبت حيًّا وطابت آثارك.

سيدي لقد فقدنا فيك المربي الكامل، والمرشد العظيم، جزاك الله عنا خير ما جزى مرشدًا كاملًا عن إخوانه وأحبابه.

 سيدي يطيب لي أن أناجي روحك الخفاقة فوق هاماتنا.

يطيب لي أن أناجي روحك الشفافة، وطيفك الحبيب حيث أرى مثالك البسام الفياض باللطف حيث أرى في وجهك الحبيب آثار الحب لله، والخشية منه، آثار المراقبة. ما أحلى بسماتك المليئة بالفيض والنور!

ماذا أعبر؟ غيض من فيض. سيدي طبت وطابت أقوالك وأفعالك وحياتك كلها. والسلام عليك كلما حنّ حبيب إلى حبيب وكلما غرد على فنن عندليب.

تلقين السيد النبهان رضي الله عنه:

الشيخ محمد الشامي هو الذي نعى سيدنا الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- على مئذنة الكلتاوية، وكان الشيخ محمد أديب حسون هو الذي شارك  في تغسيل السيد النبهان  ثم صلى عليه ولَقَّنَهُ التلقين المعروف.

كلمة للشيخ محمد أديب حسون في تأبين السيد النبهان رضي الله عنه:

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة 156) ونحن نقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم أجرنا في مصيبتنا يا رب، وأخلف علينا من عبادك الصالحين ما يقوم مقام عبدك الذي أخذته إليك وأحَبكَ طيلة حياته.

والذي كان لا يدع أن يقول: «إني لا أحب أحدًا أكثر من ربي ومن رسولنا».

يا سادة: إنما يُعرف الإنسان بآثاره، وسيدنا الذي هو أمامكم رجع إلى ربه، ونرجو من الله تعالى أن يكون راضيًا مرضيًّا.

الذي عرفه منذ صغره وشبابه منذ أن كنا في زمن شيخنا أبي النصر -رحمة الله عليه ورضوان الله عنه- كان هو -رضي الله عنه- المريد الأول عند شيخنا أبي النصر -رحمه الله-، وكان إخوانه كلهم ينظرون إليه بنظرة الاحترام والتكريم والتعظيم لما يرون من نظر الشيخ إليه ذلك النظر الحسن.

ولقد منّ الله عليه فيما سمعنا مرارًا وسمعتم جميعًا أن الله تبارك وتعالى مَنَّ عليه بالحب الكامل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كان لا يفارقه في يقظته ولا في سائر أحواله حينما كان ملتهب القلب بمحبته صلى الله عليه وسلم.

وكان حين يجلس أمام الشيخ -رحمه الله- يقول الشيخ أبو النصر لأبي حسن المنشد -رحمه الله: أنشدنا يا أبا حسن:

أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي                  يضرُّكم  لو  كان   عندكم  الكُل

فكان لا يتمم هذا البيت حتى يؤخذ عن الشيخ الذي هو أمامنا -رحمه الله ورضي عنه- فتأخذ السيد النبهان غيبوبة تامة برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا يصحو إلا بعد ساعات فيحدث عن نفسه أين كان.

وحينما ترعرع وتقدّم كان مربيًّا للمريدين.

وإن شيوخ الإرشاد رضي الله عنهم لهم علامات، وعلامات، ومن أعظمها وأكبرها: أنهم يُسيّرون كل مريد على حسب حاله، ويعرفون كيف اتجاهه، وهكذا كان سيره -رحمه الله ورضي عنه- مع جميع من حوله، فكان يُسَيّر كل إنسان بما يناسبه ويعرف الخواطر حينما تذكر له خاطرة كيفما كان وإذ به يبادرك بأن هذا من الشيطان أو من الرحمن أو ملكي أو ربّاني، وهذه المعرفة من أبرز صفات شيوخ التربية.

ولقد صحبناه -رضي الله عنه- بعد فقدنا لشيخنا أبي النصر -رحمه الله ورضي عنه- مدةً طويلة، وسمعنا منه أنه كان يقول: «لي خمسون سنة وما فعلت خلاف الأولى، بل ما خطر على بالي أن أفعل خلاف الأولى أبدًا». والله إنها منقبة كبرى.

ومن آثاره -رضي الله عنه- ما نحن الآن جالسون فيه هذه المدارس، هذه المدرسة التي تُقَرّ بها عيون المؤمنين التي تجمع نحو مئتي طالب علم، ويتخرج فيها كل سنة طلاب يقرّون عيون المؤمنين في هيئتهم وفَهمهم وعلمهم، وكلهم يلتحقون بالأزهر ويأخذون العلامات الحسنى الجيّدة.

كما أن المدرسة الثانية لتنشئة البنات تنشئة دينية، ولتعليمهنّ تعليمًا مهنيًّا مع علمهنّ الديني يكون له أكبر الاثر ومن أفضل الحسنات لدى العوائل الفقيرة.

وعند جمعية النهضة الإسلامية التي غرسها بيده، وسقاها بنصائحه، وربّاها بتوجيهه، ودفع بأعضائها بهمته وتوجيهه لهي من أحسن الجمعيات التي تخدم الفقراء والمساكين من جهة أنها تصرف وتعول قريبًا من ألف عائلة كما أنها تعول هاتين المدرستين العظيمتين، إن هذا الأثر له أثر كبير عند الله، عز وجل.

وزد على ذلك ما سمعته منه يقول: «إن هنالك عوائل كبرى وكثيرة لا تعرفونها ولا تعرفها النهضة ستُذكَر بعد مماتي وسَيُعلَمُ الفضل بعد انتقالي».

إن الذي يصاحب الشيخ وصَحِبَه بإخلاص لا بدّ أن يُجِلَّهُ كل الإجلال.

إنه العالم الشجاع الذي قاوم الكل بكلامه القوي.

إنه الذي لا يخشى في الله لومة لائم.

إنه الذي كان يبعث الوفود إلى أن ذهب الاستعمار الفرنسي، إلى اليوم يبعث بالوفود ويُمَوّلها إن اقتضى ذلك ليدافع عن الإسلام، وكان في خدمة الإسلام وفي خدمة المسلمين. فاز بها من فاز، وربح بها من ربح.

وعلى كل ما سيذكره الناس بعد وما سيظهر بعد أكثر مما سمعتم.

لذلك أُعزّي المسلمين جميعًا بهذا المصاب، ونقول: إنا لله وإنّا إليه راجعون.

اللهم اجعل لنا في علمائنا وفي طلابنا وإخواننا المؤمنين ما يقوم لنا بدل هذه الخسارة. إنك سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

وفاته:

توفي الشيخ العلامة محمد أديب حسون عن عمر يناهز ثلاثة وتسعين عامًا وكان ذلك بحلب مساء يوم الاثنين 28 جمادى الأولى 1429هـ  الموافق 3 حزيران 2008م، وصُلي عليه ودُفن في جامع أسامة بن زيد.

مصادر الترجمة:

*كتاب «آلاء الرحمن على العارف النبهان» للشيخ محمد أديب حسون.

*كتاب «علماء حلب في القرن الرابع عشر».

*دروس ومذاكرات العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- المسجلة في (أقراص ممغنطة)، محفوظة لدي.

*دروس الشيخ علاء الدين علايا المسجلة.

*الدكتور محمود فجال، والدكتور عثمان عمر المحمد، والدكتور عبد الله الحسن، والدكتور محمود حوت، مراسلة كتابية.

*تسجيلات جامع الكلتاوية.     

صوتيات:

كلام سيدنا النبهان عن تدريس النساء

 كلام سيدنا النبهان (أنا ما عطيت ثقة إلى الآن لأحد لا من الرجال ولا من النساء)

كلمة للشيخ أديب حسون عن السيد النبهان

تلقين  السيد النبهان

تأبين الشيخ أديب الشيخ محمد حوت رحمهما الله.


 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 26)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 25-12-2021م.