آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الحاج محمد تركي رحمه الله تعالى



مرات القراءة:63    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الحاج محمد تركي

1351 - 1432هـ/ 1933 – 2011م

 

ترجمة الحاج محمد تركي-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 57).

هو الحاج محمد بن تركي بن سليمان، ينتهي نسبه إلى آل البيت الكرام، فهو من ذرية الشيخ عيسى دفين قرية الشيخ عيسى التي به سميت، والشيخ عيسى من ذرية سيدنا عبد القادر الجيلاني -قُدِّس سرُّه- الذي ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهم.

ولادته ونشأته:

ولد الحاج محمد تركي في قرية الشيخ عيسى التابعة لمدينة حلب عام1933م.

نشأ -رحمه الله- فيها، وعاش مع أخيه الحاج سليمان تركي وثلاث أخوات حياة بسيطة فقيرة، تحت رعاية والدهم الحاج تركي الذي تربى يتيمًا بين أقربائه.

ابتدأ حياته بتعلم القراءة والكتابة والقرآن في الكُتَّاب في جامع القرية على يد الشيخ علي النايف، وأكمل حياته بعدها مزارعًا ماهرًا متقنًا لعمله.

تزوج -رحمه الله- في السابعة عشرة من عمره، فرزقه الله سبعة أبناء: عبد القادر، وعبد الرحمن، وعبد الله (تخرج في مدرسة الكلتاوية 1979م) وأحمد، ومحمود، ومحمد وقد أسماه سيدنا -رضي الله عنه- فقال له الوالد: أنا محمد. فأجاب سيدنا: «وهو محمد بن محمد» وعمر (أيضًا تخرج في مدرسة الكلتاوية عام 2000م) وأربع بنات.

صلته بالعارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه:

حدثني ابنه الشيخ عمر قال: حدَّثني والدي فقال: «يا ولدي لقد سبقني جدك الحاج تركي وعمك الحاج سليمان إلى سيدنا -رضي الله عنه- وكنت مخلصًا لإمام الجامع الذي كان صاحب طريقة، ويعطينا أورادًا وأذكارًا نجلس عليها كل ليلة، وقد طلب مني جدك وعمك مرارًا أن أرافقهم إلى سيدنا -رضي الله عنه- فلم أستجب.

وذات يوم قبل فجر الجمعة كنت جالسًا مغمض العينين أذكر كلمة (الله) عشرة آلاف مرة لكن بسرعة حتى لا يكاد السامع أن يفهم ما أقول، فإذا بيدٍ على كتفي، التفتُّ فإذا بشيخ جميل الصورة مشرق الوجه قال: «يا ولدي هيك بتذكر الله! قول: الله الله» قالها بهدوء ولفظ واضح مفهوم، فوالله يا ولدي عندما قالها سمعت كل شيء من حولي يرددها بنفس الصوت واللفظ، فالتفتُّ حولي فلم أرَ أحدًا، عندها قررت الذهاب إلى الكلتاوية، وفي نفس اليوم صباح الجمعة رافقت جدك وعمك إلى الكلتاوية، ووقفنا أمام الحجازية ننتظر قدوم سيدنا -رضي الله عنه- وعندما أطل علينا فإذا هو الشيخ الذي رأيته ليلًا، تقدمت إليه وبلا شعور أريد تقبيل يديه، فنظر إليَّ وقال: هِيْك بدّك حتى تجي».

ومن يومها لازَمَ -رحمه الله- أعتاب الحضرة النبهانية، وكان عمره بين الخامسة عشر والسابعة عشر عامًا، وبعد انضمامه إلى رحاب الدوحة النبهانية أمره سيدنا النبهان -رضي الله عنه- بالعمل على آلة الجرّار، فكان ينقل محاصيل سيدنا الزراعية من مكان إلى آخر.

خضوعه للامتحان:

قال -رحمه الله-: «وفي يوم من الأيام كنت متوجهًا إلى حلب بحملٍ من القمح فاستوقفتني امرأة على الطريق، وطلبتْ مرافقتي، وقالت: سرْ بي إلى حيثُ تريد، وكنت متلثمًا بمنديل، فلم أكلمها وكشفتُ لها عن لحيتي، فتفلَتْ علي وقالت: تريد أن تريني لحيتك؟! فأكملت طريقي وأنا مكسور الخاطر، وذهبت إلى الكلتاوية فلما دخلتُ وجدتُ سيدنا -رضي الله عنه- يلقي درسًا، وهو يتكلم بقصة سيدنا عبد العزيز الدباغ مع شيخه وكيف تمثَّل له بصورة امرأة ليختبره، ثم أكمل سيدنا -رضي الله عنه-  وقال: أولادي لا تتعجبوا بِتْصِير وممكن هلق تصير مع أي واحد منكم» ثم نظر -رضي الله عنه- إليّ.

وبعد هذه الحادثة أمرني سيدنا -رضي الله عنه- أن أنتقل إلى حراثة الأراضي بالقرى.

وبحكم عملي كنت قريبًا من النساء اللاتي يعملن بالأرض، وفي أحد الأيام اضطررت إلى الكلام معهن من بعيد، فقلت: يا أخواتي! سيدنا أمرني بفلاحة الأرض، وأنتن بعملكن تَمنَعنني من ذلك، فإما أن تجمعن حطب القطن بمكان واحد، أو أخرجنه خارج الأرض، وكُنَّ يجمعنه على شكل أكوام صغيرة فما أن انتهيت من كلامي حتى تركن كل شيء وذهبن إلى القرية، أكملت عملي إلى وقت الظهر، وذهبت إلى القرية من أجل الاستراحة والتزود بالوقود، فاستقبلني أهل القرية بالترحيب والمديح على غير عادتهم، فسألت الحاج أديب حياني عن السبب وكان هو المسؤول عن العمل فقال: جاء النسوة وقلن: الحضري يكلمنا، واجتمع أهل القرية وعزموا على قتلك، فقلت لهم: هذا من قِبَل سيدنا، دعونا نرسل أحدكم إلى سيدنا فإن أمرنا بقتله أكون أنا أولكم، فكان جواب سيدنا رضي الله عنه: «هذا الحضري ابن سيدتنا فاطمة، هذا أمين على الحريم مثل ما أنا أمين عليهم». وكان والدي -رحمه الله- يفتخر بهاتين الشهادتين.

حجه مع سيدنا النبهان رضي الله عنه:

ولما بلغ والدي من العمر اثنين وثلاثين عامًا أكرمه الله بمرافقة سيدنا -رضي الله عنه- إلى الحج عام 1965م، فقام مع أخيه الحاج سليمان تركي بتسجيل أسمائهم مع والدتهم للحج، وطلبت والدتي من والدي الحج برفقة سيدنا فلم يستجب لضيق الحال، ولما فقدتْ الأمل قالت لوالدي: سأشكو أمري إلى سيدنا، وهي في القرية ولم تلتق بسيدنا تلك المدة.

قال والدي (والكلام لابنه الشيخ عمر): ذهبت إلى الكلتاوية، وعندما وصلت إلى باب الجامع فإذا بباب بيت سيدنا يفتح، ويخرج سيدنا وعليه قميص طويل فقال: «حج محمد روح لعند الحاج علي النبهان، وخود منه مصاري، وسجل للحجة رَحْمة بدنا ناخذها معنا إلى الحج».

كان والدي -رحمه الله- يحدثنا عن حَجِّه مع سيدنا، وعن أحداث الحج، وقصة وفد الملك فيصل، وعن الغمامة التي ظللت سيدنا -رضي الله عنه- في ذهابه ورجوعه إلى مكان رمي الجمرات، وعن زيارة سيدنا -رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة وزيارة سيدنا رسول الله ﷺ، وكيف صلَّى بهم سيدنا -رضي الله عنه- إمامًا في المسجد النبوي الشريف، وبعد الصلاة كان يلتفت إلى المصلين ويعطيهم كتفه الأيسر ووجهه -رضي الله عنه- إلى الحجرة النبوية الشريفة.

إكرام سيدنا رضي الله عنه للحاج تركي:

(الحاج تركي رحمه الله)

قال الشيخ عمر: حدثني أخي عبد الرحمن بن محمد تركي فقال: لم يرافق الحاج تركي سيدنا النبهان -رضي الله عنه- في حجه، لكنه في شهر شوال 1388هـ، الموافق كانون الأول 1968م سافر سيدنا النبهان -رضي الله عنه- إلى العراق، وفي أثناء غيابه عن حلب قام بعض أصحابه بالسفر إليه، ومن بينهم الحاج أسعد الخطيب من قرية الشيخ عيسى، وفور وصوله العراق أمره سيدنا بالرجوع إلى القرية وقال له: «قول للحاج محمد والحاج سليمان: يطالعوا جواز سفر لأبوهم بدي أبعته عالحج».

ولما حان وقت الحج وأراد الحاج تركي السفر ذهب إلى سيدنا -رضي الله عنه- لوداعه، فقال: يا سيدي نحن هنا معك وأنت معنا، هناك ما معنا أحد، فقال له سيدنا رضي الله عنه: «حَجْ تركي أنا معكم هُوْن وهْنِيك».

ثم التفت سيدنا -رضي الله عنه- وخاطب مَنْ حوله، وكان منهم الحاج عمر ططري والحاج أحمد اللبابيدي: «روحوا مع أبو سليمان إلى الشام، روحوا ودعوه، بد ويصير ما في أحسن منو». سافر الحاج تركي، وتوفي بمكة محرمًا، ودفن فيها.

الشيخ بلال حمزة إمام وخطيب في قرية الشيخ عيسى بأمر سيدنا h:

 وفي عام 1969/1970م طلب أهل قرية (الشيخ عيسى) من سيدنا -رضي الله عنه- إمامًا للمسجد، فأرسل إليهم الشيخ بلال حمزة -حفظه الله-، فأقام في القرية إمامًا وخطيبًا، وطلب منه أهل القرية درسًا خلال أيام الأسبوع، فأجابهم أقوم بذلك بعد طلب الإذن من سيدنا رضي الله عنه، فأرسلوا إلى السيد رسالة يستأذنونه فيها، فأجابهم سيدنا -رضي الله عنه-  خطيًّا على الرسالة بقوله: «نعم اقرأ لهم درسًا وأنت كنْ تحت أمر محمد تركي».

 

رسالة من الحاج محمد تركي إلى السيد النبهان، مع جوابه t

زيارة سيدنا النبهان -رضي الله عنه-  قرية الشيخ عيسى:

حدثني أخي عبد الرحمن وعبد الله قالا: أكرمنا سيدنا -رضي الله عنه-  وشرّف القرية وأهلها بثلاث زيارات، وكان دائمًا ينزل في بيتنا.

الأولى: كانت بعد الحج بأيام قليلة مع بعض إخوانه، قام والدي بدعوته -رضي الله عنه- فلبى الدعوة، وأشار عليه البعض أن يصطحب معه الطباخين، فرفض وقال: «حريمهم بيطبخوا أحسن» ثم التفت إلى والدي وقال: «حج محمد خلِ الحجة رحمة تطبخ».

الثانية: جاءنا -رضي الله عنه- من غير ميعاد ففرح أهل القرية والتفوا حوله، وأراد الوالد أن يذبح له فمنعه -رضي الله عنه- وقال لمن حضر: (كل واحد يرجع للبيت وشو عندو يجيب) فمنهم من أحضر المجدرة، ومنهم من أحضر المخلل، ومنهم من أحضر اللبن، ومنهم من أحضر الحليب إلى آخر هذه الأنواع الكثيرة، فجلس سيدنا رضي الله عنه، وقال: (أنا اليوم بدي آكل متل أكل الرعيان بدي آكل مرجوجة) فمزج اللبن بالحليب وأكل منه رضي الله عنه.

الثالثة: جاءنا -رضي الله عنه- مع بعض أصحابه العراقيين، وكان منهم: الشيخ أيوب الفياض، والشيخ حامد صخي، والشيخ جمال شاكر، والشيخ محمود علي داود البعقوبي، وباتوا عندنا تلك الليلة، أقام سيدنا -رضي الله عنه-  فيها مذاكرة عظيمة وأنشد فيها أصحابه، فكانت ليلة لا توصف.

وفي هذه الزيارة كان العشاء حامض مع الدباء باللحم، فقام -رضي الله عنه- بوضع الخبز بالمرق وتناول الطعام، فأخذت الوالدة الصحن والملعقة وبدأت تطعم الأطفال مما تبقى بالصحن بتلك الملعقة.

وتحدث الشيخ حامد عن زيارة سيدنا  لقرية الشيخ عيسى فقال: (زار سيدنا في أيامه الأخيرة كثيرًا من القرى يودع أهلها، ولم نعرف أنه يقول: لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، أذكر أننا وصلنا إلى قرية أكثر سكانها من الأكراد، وفيها بئر ماء يتدفق فأخذ سيدنا كأسًا يغرف الماء، ويسقينا بيده الشريفة، وركبنا السيارة والشيخ أيوب يقودها، وقد حدد له السيد السرعة مئة كيلو بالساعة سابقًا لكن سيدنا أمر الشيخ أيوب أن أسرع فيسرع، والسيد يقول له: زد السرعة حتى قال لي الشيخ أيوب: ضغطت على أعلى سرعة بالسيارة وكان سيدنا يردد قوله تعالى ونردد معه: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ»  ثم قال: «فَرِّينا وخلصنا» ثم ختم بالدعاء: اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا وعافنا واعف عنا اللهم آمين.

كنا بمعية سيدنا أنا والشيخ أيوب، والشيخ جمال شاكر، والشيخ محمود علي داود البعقوبي، ومعنا شخص يدلنا الطريق وصلنا القرية فقالوا لنا: هنا مدفون الشيخ عيسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني -رضي الله عنهم جميعًا-، وصنعوا لنا طعامًا فأكلنا بمعية سيدنا ثم طلب السيد أن ينام حتى سمعنا له غطيط النوم.

أذكرُ من لطائف ذلك المجلس المبارك كان بيدِنا دفتر مكتوب فيه بعض قصائد وأناشيد الشيخ هشام الآلوسي في حقّ سيدنا الكريم فأخذهُ سيدُنا يتصّفحهُ ويقرأُ فيه بصوتٍ مسموعٍ وبعضه باللهجةِ العراقيةِ «ياكَلبي جاوِرْ هلَك وسلّمْ بالكلتاويه» وتعني (ياكَلْبي) يا قلبي فقرأها سيدُنا ياكَلْبي جاوِرْ هلَك، اي من الكلب وهو يبتسم h وكان يستمع لأناشيدنا العراقية بلهجتها وأحيانًا يشاركنا بنفس اللهجة.

وكنّا عائدين معه من قرية الشيخ عيسى إلى حلب عصرًا قبيل صلاة المغرب عام 1974م والشيخ أيوب يقود السيارة وسيدنا عنده في الصدر فأنشدنا أبياتًا من قصيدة للشيخ هشام «سيدي لَمّا يلبس نظارات تشّع من عينه الآيات»  نكَرّرها وسيدنا يردَدّ معنا، وقد خلع الشيخ أيوب نظارته الشمسية الراقية لون زجاجها أخضر زيتوني وقالَ لي: ألْبسها لسيدِنا لأنّي كُنْتُ جالسا خلفَهُ -رضي الله عنه-، لكي تخفف أشعة الشمس الساطعة، فأخَذْتُها وَألْبَسْتُها سيدنا فقال لي الشيخ أيوب باللهجة العراقية: (على كيفك) أي بالراحة والهدوء فقال سيدنا: لا، مو على كيفه على كيفي. لبس سيدنا النظارات فأخَذَتْنا نشوةُ الحال والإنْشاد وتَجَلّى سيدُنا بالجمال، فطلبنا من سيدنا النزول من السيارة وقلنا سيدي ننزل لِنَدْبَكَ طَرَبًا (الدبكة) دبكة الذكر والحال، فكان رَدُّ سيدنا قويًا وحازمًا فقال: «لا لا، بِدّي رجال ما بِدّي نسوان» قالها سيدنا بجلالٍ فأسْكَتَنا).

وفاته -رحمه الله تعالى-:

وهكذا لزم والدي رحمه الله سيدنا النبهان -رضي الله عنه-، وكان يستشيره بكل أمر من أموره إلى انتقاله -رضي الله عنه-.

وبقي ملازمًا آل سيدنا محبًّا لهم وللكلتاوية لم ينقطع عن تلك الرحاب إلى أن توفاه الله يوم الأحد 16 محرم 1432هـ، الموافق 11 كانون الأول 2011م.

  

مصادر الترجمة:

أعدها لي ابنه الشيخ عمر محمد تركي سماعًا من والده -رحمه الله- ومن أخويه عبد الرحمن وعبد الله.

الشيخ حامد صخي، مراسلة كتابية.

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 57)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 6-1-2022م.