آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الشيخ محمد ناصر حوت رحمه الله



مرات القراءة:508    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ محمد حوت

(رحمه الله)

1367 - 1389هـ/ 1946 1970م

ترجمة الشيخ محمد حوت-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 77).

المحب الذاتي، الشاب الذي نشأ في عبادة ربه، شهيد المحبة الشيخ محمد بن ناصر بن محمد بن ناصر بن حسين بن حمود بن خضر.

ولادته ونشأته:

ولد في حلب القديمة عام 1946م، في حي قارلق.

ويرجع نسبه من جهة أم جده إلى آل البيت من السادة الحسينية الرفاعية.

وانتسابه لآل البيت من طريق جدته لأمه، وأما من جهة والده فله قرابة عمومة مع السيد النبهان رضي الله عنه.

نشأ وترعرع في بيت قال عنه سيدنا النبهان رضي الله عنه: «أشبه البيوت ببيتي بيت الحاج ناصر».

هذا البيت كان أبناؤه كلهم طلاب علم: محمد، وأحمد -رحمهما الله- ومحمود، وعبد الله -رحمه الله- وعبد الباسط.

 

 

دراسته:

درس الشيخ محمد المرحلة الابتدائية في مدرسة أبي بكر الصديق في حلب، والمرحلة الإعدادية والثانوية في مدرسة الخسروية.

من شيوخه فيها: الشيخ أبو الخير زين العابدين، والشيخ محمد الملاح، والشيخ عبد الله الريحاوي، والشيخ محمد السلقيني، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ عبد الله سراج الدين.

ومن زملائه فيها: الدكتور حسن أبو غدة والشيخ: سعيد المصري، وغيرهما.

انتسب بعد مدة إلى الأزهر الشريف (كلية اللغة العربية) فأتم السنة الأولى ووافته المنية في السنة الثانية.

تحدَّث الشيخ الدكتور محمود فجَّال -رحمه الله- عن مراحل من حياة الشيخ محمد حوت، فقال:

سفره إلى مصر للدراسة:

«حينما أردت الذهاب إلى مصر للدراسة في اﻷزهر قلت لسيدنا - رضي الله عنه- فقال: «الشيخ محمود يريد الذهاب إلى مصر؟!» إبداء الاستغراب من سيدنا ﻷنني ﻻ أخرج من الكلتاوية حيث كنت مجاورًا فيها قبل خدمة العلم وبعدها، فقلت: إن لم ترغب يا سيدي فلا أسافر. فقال لي: «أنت ﻻ أقول لك ﻻ تسافر ولكن أعمل لك استخارة» فقلت: يا سيدي والشيخ محمد بن ناصر حوت والشيخ صالح حميدة يريدان السفر معي للتسجيل في اﻷزهر. فعمل سيدنا اﻻستخارة للثلاثة، ثم قال: «يا شيخ محمود أنت سيخرج على وجهك كنز واذهب، والشيخ محمد حوت يذهب ما في ضرر، والشيخ صالح ﻻ يذهب، ولكن اجعل الجواب منك ﻻ مني». أما محمد حوت فدخل اﻻمتحان للسنة اﻷولى ونجح، ثم مات قبل مجيء السنة الثانية وهذا معنى قول سيدنا: ليذهب ما في ضرر.

على جبهتكما صورة محمد النبهان:

كنت أنا والمرحوم الشيخ محمد حوت في مسجد سيدنا الحسين في القاهرة فرآنا شيخ من أصحاب اﻷحوال وله مريدون -أخبرني الشيخ محمود حوت أنه الشيخ صالح الجفري رحمه الله-، حينما نظر إلينا ونحن نمشي وهو يمشي وقف وقال: «على جبهتكما صورة محمد النبهان».

قلت له: وما يدريك بالشيخ محمد النبهان؟

قال: النبهان هذا سلطان اﻷولياء نلتقي معه كل أسبوع أو شهر (الشك مني).

 قلت: هل التقيت به في الظاهر؟

قال: ﻻ وأعرفه في الباطن فقط.

حضرت له أنا ومحمد حوت حضرة في مسجد سيدنا الحسين، وله حال وكلام عال، وفي حضرته خشوع، فتبارك الله الذي جعل سره في خاصة عباده.

استخارة زواج:

قلت لسيدنا: يريد الشيخ محمد حوت أن يتزوج فقال سيدنا: ﻻ.. ﻻ أزوجه أريد أن أرسله إلى مكان، وقال: أعمل له استخارة على بنت من بيت الخياطة فكانت نتيجة الاستخارة أنها سودة.

أخوة الطريق والمحاسبة:

كان محمد حوت طالبًا في الثانوية الشرعية وهمَّ بتركها، يحضر مذاكرات سيدنا بين الفينة والفينة، فكان يتكلم معي بحياءٍ  وكنت أجيبه بحياء ﻷنه أمرد، فكنتُ مُثَبّتًا له فيها، وقلت له: ﻻ تستمع للناس، وكان يمشي مع أي شخص فسيدنا منعه من أن يسير مع أحد إﻻ مع محمود فجال، ومحمود كان مستغرقًا في المراقبة وشديدًا على نفسه، فسار معي الشيخ محمد فكنت أحاسبه على ألفاظه وحركاته وتصرفاته حتى أحيانًا يكاد يضجر، ولكن المحبة مسكتة، قمت باﻹضافة إلى المحاسبة الشديدة أقرأ له النحو والصرف وغيرهما، وكنت أدَرّس الشيخ محمد حوت مادة الإنجليزي، وكنت شديدًا  عليه إن غفل عن الله. 

 سيدنا فرد وأنا سأكون مثله:

كان يرافقني دائمًا حتى سافرنا معا إلى مصر أربع مرات، وصار مراقبًا في دار نهضة العلوم الشرعية بعد زواجي، وفي  شهر رمضان خرجنا من  الذكر يوم الجمعة قبل صلاة العصر بقليل والتقينا أنا وهو والشيخ محمد لطفي -رحمه الله- وصار محمد حوت يمزح معي ويقول: أنت ما يأتيك ذكور إﻻ بنات ﻷنه من مودته لي يريد أن يأتيني ولد ذكر حتى يجعله صاحبًا له، وكانت روحه منورة وخفيفة وبحكم الصحبة كان محبًّا لسيدنا عاشقًا والهًا حتى كان يقول: «سيدنا فرد وأنا سأكون مثله» يعني خليفته، وكان إذا ذهب إلى القرية يقبل اﻷرض الزفت التي تصل إلى طريق سيدنا، وإذا حصل أنني زعلت منه ما يستطيع المنام وله أحوال في الحب عجيبة».

عمل الشيخ محمد حوت موجهًا ومدرسًا في مدرسة الكلتاوية (دار نهضة العلوم الشرعية) مدة ستة أشهر.

خُطْبته:

كتب لنا عنه الشيخ الدكتور محمود فجَّال -رحمه الله-:

«خطب الشيخ محمد -رحمه الله- في عدة جوامع في مدينة حلب وخارجها، فخطب في منطقة الجَلُّوم في حلب، وكذلك في جامع الكلتاوية وكان وقتها عمره ثمانية عشر سنة، وخطب في خان شيخون وكان قد أرسله السيد النبهان، وكان خطيبًا مفوهًا.

طلب أهالي خان شيخون من سيدنا عالمًا يخطب عندهم الجمعة ويصلي بهم صلاتها، فأرسل إليهم سيدنا  -رضي الله عنه- الشيخ محمد حوت -رحمه الله- فخطب خطبة قوية تعرض فيها لبعض الأمور فاعتقل، وأنزل إلى قبو سحيق أكثر من عشر درجات، فأخبرنا سيدنا فغضب سيدنا وأرسل سيارتين من إخواننا لإخراجه حالًا من الاعتقال، وتم اخراجه في نفس اليوم.

ولما استشهد الشيخ عبد العزيز البدري -رحمه الله- قال لي المرحوم محمد حوت: استأذن لي سيدنا لأذهب وأقتل من قتله لأن الحزن خيم على الكلتاوية حين مقتله، رحمه الله تعالى.

مشاركة في الزراعة:

ومن مواقفه معي: قال لي مرةً المرحوم الشيخ محمد حوت: ما رأيك نعطي شخصًا فلوسًا ونشاركه في الزراعة فنربح عند الموسم؟  قلت: ما عندي فلوس.  قال لي: استدن، فبعت الذهب الذي أتيت به هدية لزوجتي وأعطيته للمزارع عن طريقه. ولما طلع الموسم كنا قد خسرنا أكثر من ثلث المبلغ. وصل الخبر لسيدنا فقال: متى زرعتم؟  قلت: في شهر شباط. فقال رضي الله عنه: الذي يزرع في شباط يحصد على الوزن».

من أوصافه:

كان يتمتع -رحمه الله- بشخصية قوية، ويتميز بالكرم، وسلامة الصدر، والعفة والنزاهة مع ما حظي به من أدب جم بين يدي سيدنا النبهان فقد أحب شيخه منذ نعومة أظفاره.

وسيدنا النبهان - رضي الله عنه- كان يرى فيه شخصية مميزة قال أحد أصحاب سيدنا: يا سيدي! أرى أن محمد حوت له نفس كبيرة فقال السيد: نعم وأنا أحب صاحب النفس الكبيرة.

حدثني الدكتور محمود الزين -رحمه الله- قال: «ومن اهتمام سيدنا به ما حدّث خادم السيد النبهان مصطفى سروجي -رحمه الله- قال: كنت نائمًا في غرفة سيدنا معه، فجعل السيد النبهان يتقلب ليلًا فاستيقظت فقلت: ما بكَ سيدي؟ قال: محمد حوت نائم وقد تكشف لحافه فاذهب إليه وغطه فذهبت، وكان محمد حوت نائمًا على السطح في الكلتاوية فوجدته كما قال سيدنا تكشف عنه اللحاف».

وفاته:

في يوم الجمعة 15 تشرين الثاني عام 1970م أصيب الشيخ محمد بانفجار في الدماغ فسبب ذلك وفاته بدون مرض مسبق.

حزن عليه السيد النبهان، وخرج في جنازته، ولما جاء الشيخ محمد لطفي والشيخ محمود فجال ليعزوا السيد النبهان به: قال: «نعم هذا عزوني فيه، كنت أظن أن الشيخ صالح نجار الأول ولكن سبقه محمد حوت».

كتب لنا عنه الشيخ الدكتور محمود فجَّال، رحمه الله: «ذات مساء كان الطلاب في الدار يذهبون الى الحمام، وكان الشيخ محمد حوت يرافقهم مع الشيخ صالح البشير، ولكنه اعتذر عن مرافقتهم، وبعد أن صلينا صلاة التراويح وجئت إلى بيتي، وكان بيتي في حارة الكلتاوية جاءني بعض الطلاب وقال: تعال وانظر الشيخ محمد. جئت مسرعًا فوجدت الشيخ محمد على السرير في غرفة المراقبة يخرج من فمه الزبد، كلمته فلم يجب، فأحضرت له الطبيب متين طباخ، والطبيب سعيد عبدان فقال متين: ننقله إلى المستشفى. فقال له سعيد: مات. ذهب بعض إخواننا يريد أن يخبر سيدنا في الليل. فقال: عندي خبر الشيخ محمد حوت توفي. والتقيت بسيدنا. فقال: «أنا لو بدي أزعل بزعل على محمد حوت، ولكن ما بدي أزعل، ولو بدي أبكي أبكي على محمد حوت، ولكن ما بدي أبكي». وحمل محمد حوت على اﻷكتاف وسيدنا يقول بصوت يهز القلوب: ﻻ إله إﻻ الله. انتهينا من الدفن والمؤبن أخونا الكبير الشيخ أديب حسون، وبعد اﻻنتهاء من التأبين طلب مني إلقاء كلمة فوقفت لألقي كلمة ذاكرًا خلاله ومحبته لسيدنا، وبدأت زخات المطر كقطر الندى تلامس الرؤوس، وترك سيدنا الكرسي الذي كان جالسًا عليه وصار يبكي بكاءً شديدًا.

وبعد أن وصل سيدنا إلى المسجد دخلت أنا والشيخ محمد لطفي على سيدنا وقال محمد لطفي: يا سيدي أنت قلت: أنا ما بدي أبكي؟  فقال: لقد حضر رسول الله الجنازة، وما رأيت أحدًا مات وحضر الرسول جنازته إﻻ محمد حوت قال الرسول صلى الله عليه وسلم: حضرت ﻷنك تحبه.

هذا أرويه ولم يكن معنا أحد، وتكلم كلامًا آخر.

رؤيا:

يتابع الدكتور محمود فجَّال حديثه فيقول: قال لي الشيخ محمد حوت -رحمه الله-: رأيت في المنام صحيفة مكتوبًا فيها الذين سيصلون إلى الله، أنا أول اسم ثم بعدي الشيخ محمد لطفي، قلت له: وأنا ما رأيت لي اسمًا؟ قال: ﻻ. لكن رأيتك راكبًا على فرس يطير بك».

رحمك اللهُ آنسكَ اللهُ أيُّهَا المحب الذّاتي.

قال سيدنا -رضي الله عنه- للشيخين محمد لطفي ومحمود فجال: «محمد حوت صورة مصغرة عني وهو بضعة مني».

وقال رضي الله عنه: «لماذا أحب محمد حوت؟! لأنه كان لايغتاب أحدًا».

وقال: «قتلته المحبة». وقال: «ما رأيت أشجع منه».

كلمة الأستاذ الدكتور محمود فجَّال في تأبين الشيخ محمد حوت، رحمهما الله:

«الحمد لله الذي جعل الموت حتمًا واجبًا على عباده، فسوى فيه بين ضعيفهم وقويهم ورفيعهم ودنيهم فقال -سبحانه-: ﴿كلُّ نَفْسٍ ذائقةُ الموت﴾.

أيها الفقيد أيها الأخ أيها الصالح أيها المحب لسيدنا حفظه الله:

إنه ليؤسفني أن أقف في آخر العهد معك معزيًا لروحك الطاهرة.

إنه ليؤلمني أن أقف بين يدي سيدي ومولاي وسندي محمد النبهان -رضي الله عنه- وبين إخوتي نعزي أنفسنا بفقدك.

إنه ليحز الألم في نفسي أن أعزي أخًا لي في الله ما عهدت عليه إلا الصدق في القول والصدق في الوجهة إلى الله ورسوله وأحباب الله ورسوله.

أخ كريم وابن أخ كريم، من بيت كريم، من نسب طاهر يمد إلى حبيبنا وسيدنا محمد النبهان أبقاه الله ومد لنا في حياته.

أيها الفقيد: إنك شاب نشأت في عبادة الله وطاعته، ونسجتك يد كريمة رعتك طوال حياتك حتى أسلمك إلى الرفيق الأعلى، يقول نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم: «عجب ربك من شاب لا صبوة له»  وفقيدنا -يا إخوتي- لا صبوة له لأنه كان مغمورًا في الطهر والبراءة، وكان فقيدنا ذا همة قوية في طلب العلم فهو تخرج من الثانوية الشرعية وانتسب إلى كلية اللغة العربية في الأزهر الشريف، وذلك بأمر وإشارة سيدنا -رضي الله عنه-، وما ذلك إلا رغبة في العلم، وأكرمك الله في آخر عمرك بأن كنت مدرسًا وموجهًا في دار نهضة العلوم الشرعية التابعة لجمعية النهضة الإسلامية التي تسير تحت إشراف سيدنا فضيلة شيخنا محمد النبهان -رضي الله عنه-، وقد تركت أهلك وعزفت عنهم خدمة لطلاب العلم، فلم تذهب إليهم في ليل ولافي نهار، بل عكفت على خدمة طلاب العلم الذين هم أشرف الناس، يقول ربنا جل جلاله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( الزمر 9) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران 159)  وكنت رحمك الله سمحًا  سهلًا محبًّا للخير، لا تعرف الغيبة ولا تحب سماعها ولا النميمة، وكنت سليم الصدر لا تحقد على أحد، شهادة أشهد بها أمام الله، والله أعلم بحقيقة ما أشهد، وسيدنا حفظه الله يعلم حقيقة ما أقول.

ولقد أسعدك الله في آخر حياتك أن كنت من الذين يدأبون على حفظ كتاب الرب تبارك وتعالى، ويكفيك فخرًا وسؤددًا أن كنت تابعًا لسيدنا وشيخنا وسندنا محمد النبهان التابع لحبيب الرحمن لسيد المرسلين وحبيب العالمين.

وإذا سَخَّـــرَ الإلهً أًناسًا              لسعيـدٍ فإنهـم سُعَـدَاءُ

يا أخي: لقد صعدت أنفاسك الأخيرة في دار العلم والإيمان دار السيد النبهان، والأولى بنا أن نعزي أنفسنا؛ لأن الله تعالى أخذك إليه واختصك به، أما هذه الأمة فتفقد رجالها وعلماءها واحدًا تلو الواحد، وهذا دليل على عدم استحقاق هذه الشعوب لهؤلاء العلماء ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينزع العلم من صدور العلماء ولكن ينزعه بموت العلماء».

 فمصيبتنا فيك يا أخي فادحة وخطبنا بك جلل، فرحمك الله يا أخي ويا عيني ويامن نقَلَتْ عدسة كاميرا الوجود صورتك لتحفظها للأجيال ولتحفظ إيمانك وطهرك وصدقك ويقينك.

فرحمك الله يا أخي يا محمد يا أبا ناصر فلَنِعْمَ الروح روح تضمنه بدنك ولنعم الجسد جسد تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمنه لحدك، غذتك أكف الحق، ونسجتك يد محمدية نبوية، وربيت في حجر الإسلام ورضعت الإيمان، وطبت حيًّا وميتًا.

وأما أنتم يا أهل الفقيد فاعلموا أن الناس لا ينفكون عن المصائب، ومن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، وحق الإنسان الصبر على النوائب، إذ كانت الدنيا دار فراق ودار بوار.

وإن كان على فراق المألوف حرقة لا تدفع ولوعة لا ترد، ولنا أسوة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: «العين تدمع والقلب يوجع ولا نقول ما يسخط الرب إنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» وإنا على فراقك يا أبا ناصر لمحزونون.

أعود إليك يا أخي أعود إليك يا أبا ناصر، وهذا آخر المطاف بك في الدنيا وآخر العهد بك وآخر الحديث معك؛ لقد ذهبت إلى الرفيق الأعلى إلى الله، وهذا مطلب النبي -صلى الله عليه وسلم- كان وهو محتضر يقول بصوت خافت: «الرفيق الأعلى الرفيق الأعلى» لا يريد إلا الله.

 «دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا إلى الإسلام فقال: لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، فقال: أرني قبرها فأراه إياه فقال صلى الله عليه وسلم: يا فلانة أتحبين أن ترجعي إلى الدنيا؟ فقالت: لا والله يا رسول الله إني وجدت الله خيرًا لي من أبوي ووجدت الآخرة خيرًا من الدنيا».

فرحمك الله يا عيني يا أبا ناصر.

رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جنانه، وأجزل لك المثوبة والعطاء وأحسن مأواك، ورفع منزلتك بين عباده وجعلك تحت نظر شيخنا وسندنا محمد النبهان على الدوام وفي البرزخ وفي كل الأماكن، وأفرغ الله على أهلك وذويك صبرًا وعوضهم عنك خيرًا.

والسلام على روحك الطاهرة سلام وداع لا لقاء بعده في الدنيا وطبت حيًّا وطبت ميتًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وكتب لي شيخنا الدكتور عثمان عمر المحمد: «رحم الله حبيبنا الشيخ محمد ناصر حوت كانت تربطنا به صلة خاصة، فهو موجه في المدرسة ونحن في الصف الخامس، وصلة أخرى أنني كنت وأخي الشيخ علي -رحمه الله- والشيخ محمد حوت نأخذ دروسًا خاصة في النحو قراءة كتاب «أوضح المسالك» على أستاذنا الدكتور محمود فجال -رحمه الله- في جامع الحدادين، ثم في جامع باب الأحمر.

كانت بسمته لا تفارق عيني، ونكتته لا تغادر سمعي.

وفي يوم الخميس 14 تشرين الثاني 1970م قبل وفاته بيوم التفت إليّ في باحة المدرسة وقال: عثمان قلت: لبيك. قال: إن الحمد لله نحمده، وابتسم. فقلت له: حاضر، وهو توكيل لي بهذه العبارة أن أخطب عنه في جامع الأصفري بالجلوم.

وفي صلاة المغرب صليت مقتديًا به الحجازية، ثم قال لي: اليوم عندنا حمام للطلاب ورأسي يؤلمني. فقلت: لو قلت للشيخ نبيه سالم يذهب عنك، وترسلني مع بعض الطلاب الكبار نساعده. فقال: وهل يرضى؟ وفعلًا رضي الشيخ نبيه ورحنا معه، لكن لما وصلنا الحمّام وإذ بالشيخ محمد يدخل الحمام ويصرف الشيخ نبيه، وبقي معنا ومعنا السيد الحفيد غسان النبهان، وكان يومًا لا ينسى من السرور.

وفي اليوم الثاني خطبت عنه الجمعة في جامع الأصفري، ومساء أراد النصف الثاني من الطلاب أن يذهب إلى الحمام فنزل معهم الشيخ محمد إلى قبو النجارين وكأنه يودعهم ثم رجع إلى المدرسة وبقي معهم الشيخ نبيه، وكنت أنا والشيخ محمد مصطفى حوت في باحة المدرسة فمرّ الشيخ محمد علينا مسرعًا والتفت إلينا وقال مشيرًا إلى رأسه: (فيبتلي) وصعد إلى غرفة التوجيه، وسرعان ما اشتد به الحال والمرض، وأتي بالدكتور سعيد عبدان فلما عاينه قال: اقرؤوا له الفاتحة، وأما الدكتور متين طباخ الذي حضر أيضًا فقال: نأخذه إلى المشفى أو العيادة الليلية لكن الدكتور سعيد قال له: يادكتور الرجل انتهى، لن يعيش أكثر من دقيقتين. ونحن وقوف عند السرير فياسبحان الله! لم يعش أكثر مما قال الدكتور سعيد، كان الزبد يخرج من فيه، وآخر نفس لفظه خرج الزبد من أنفه وسلم الأمانة لباريه، فاتصلوا بسيدنا النبهان - رضي الله عنه- فقال: أعلم، خذوه لبيت أهله، فحملناه مع الفراش الذي كان ينام عليه إلى بيت أهله، والسماء تهطل غيثًا خفيفًا، وتفجأ الأهل هناك أن يدخل ولدهم الكبير وقد فارق الحياة، وفي يوم السبت تم وداعه ودفنه، رحمه الله وأكرم نزله.

وبعد وفاته بيومين أو ثلاثة ذهبنا أنا وأخي الشيخ علي، والشيخ أحمد حوت شقيق الفقيد لزيارة أستاذنا الدكتور محمود فجال، وطلب الشيخ أحمد من أستاذنا العبارة التي تكتب على القبر، فكان الشيخ محمود فجال يبكي بكاء حارًّا، وينتحب انتحابًا شديدًا، والدموع أغرقت لحيته وهو يقول: (ليه الشيخ محمد حوت مات؟ أنا لا أصدق، ولما أصدق أنه مات أكتب العبارة). ويعود للبكاء ونحن نبكي لمصابنا، رحم الله شيخنا ومن فقدنا، جمعنا الله بهم في مستقر رحمته».

مصادر الترجمة:

*الشيخ الدكتور محمود فجال -رحمه الله- مراسلة كتابية.

*أخواه الشيخان: أحمد -رحمه الله-، والدكتور محمود حوت، مراسلة كتابية.

*تسجيلات جامع الكلتاوية.

*الدكتور عثمان عمر المحمد، مراسلة كتابية.

صوتيات:

*تأبين الشيخ محمود فجال للشيخ محمد حوت، رحمهما الله.

* تأبين الشيخ محمد أديب حسون للشيخ محمد حوت، رحمهما الله.

*مقدمة خطبة للشيخ محمد حوت، رحمه الله.

انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 77)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 15-1-2022م.