آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الشيخ محمد بشير حداد رحمه الله



مرات القراءة:287    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ محمد بشير حداد

رحمه الله

1327 - 1412هـ/ 1909 1992م

 

ترجمة الشيخ محمد بشير حداد-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 43).

العالم الحافظ، المتقن، المقرئ، إمام جامع الكلتاوية وخطيبها الأول، هو الشيخ محمد بشير ابن الشيخ أحمد حداد الحلبي، واشتهر ب«الشيخ بشير».

نسبه ومولده:

ولد في حلب عام 1909م. حدث ولده الشيخ عبد المحسن ابن الشيخ بشير حداد أن أصلهم من مصر من بيت العَلَمي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

 نشأته:

نشأ في حلب يتيمًا فقد توفي والده وعمره أربع سنوات، فرعاه شقيقه الأكبر محمد علي الذي كان يعمل مؤذنًا لجامع الحدادين بحلب ومختارًا في محلة الشميصاتية لعشرات السنين، وحرص على تعليمه القرآن الكريم فسجله في مدرسة الحفاظ في حلب، فحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد بيازيد وعمره لم يتجاوز الخامسة عشرة.

أولاده:

الشيخ محمد عبد المحسن، والشيخ أحمد مهدي، والشيخ محمد منير، وسعد الدين، وبنتان.

دراسته وشيوخه:

ثم التحق بمدرسة الحَلَوية بحلب، وبقي فيها بضع سنوات.

 ثم قرأ على الشيخ العلامة أحمد الكردي في جامع العثمانية حاشية ابن عابدين، كما قرأ حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح على الشيخ محمد الناشد في جامع الحدادين، وقرأ على الشيخ شريف كردي كتاب «ملتقى الأبحر» مع شرحه كتاب «مجمع الأنهر ملتقى الأبحر» مدة عشر سنوات في منزله.

ومن شيوخه أيضًا:

 الشيخ محمد سعيد الإدلبي، ودرس عليه قطر الندى، والشيخ أحمد الشماع، والشيخ محمد خير عقيل، وتلقى عليه الفقه الشافعي حيث قرأ عليه «حاشية الباجوري على ابن قاسم» في دكانه في سوق الزهر في محلة باب الحديد، والشيخ محمد سليمان حيث تلقى عنه الفقه الشافعي، والشيخ علي العالم الكيالي الطيار ودرس عليه الفقه الحنفي في المدرسة العثمانية، والشيح محمود العلبي ودرس عليه الفقه الحنفي.

وكان هو والشيخ عبد الله الريحاوي، والشيخ عبد القادر الكوراني، يتدارسون العلم على الشيخ محمد أسعد العبجي في جامع العثمانية لعدة سنوات.

وقرأ القرآن على الشيخ أحمد أبو تيج، والشيخ أحمد أبو تيج له سند لكن الشيخ بشير لم يكن يدري عن شيخه أن له سندًا إلا بعد وفاة الشيخ أحمد أبو تيج بعشرات السنين.

قال تلميذه الدكتور عثمان عمر المحمد: «بشرني بهذه البشارة في المدينة المنورة فقال: الحمد لله أنَّ أستاذي في القرآن له سند متصل وإجازة، فكل من قرأ عليّ أخذ بسند متصل».

عمله:

تسلّم إمامة مسجد الكلتاوية وهو في السادسة عشرة من عمره، وكان مسجدًا صغيرًا مكونًا من مصلى وغرفة فقط وسط مقبرة الكلتاوية، وبقي فيه إمامًا للصلوات الجهرية ما يقرب من خمسين سنة، وإمامًا لصلاتي الظهر والعصر في جامع بان قوسا سنوات عديدة.

حدث الشيخ بشير حداد -رحمه الله تعالى- عن قدوم السيد النبهان إلى الكلتاوية فقال كما جاء في كتاب «السيد النبهان» ط3. (85:1): 

 بينما كنت في الكلتاوية إذ أقبل رجل في الثلاثين من عمره يبحث عن إقامة له فيها، وليس معه إلا حزمة كتب وحصير عتيق، وكانت هناك غرفة طين صغيرة فاستقر بها، ديدنه العلم والذكر، لا يختلط بالناس، ولا يسمح لأحد بالدخول عليه إلا نادرًا، طعامه قليل، ولباسه بسيط، لكنه نظيف، فمذ نظرته أخذ قلبي ووقع فيه أنّه من الأكابر، كان -رضي الله عنه- ينظر إلى ساحة المسجد ويقول: «إني لأرى هناك مدرسة دينية وطلبة علم بعمائم بيضاء، فهل ترى مثل ما أرى؟».

ثم بعد ذلك هدم السيد النبهان المسجد القديم وبنى مسجدًا آخر كبيرًا مكانه، وهو المسجد الحالي وبضعة غرف؛ لتكون نواة لمدرسة شرعية، وتسلم الشيخ محمد بشير تدريس القرآن الكريم في مدرسة الكلتاوية طوال إقامته في حلب، من افتتاح المدرسة عام 1964 م إلى 1980م، وكان يُدَرّس القرآن كذلك في المسجد من بعد صلاة العصر حتى العشاء.

وعُين خطيبًا في جامع الكلتاوية عدة سنوات، فهو أول من خطب بين يدي السيد النبهان باعتباره الإمام والخطيب الراتب في جامع الكلتاوية في عهد المسجد القديم ثم الجديد، وكانت خطبه مكتوبة على الورق -رحمه الله تعالى- ثم خلفه ابنه الشيخ منير، رحمه الله.

 وخطب الشيخ بشير كذلك في جامع الفردوس، ثم في جامع المدرسة الشعبانية، ثم في جامع الترمذي في جُبّ القُبّة، كما أنشأ مكتبًا لتحفيظ القرآن الكريم في جامع الحدادين وغيره سنين طويلة.

(من اليمين الشيخ عبد الله حديد جل، الشيخ محمد بشير حداد رحمهما الله)

مع العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان h:

قال عنه سيدنا الكريم رضي الله عنه: «الشيخ بشير قطبنا في القرآن، الشيخ بشير ما صبأ ولا يعرف الصبأ».

يقول الشيخ حامد صخي: «هذه العبارة قالها سيدنا بحضور جمع في الكلتاوية كان منهم الشيخ أيوب الفياض -رحمه الله- وكنت معهم، وقال سيدنا: يا شيخ أيوب خذ الشيخ بشير يعرّف بي، وكان الشيخ بشير يكررها دائمًا عند مجيئه في سفرته الأولى إلى الفلوجة، وهذه شهادة عظيمة من سيدنا للشيخ بشير أنه لم يعرف غير سيده ولم يملأ قلبه سواه.

كان الشيخ بشير حداد -رحمه الله- يصف سيدنا الكريم فيقول: «هُوَ الجامع المانع» ويكرّر قوله: «واللهِ حَيّرَني أخذَ قلبي» يعني سيدنا الكريم رضي الله عنه.

حضر الشيخ محمد بشير حداد مشاهد عديدة مع السيد النبهان، ومن أهمها: أنه حج مع سيدنا عام 1965م، وكذلك تشرف بغسل السيد النبهان في الكلتاوية عند انتقاله رضي الله عنه.

سفرة الشيخ بشير الأولى إلى العراق:  

كتب لي تلميذه الشيخ حامد صخي: «طلبَ الشيخ أيوب الفياض من سيدنا
الكريم -رضي الله عنه- أن يُرسل الشيخ بشير -رحمه الله- معنا إلى الفلوجة ليعلّم إخواننا القرآن وأصول التجويد، فوافق سيدنا على طلب الشيخ أيوب. كدنا أنْ نطير فرحًا وسرورًا، وأمّا الشيخ بشير مع عظيم سروره فلا يريد أن يفارق الكلتاوية فقال له سيدنا: «أنا آمرك أن تذهب اذهب عَرّفْ بي» وقبل سفرنا جاء سيدُنا الكريم بعد صلاة العصر، وجلس في حجرة سيدنا أبي فاروق على الكرسي والشاي مع الليمون على الطاولة يشرب منه ويُحدّثنا فقال للشيخ أيوب: «خُذْ معك الشيخ بشير شهرين، سنة أكثر».

الشيخ بشير كان جالسًا يستمع ووجهه يتهلّل نورًا فقال سيدنا الكريم رضي الله عنه: «الشيخ بشير ما صبأ، ولا يعرف الصبأ» فنظرتُ إلى الشيخ بشير والدموع تسيل على خديه ثم قال سيّدنا للشيخ أيوب: يا الله قُلْ. (أي أنشد)  فأنشد وكنا نردّد وراءه وسيدنا يشاركنا.

واللهِ إنّ العيدَ وأيام الجنة لهي نفحة من تلك اللحظات المباركة، وإنّنا في شوق لتلك الأيام العامرة بالله.

وبعد صلاة الفجر في جامع الكلتاوية خرجنا إلى السيارة التي كانت بانتظارنا لتنطلق إلى دمشق الشام، وإذا بسيّدنا الكريم يخرج معنا إلى السيارة يودّعنا فقال للشيخ أيوب: «وَصّي أمك ادير بالها على الشيخ بشير». الله الله هناك سِرّ لم نفْهَمْهُ، والدة الشيخ أيوب الحاجة مريم كريم لم تَرَ الرجال ولم يروْها إنّها حرم الحاج محمد الفياض الغيور الذي يستمد صلاحه وغيرتَهُ من سيدنا، بقي الشيخ أيوب يردّد الوصية لي لعلّه يفهم بعض معانيها ثم قال: في الوقت الذي منح الشيخ بشير خصوصية واهتمامًا وعناية تَفَضّل على والدتي بالذكر والخدمة والولاية.

تحركت السيارة وإخواننا حولها يودعوننا كان في صدرها عند السائق الشيخ بشير والأخ الشيخ محمود علي داود البعقوبي، وخلفهم الشيخ أيوب وراء الشيخ بشير على اليمين، وأنا الفقير حامد في الوسط، ومعنا الرجل الأفغاني وراء السائق، وهذا الرجل كان معتكفًا في الكلتاوية وانتهت صلاحية جواز سفره ولا توجد سفارة أفغانية في سورية فأرسله سيدنا الكريم معنا وأوصانا به أن نجدّد جواز سفره وقال سيدنا: «ديروا بالكم عليه». وتم القيام بهذه الوصية.

وصلنا دمشق فَقَرّر الشيخ أيوب أن نرتاح ليلة في فندق البحرين عند ساحة المرجة، وفي الصباح اتصل بمطعم سحلول، وطلب كلّ أنواع الطعام للفطور مائدة ملكية، يقول لي: هذه كلّها من أجل سيدنا كيف لا أكرم رسوله؟!  وبعد الفطور انطلقت بنا سيارة أجرة مرسيدس وكلّما مرَرْنا بقرية أو بلدة يقرأ الشيخ بشير الفاتحة ويقول: «أشُمّ لكل قرية رائحة لا تشبه الأخرى، في كلّ قرية وليّ من أولياء الله». وصلنا الفلوجة، واستقرّ الشيخ بشير في بيت الشيخ أيوب الذي كان سكنًا لسيدنا عند زيارته الثانية للعراق، وقد قال: «الفلوجة دار هجرتي» هناك في الفلوجة أسرار ومَدَدُ سيدنا محمد النبهان وأنوارُهُ تَجَلّتْ على الشيخ بشير فأفادَ واستفاد، حكاية رحلته هذه لها من العجائب والأسرار ما يعجز اللسانُ عن وصفه والقلمُ عن رسمه، حتى قال الشيخ أيوب: «لقد تَعَلّمتُ وأفدت من الشيخ بشير كثيرًا وكأنّ سيدنا أرسله معي ليعلّمني اللطف والتواضع والكمالات، إنّ الشيخ بشير لطيف الجسم والاسم إنّه ألطف من اللطف».

(من اليمين الشيخ حامد الصخي، الشيخ محمد بشير حداد رحمه الله)

عودته من العراق إلى الكلتاوية:

بعد شهرين ستين يومًا بالتمام والكمال التزامًا بأمر سيدنا قضاها الشيخ بشير بيننا، اجتمعنا لوداعه في جامع الصديق بالفلوجة، وألقيت الكلمات، وكان يومًا مشهودًا ووداعًا يليق بمقام سيدنا الكريم رضي الله عنه0.

وألقى الشيخ الدكتور عيادة أيوب كلمة رائعة أبكت الجميع قال فيها: أبلغ سيدنا محمد النبهان بأننا معه فَوَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون.                   

وصل الشيخ بشير إلى كلتاوية المعرفة والكمال، فالتقى بسيدنا ووليّ نعمتنا يحكي لحضرته الشريفة أيامَ رحلته وما وجده من تعظيم وإكرام لِيُبلغه أنّ إخواننا في العراق كلّهم شوقّ لزيارتكم الثالثة، وقد وجدتُهم رجالًا صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه، يستمع المُرّبي الكبير ووجهه يتهلّل سُرورًا وبنور وجهه نستزيد تُقانا.

بعد عودة الشيخ بشير -رحمه الله- زرنا الكلتاوية بمعيّة الشيخ أيوب فرأيتُ الشيخ بشير يريد أنْ يُكافئ الشيخ أيوب على ضيافته وخدمته له بكلّ ما أمكن حسًا ومعنىً، يتودّد إليه تودّد الأب الحنون والأخ الكبير الصدوق، لا يفارقه، يدعونا إلى بيته ليلًا أو على الفطور، ويحدثنا عن أيامه التي قضاها في العراق ويقول: «وَجَدْتُ أهل العراق أهل فطرة واعتقاد سليم فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» فقال له الشيخ أيوب: سأطلب من سيدنا تروح معنا سنة كاملة، صلينا الظهر في جامع الكلتاوية وكان الإمام الشيخ بشير وبعد الصلاة خرج الجميع من الحرم بقيتُ أنا والشيخ أيوب والشيخ بشير، أسندَ الشيخ بشير  ظهره على جدار المسجد  يسار المحراب الجهة المجاورة لمكان الوضوء، كان بيده كتاب (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) للشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني -رحمه الله- فأهداهُ للشيخ أيوب، وقال له: هذا لكَ وكُلّي لكَ، كنتُ مُسْتمعًا فنظرَ لي الشيخ أيوب ثم أعطاني الكتاب، وقال: خُذْهُ هذا لك وكُلّي لكَ، استغربَ الشيخ بشير من تصرّف الشيخ أيوب منبهرًا في حيرة دون أنْ يتكلّم، لم يكن عندي تَطَلّع أو استشراف ولكن أعلمُ مكانتي عند الشيخ أيوب في قلبه وهذا فضل الله، فأرادَ الشيخ أيوب أنْ يقول لا فرقَ بيني وبين حامد، أو بمعنى آخر أرادَ أنْ يقول: كلّنا تحت عباءة الوارث المحمدي سيدنا محمد النبهان، قُدّس سِرّه العزيز.

كانت مجالس الشيخ بشير عامرةً بذكر الله، فكم سمعته يكرّر في مجالسه قول سيدنا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عندما يصعد على الصفا ويمسك بلسانه ويقول: «يا لسان! قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍّ تسلم من قبل أن تندم».

سمعتُ الشيخ بشير حداد -رحمه الله- يقول: لا بد من التلقي، تأخذ القرآن ممّن ارتبط بالسلسة المُحمّديّة ليسري فيك ذلك النَّفَس الرّباني، سيّدُنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد الأولين والآخرين مع ذلك كان شيخُهُ في القرآن سيدنا جِبْرِيل -عليه السلام- تعليمًا لنا بالالتحاق بالسلسة المباركة والنّفَس الرّباني، قال تعالى: ﴿وِإنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: 6). إذن لا بد من التلقي لا بد من نَفَس المرجع لتعمّ البركة والأنوار، وختم الشيخ بشير قولَهُ: لقد أنعم اللهُ عليّ بتعليم القرآن ومدارسته وأحسبُ أنّ ثلاثة الآف حفظوا القرآن المجيد على يدي، وهذا بعد فضل الله تعالى هو مدد سيدي محمد النبهان لي وأنْفاسه معي، ثم يقول: «خَيّوُ واللهِ حَيّرني أخذ كُلّي». 

ومن دعاء الشيخ بشير -رحمه الله-: «اللهم سَلّمْنا، وَسَلّمْ بنا، ولا تَنْزع عند الموت إيمانَنا عنا، وتَوفّنا على أحْسن حالة تُرْضيك عنا».

الوداع الأخير للشيخ بشير حداد في الفلوجة بحضور جمع من العلماء

 

السفرة الثانية:            

سمعتُ عن سيدنا الكريم -رضي الله عنه- أنه قال: «الفلوجة دار هجرتي» فكان من تلك الإشارات هجرة الشيخ الفاضل بشير الحداد -رحمه الله تعالى- إليها ومكوثه ثمانية  أعوام مباركة، وكنتُ أسمعه يتلو كثيرًا قوله -عزَّ وجلَّ-: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء 100) جاءنا فضيلة الشيخ بشير الحداد -رحمه الله- مُهاجرًا أيام الفتنة في سورية، وتشرفنا بخدمته ثمانية أعوام يُتْحفنا بعلومه وفهومه.

كان الشيخ بشير -رحمه الله- يُعلِّمنا القرآن فإذا ختم يدعو ويقول: كانَ أحد الأولياء ذكر اسمه ولم يحضرني إذا ختمَ القرآن يدعو: «اللهم لا تَفْتِنّي» سبعين مرة.

كنّا عند الحاج محمد السروان -رحمه الله- بالخالدية على وجبة عَشاء فلّما عُدْنا ليلًا بسيارة الشيخ أيوب -رحمه الله-، قال الشيخ بشير:               

هَيّا بِنا لِنَصْطلح فبابُ الرضا قد فُتِح، ثم أنْشد:

جُرْحُ قلبي مِنَ الهوى ليس يَبْرى
كَتَبَ الهوى على خديك   سطرا
لو قَرَاه  محبٌ  صــــــــار  باكٍ
وإذا مِتُّ فاحفروا لي  قَبْـــــرا
واكتبوا مِنْ دَمي على لَوْحِ قَبْري

 

كيف يبرى وداخلُ القلب جَمْرا
بيّنًا واضحًا لمن كان يقـــــــرا
وبل الثياب  من  الدَّمع   قَطْرا
عند قبر الحبيب ولو كان  شِبْرا
رَحِمَ الله عاشقًا مات صَبْــــرا

فأحَبّها الشيخ أيوب -رحمه الله- وحفظها عن ظهر قلب، ودائمًا كان يَتَغّنى بها.

كان الحاج عبد الله الحديد -رحمه الله- في باحة الجامع الكبير عند سياج المسجد الذي على نهر الفرات يذكر الله ويتفكّر وإذا برجلٍ غريب يأتي إليه سلّمَ عليه، وبدأ يسأله، وكلّما أجابه قال: صحيح. رآهما أخونا الشيخ عبد الله عبد العزيز فَتَقدّم وسلّم عليهما فقال الرجل: كيف حال والدك إنّه رجل صالح، ثم ذهب الرجل قال الحاج عبد الله حديد للشيخ عبد الله عبد العزيز: يظهر أنك تعرف الرجل؟ فقال لا، أول مرة أراهُ قال الحاج عبد الله حديد: وأنا اول مرة أراه لكن الغريب يسألني فإذا أجبتُهُ قال لي: صحيح، كان الشيخ بشير في حجرته فذهبا إليه وحدثاه بما جرى، فقال لهما: لا تشغلوا أنفسكم هذا رجل من عباد الله، فأقْسما عليه بالله من يكون؟ فقال لهما: هذا سيدنا الخضر عليه السلام جاء للسلام عليّ كان عندي الآن.

«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» لقد خَصّ اللهُ تعالى الشيخَ بشير بهذه الخيريّة، كان في الفلوجة رجلٌ يعمل خياطًا وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب اسمه (خضر العيساوي) يحب القرآن فطلب من الشيخ بشير أنْ يُعَلّمه القرآن، فلازم الشيخ بشير مدة وجوده في جامع الفلوجة الكبير حتى تعلّم القرآن بل حفظه كلّه عن ظهر قلب وأصبح معلّمًا للقرآن، هذا مثال من آثار بركة سيدنا محمد النبهان قدس سره على الشيخ بشير تحقيقًا لقوله: «الشيخ بشير قطبنا في القرآن» ( انتهى ما كتبه تلميذه الشيخ حامد صخي).

كان يردد -رحمه الله- كثيرًا هذا الدعاء: «اللهم تقبل منا واقبلنا وتوفنا على أحسن حالة ترضيك عنا»

ولسفرة الشيخ بشير ذكريات عند العراقيين لا تنسى.

كتب لي الدكتور أحمد الجنابي: نعم لقد عشنا مع الشيخ بشير -رحمه الله- سنوات عديدة كانت أيامًا نورانية، إذا جلسنا حوله لا يسمح لنا أن نتكلم بشيء إلا بالسيد النبهان أو نقرأ القرآن، وإذا ذكر سيدنا النبهان امتلأت عيناه بالدموع فليس عنده إلا السيد، فرحمه الله من مُعلِّم ومُوجه، وجزاه الله خيرًا.

ويتحدث تلميذه الأستاذ صلاح مخلف فيقول: «حين تَشَرَّفَت الفلوجة بقدوم الشيخ بشير -رحمه الله تعالى- كان أحباب سيدنا لقاءاتهم قليلة، وكانت حلقة الذكر لا يحضرها إلا القليل، وما أن تشرف الجامع الكبير بهذا الوجه النبهاني المبارك إلا وكأن مناديًا ينادي: يا خيل الله ارجعي، فبدأت حياة جديدة في الجامع، فحلقة الذكر بدأت تغص بالحضور، والجامع امتلأ بالشباب يتلقون القرآن الكريم، وصار الجامع الكبير في أوج نشاطه وروحانيته.

بعد قدوم الشيخ بشير -رحمه الله- بحوالي شهرين نشبت الحرب بين العراق وإيران فكان حال الناس بكرب وشدة وضيق، وأكثر إخواننا بجبهات القتال فكانوا عند إجازتهم يأتون للجامع الكبير، ويجالسون الشيخ بشير -رحمه الله- ويخفف كثيرًا عن معاناتهم وكربهم.

كان مجلسه مجلس علم وتلاوة القرآن، لا قيل ولا قال، وكانت مجالستي له ثمان سنوات لم يذكر أحدًا بسوء، أو تفوه بكلمة سيئة، رحمه الله.

كان يتحدث عن سيدنا -رضي الله عنه- والدموع تسيل على وجنتيه.

أحبه أهل الفلوجة حبًّا كبيرًا لما رأوا منه مِنْ رحمة وخُلُق نبيل، يحتضننا كالأب ويتفقَّدنا إذا غبنا، يفرح لفرحنا، ويحزن لحزننا.

من كراماته: -وكله كرامة- ما ذكره لي الأخ الشيخ عبد الله عبد العزيز قال: كنت عند الشيخ بشير في ساعة متأخرة من ليالي الشتاء استأذنت الشيخ للذهاب إلى البيت الذي كان بعيدًا ولا توجد سيارات أجرة في هذا الوقت، لكن الشيخ بشير قال لي: اجلس فسوف يهيئ الله لك من يوصلك للبيت. بعد قليل طُرِقَ بابُ الجامع، فقال لي الشيخ بشير: قم افتح الباب، فتحت الباب وإذ الشابان عبد الواحد جاسم الفياض وعبد اللطيف أيوب الفياض وكانا يتحاوران بينهما، عبد الواحد يقول: الشيخ بشير عالم وليس بولي، عبد اللطيف يقول: الشيخ بشير عالم وولي، دخلوا جميعًا لغرفة الشيخ، والتفت الشيخ بشير للشيخ عبد الله وقال له: أما قلت لك اصبر يهيِّئ الله لك من يوصلك حتى يعرف عبد الواحد أني ولي.

فمن مدحه الحبيب كيف لا يكون وليًّا؟».

ويروي لنا تلميذه الشيخ عبد الله القيسي فيقول: حينما كنت إمامًا في الجامع الكبير، كان أحد المصلين في الجامع معلمًا واسمه وليد، حدثني مرة قال: كنت أنكر في قلبي على الشيخ بشير -رحمه الله تعالى-، وأقول في نفسي: هذا رجل كبير السن لو يرجع إلى أهله في سورية، ويكون عند زوجته تخدمه لكان خيرًا له، وكنت لا أرتاح له، وفى يوم من الأيام أردت الدخول إلى حَرَمِ المسجد للصلاة ووافق أن كنت قريبًا من الشيخ بشير عند باب الحرم وقال لي: «خيّو ما بدنا نتصالح» وقلت في نفسي: أنا لا أرتاح له وهو يتحارش بي.

ومرت أيام وبعدها رأيته في رؤيا في المنام، وإذا به يأتي إلى داري ومعه سيدنا الشيخ عبدالقادر الجيلاني -قدس سره-، وهما يتنقلان في البيت من غرفه إلى أخرى، وينظر إلى ويقول: «خيّوه ترى إحنا صوفية» وبعدها ذهبت إلى مكان بيع الأغنام واشتريت خروفًا وذبحته وقلت لأهلي اعملوه لنا غداء. قالوا لمن؟ قلت لرجل إذا جاء يتغدى به، وإذا لم يأت فكلوه أنتم. وذهبت إلى الحاج جميل وقلت: تذهب معي إلى الشيخ بشير لندعوه إلى الغداء لعلاقتك الطيبة معه لعله لا يستجيب لي، وأول ما دخلنا باب غرفته في الجامع التفت إلى أشخاص كانوا جالسين عنده وقال لهم: جاء الذي عمل لنا الغداء، فقلت له: نعم شيخي غداؤك عندي اليوم، ولم أكن أخبرته سابقًا بهذا، ودعوت معه الشيخ خليل الفياض ومعه أناس غيره، وحينما دخل البيت أخذ يتنقل من غرفه إلى أخرى كما عمل في الرؤيا، والتفت إليّ وقال: أخي أنا جئت إلى هنا قبل هذه المرة؟ ويقصد بها الرؤيا. قلت له: نعم شيخي، وأصبح الشيخ بشير بعدها من أحب الناس إلى قلبي.

هذه من بركات الشيخ بشير -رحمه الله تعالى- لشخص من أهل الفلوجة مستمدة من بركات سيدنا النبهان، أمدنا الله ببركاته وأنواره وأسراره.

يقول تلميذه الدكتور عثمان عمر المحمد: «كان شيخنا محمد بشير حداد رحمه الله- آية في التواضع والصفاء، فطرة خالصة، أكرمني وزارني أكثر من مرة في بيتي المتواضع، وكنت أزوره في بيت ولد سعده الذي استقر عنده آخر حياته في المدينة المنورة، وإذا تأخرت عن زيارته يتصل بي ويقول: أما اشتقت إليّ؟ آنا آتيك إذا لم تأت. فأسارع في زيارته.

لله دره من أستاذ معلم ومربِّ! يشع وجهه نورًا، وهمته في قراءة القرآن الكريم لا تفتر لا في ليل ولانهار، كان يقرأ به في قيامه وقعوده ومشيه، فهو شغله الشاغل، كان صاحب حب وتفانٍ في شيخه سيدنا محمد النبهان رضي الله عنه».

قال تلميذه الشيخ علي ناصر الناصر: ما أجمل أستاذنا الشيخ بشير الحداد وقت الفجر وهو يخرج من بيته ليأتي الجامع ويضطجع بين السنة والفرض، وبعد الصلاة يجلس مع رفاقه الحاج فاضل قره بللي والحاج سليم تبان، ويتدارسون فيما بينهم القرآن وأحيانًا كنت أصحبه إلى بيته بيت الكرم وكان يشرب الماء بصحن معدني مكتوب عليه ويقول لي: نحن لا نشرب بالكاس، وكان يضع الطاقية على ركبته ويصنع عمامته. أولئك سلفنا الصالح، رضي الله عنهم وحشرنا معهم في ظل مولانا وسيدنا النبهان قدس الله سره العزيز.

ويقول تلميذه الشيخ مأمون الراوي: كان الشيخ بشير الحداد -رحمه الله- يردد لنا بعد درس القرآن:

كلام قديم لا يُمَـــلُّ سماعُــهُ             تَنَزَّهَ عن قول وفعل ونيتــــي
به أشتفي مِنْ كُلِّ داء ونُــــورُهُ            دليلٌ لقلبي عند جهلي وحيرتي
فيــــا رب متعني بسِرِّ حروفه             ونور به عقلي وقلبي ومقلتـي

ويوم يصل لقوله: (قلبي) يمسح صدره بيده اليمنى.

 

وفاته ودفنه:

توفي الشيخ محمد بشير حداد في المدينة المنورة مساء الجمعة 27 ربيع الآخر 1413هـ الموافق 23 تشرين الأول 1992م، وصلي عليه بعد صلاة الظهر يوم السبت في الحرم النبوي الشريف ودفن في جنة البقيع، وبينه وبين وفاة ابنه الشيخ محمد منير 4 شهور و22 يومًا، رحمهما الله.

مصادر الترجمة:

 *«الشيخ محمد النبهان شخصيته، فكره، آثاره».

*كتاب «السيد النبهان».

*الشيخ حامد صخي، والدكتور أحمد الجنابي، والشيخ عبد الله القيسي، والدكتور عثمان عمر المحمد، والشيخ صلاح مخلف، والشيخ علي ناصر الناصر، والشيخ محمد جمال شاكر، والشيخ مأمون الراوي، (مراسلة كتابية).

 

ملف مسموع:

 

 ما تيسر  من سورة البقرة وآل عمران والنساء بصوت الشيخ محمد بشير حداد.

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 43)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 29-12-2021م.