آخر المواضيع
اخترنا لكم




  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   أتباع السيد النبهان من سورية وبلاد الشام
الشيخ محمود دعبول العساني رحمه الله



مرات القراءة:403    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ محمود دعبول العساني

رحمه الله

1341 - 1417هـ/ 1923 1997م

ترجمة الشيخ محمود دعبول-رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 204).

ولد الشيخ المحب محمود دعبول -رحمه الله- عام 1923م في قرية عسّان التي تبعد عن مدينة حلب حوالي اثني عشر كيلو باتجاه الجنوب، وقد نشأ وترعرع بين أبوين صالحين من عائلة كريمة مشهورة.

في بداية أمره كان يعمل في الزراعة حيث إنه ورث من والده مجموعة أراضٍ زراعية، فكان يؤجر قسمًا منها، ويزرع منها.

طلبه العلم:

كان طلبه العلم في سن متأخرة، فبعد أن تزوج وصار عنده طفلان ألقى الله حب العلم في قلبه بعد أن التقى ببعض الدعاة الذين كانوا يترددون إلى قرية عسان، فشجعوه على طلب العلم، فالتحق بالمدرسة الشعبانية في حلب، وكان يداوم ويحضر الدروس فيها، ثم يأوي إلى مسكنه في الإسماعيلية إلى غرفة كان يسكنها هو وصديقه في الدراسة الشيخ عبيد الحمرة، وكانت غرفته بجوار غرفة صديقه الشيخ عمر ملاحفجي -رحمه الله تعالى- وقد وصف الشيخ عمر حال الشيخ محمود في غرفته فقال: (الشيخ محمود رجل صالح، صاحب قلب سليم، بكّاء من خشية الله، كان زميلي في طلب العلم وجاري بالمدرسة الإسماعيلية بحلب، غرفته بجانب غرفتي، كنت أسمع بكاءه ونحيبه قبل الفجر بساعة، يناجي ربه ويتضرع إليه، وكانت أمه -رحمها الله- امرأة صالحة تقيّة يشعّ نورها شعًا، تتردد عليه وتدعو له ولي بكل خير وتوصيني به دائمًا). 

هذا وقد عاشت أمه -رحمها الله- مئة وخمس عشرة سنة تقريبًا، ولبّت نداء ربها وهي تتوضأ، حيث أنهت غسل قدمها اليمنى ولما انتقلت إلى اليسرى توفيت. رحمها الله رحمة واسعة.

فالشيخ محمود دخل المدرسة الشعبانية عام (1369هـ) الموافق لعام (1950م) وتلقى العلم على علمائها الأفاضل، وأمضى فيها ست سنوات، ثم تخرج فيها عام: (1375 هـ) الموافق لعام (1956م).

ومن زملائه في المدرسة الشعبانية: الشيخ عبد القادر عيسى، والشيخ سعد مراد الحموي، والشيخ محمد عبد المحسن الحداد، وغيرهم.

شيوخه في الشعبانية:

العلامة الشيخ اللغوي حامد هلال، والشيخ محمد أبو الخير زين العابدين، وأخوه العلامة اللغوي الشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ محمد الملاح، والعلامة المحدث الشيخ الجليل عبد الله سراج الدين، والشيخ الفرضي محمد سامي بصمه جي، والعلامة الشيخ المعمَّر أحمد القلاش، وفرضي حلب وشيخ قرائها الشيخ محمد نجيب خياطة، والشيخ المحدث محمد زين العابدين الجذبة، والشيخ عبد الفتاح حميدة الناصر، والشيخ محمد أديب حسون، وغيرهم.

أكمل -رحمه الله- الدراسة وعين إمامًا في مساجد حلب كان آخرها مسجد السخانة في باب النيرب.

أسرته: له من الأبناء أربع ومن البنات بنتان، أما الأبناء فهم: عبيد، عبد الرحمن، سعيد، عبد الرزاق.

 

صلته مع العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان h:

في بداية أمره -رحمه الله- سلكَ على يد الشيخ حسن حساني شيخ الطريقة القادرية في حلب، وأصبح من المقربين لديه، وكان صادقًا في الطلب فأحبه الشيخ حسن وصار يفكر بأن يجعله خليفة له.

لقد كان يحدث عن نفسه فيقول: كنت أمشي وأنا أحمل سبحة طويلة ذات الحبة الكبيرة، وأُمَني نفسي بأن أصير خليفة للشيخ حسن، رحمه الله.

وهكذا أراد -رحمه الله- شيئًا وأراد الله سبحانه له شيئًا آخر، ففي هذه الأثناء هيأ الله له أحد إخوان السيد النبهان فأشار عليه بأن يزور السيد -رضي الله عنه-، ويحضر عنده درسًا من الدروس، وكان هذا الدرس فاتحة خير له ولعائلته كلها.

قال -رحمه الله-: «قدمت الكلتاوية فرأيت ما لم أره من ذي قبل، رأيت شخصية ذات طلعة بهية، أسر قلبي منذ رأيته، وأخذ بمجامع لبي، ورأيت الناس حوله غير الناس، جالسين مطرقين وكأن على رؤوسهم الطير، فتملكني شعور غريب لا يوصف، عندها نسيت المشيخة التي كنت أفكر فيها، وتركتها خلف ظهري، ومنذ ذلك اليوم ما تركت الكلتاوية».

كان -رحمه الله- معتقَدًا عند أهل الحي يحبونه ويحضرون دروسه، فكان يأخذ بعضهم معه إلى الكلتاوية فيقولون له: يا شيخ محمود! مالنا نراك خارج الكلتاوية كبيرًا وداخل الكلتاوية صغيرًا؟ فيرد عليهم: طبعًا؛ إذا طلعت الشمس اختفت الكواكب (إذا طلعت لم يبد منهّن كوكبُ).

وقد نالت أسرة الشيخ محمود شرف الخدمة فكانت تعجن الدقيق وتخبزه في التنور، ثم يضعون الخبز في كيس الدقيق، فيأتي الشيخ محمود دعبول فيحمله من باب النيرب إلى الكلتاوية، وهكذا كل أسبوع أو عشرة أيام.

يقول الشيخ محمود -رحمه الله-: «في إحدى الجلسات مع السيد النبهان -قدس سره العزيز- قال لنا: «يا أولادي! من كان لديه إشكالات أو عنده استفسارات فليكتبها في ورقة ويعطني إياها» فما كان مني إلا أن ذهبت للمنزل وبدأت أكتب كل مشاكلي مع نفسي وأعدد مساوئها وما فيها من عيوب، وفي اليوم التالي حضرت الدرس وقلت: يا سيدي أنت قلت لنا: نكتب مشاكلنا وما نشكو منه في ورقة ونعرضها عليك. وها أنا ذا أحضرت ما أمرتني به، وبمجرد ما انتهيت من كلامي فاجأني بقوله أمام الحضور والغرفة مكتظة بالجالسين: هيا يا ولدي هيا، اقرأ الورقة التي بين يديك. يا الله! ما أصعبه من موقف! ولا تسألوني عما حصل لي في هذه اللحظات الحاسمة، عندها ذهلت واحمر وجهي من الخجل وقلت له: كيف أقرؤُها يا سيدي أمام هذا الجمع؟! أجاب رضي الله عنه: اقرأها يا ولدي لعلّها تزول عنك بإذن الله. فبدأت أقرؤها الفقرة تلو الفقرة والناس يستمعون، ووجهي يتصبّب عرقًا من شدة ما أصابني من الخجل، وما عرفت كيف فرغت من قراءتها، موقفٌ لا أحسد عليه، إنه موقف رهيب. وبعد هذه الجلسة العلاجية ما شعرت كيف زالت هذه المشاكل، وانزاحت عني جميع تلك الأوصاف التي ذكرتها في الورقة عن بكرة أبيها بفضل من الله، ولم يبق لها أثر، والحمد لله».

كان الشيخ محمود -رحمه الله- يستشير السيد النبهان -رضي الله عنه- في كل صغيرة وكبيرة.

قال -رحمه الله تعالى-: «ذهبت إلى السيد -رضي الله عنه- وقلت له: سيدي قد رزقني الله مولودًا جديدًا فماذا أسميه؟ قال: سمِّه عبدالرزاق، وذلك في 7 حزيران 1959م قال
-رحمه الله-: لقد أشار الناس عليّ أن لا أسجله الآن في النفوس حتى تكتمل السنة كما يفعل كثير من الناس، فما رأيكم سيدي؟ قال: فنظر السيد إليّ بانفعال وغضب ظاهرين وقال: محمود! محمود! أتلحق الكذابين وتسمع كلامهم؟! لا لا، اذهب وسجله في اليوم الذي ولد فيه ولا تسمع كلام الناس». وقد فعل ما أمر السيد فسجله في التاريخ الذي ولد فيه.

كان -رحمه الله- ممّن لازم السيد النبهان وداوم على الحضور في الكلتاوية، فيحرص -رحمه الله- على أن يجلس في الصف الأول ليكون أقرب ما يكون إلى سيدي النبهان رضي الله عنه. 

وفي غرفة السيد النبهان -رضي الله عنه-كنتَ ترى الشيخ محمود دعبول أحيانًا يمسك بالكتاب ويقرأ والسيد -رضي الله عنه- يشرح ويعلق ويحقق، وهذا في السنوات الأخيرة من حياته قدس سره العزيز.

 وفي عام 1965م عزم السيد النبهان على الحج فتهيأ الناس للذهاب معه، ولما رأى الشيخ محمود دعبول الناس يجهزون أنفسهم للحج برفقة السيد -رضي الله عنه- حزن؛ لأنه لا يملك مصاريف الحج، فخرج من الكلتاوية حزينًا كئيبًا لا يلوي على شيء، ونزل إلى باب النيرب، وإذ به يلتقي بابن خاله عيسى الإبراهيم، فسأله عن حزنه ثم عرض عليه مبلغًا كافيًا للحج لكنه رفض، وفي اليوم التالي ذهب إلى الكلتاوية، وهناك يتفاجأ بالسيد النبهان يقول للجالسين: «هناك أناس نعرض عليهم فيرفضون».

بعد ذلك ذهب إلى ابن خاله وسأله عن المبلغ الذي عرضه عليه بالأمس، فأنكر ذلك وقال له: أنا ما رأيتك ولم ألتقِ بك منذ زمن. فحينها تذكر كلمة السيد -رضي الله عنه- وعرف السر في ذلك، رحمه الله.

هذا وقد أكرمه الله وهيأ له الحج مع السيد النبهان -رضي الله عنه-، وبرفقة أخيه الحاج محمد دعبول وأمه، رحمهم الله.

وهذا التجسد معروف عند أهل الله، وقد حدث مرة أخرى مع الشيخ محمود دعبول.

حدثني عنه الدكتور محمود الزين -رحمه الله- قال: «من خصائص هذا الرجل أن له شهادة عند سيدنا -رضي الله عنه- فقد شهد له سيدنا بالصدق.

ولما عمل سيدنا جلسة لأهل باب النيرب كانت عن طريقه قال له سيدنا: «يا شيخ محمود ائتوا بجماعتكم» فحدد لهم يومًا معينًا كان وقتها يوم الجمعة بعد المغرب.

وأذكر مرة بعدما دخلت الكلتاوية وكنا جالسين عند سيدنا -وهو عند سيدنا حاله الدائم هو البكاء-، فقال سيدنا: اسألوا ابني اسألوا شيخ محمود اسأل.

فقال: يا سيدي نأتي وفي أنفسنا أسئلة كثيرة، فإذا رأينا جنابكم نسيناها.

فقال له سيدنا: صدقت، هذا من الصدق، نحن هكذا كنا.

كان الشيخ محمود فقيرًا شديد الفقر، طويلًا أطول مني بما يقارب الشبر، خشن العظام بلا لحم، وكان مستأجرًا بيتًا متواضعًا لا يتسع له فكان يضطجع فيه ويمد رجليه في الشباك، فوجد بيتًا متواضعًا للبيع، ونقصه من ثمنه مئتا ليرة سورية، فذهب إلى الشيخ عبد الغني حماد وكان أستاذًا في مدرسة الشعبانية-والشيخ محمود عمل وكيلًا عنده لفترة- فقال له: هل يتوفر لديك سلفة مئتي ليرة لتكملة ثمن البيت، وتقطعها عليَّ شيئًا فشيئًا حتى يتم سدادها؟ فنظر إليه الشيخ عبد الغني وقال له: أنت أليس لك شيخ؟  أليس شيخك الشيخ محمد النبهان؟  قال: بلى. فقال له: اذهب واطلب من شيخك.  قال الشيخ محمود: فكأنه ضربني على عيني، أنا أعمل عندك لا أعمل عند شيخي! قال: حزنت بشدة ولم أعد أرى أمامي فتركته ومشيت نحو الكلتاوية لأخفف عن نفسي، وإذ بي قبل أن أصعد الى الكلتاوية أرى تَكّاكًا (التك هي عربة الخشب التي تجرها الدواب للحمولة) قال: وأنا أعرف هذا الرجل درويشًا فقيرًا من جماعتهم من عسّان  فجاء وسلم علي وقال: يا شيخ محمود معي مائتا ليرة لاتلزمني الآن وأخاف إن بقيت معي أن أصرفها فخذها فتصرف بها، ومتى ما يسر الله  لك أعدها إلي فقلت  له:  لا.  فألح كثيرًا، فرفضت وصعدت إلى الكلتاوية، فرآني سيدنا فقال لي: ما بك يا شيخ محمود؟! قال: فرويت له القصة.  فقال سيدنا: هكذا قال لك اذهب خذ من شيخك؟!  قلت: نعم. قال سيدنا: لما عرض عليك شيخك النقود لماذا لم تأخذها؟! قال: سيدي!  هذا أنت؟! جاءه سيدنا بصورة قريبه التَّكاك».

كان من أصحاب الشيخ محمود دعبول الحاج علي الحمرة -رحمه الله-، وقد عرّفه على السيد النبهان والكلتاوية، فصار يتردد معه على الدروس، وقد منحه الله صوتًا حسنًا فيه من الخشوع ما فيه، لكن هذا الرجل كان صاحب حالٍ، وذات يومٍ وهو في مجلسٍ للسيد -رضي الله عنه- وهو يتكلم والناس سكوت مطرقون، وفجأةً يعتريه حالٌ غريب ويصرخ ويرتجف من شدة الحال الذي أصابه، وأهل الكلتاوية لم يعتادوا على مثل ذلك من الصياح، نظروا إلى ذلك الرجل في استغراب شديد، هنا تدخّل السيد -رضي الله عنه- حتى لا يُظنّ به السوء فقال ما معناه: أما أخوكم هذا فحاله صادق. والتفت إلى الرجل قائلًا: «يا ولدي! لا تجعل الحال يسيطر عليك، وخلّيك أقوى من الحال».

مرضه وانتقاله:

كان -رحمه الله- يشكو من الروماتيزم من أمد بعيد، ويأخذ العلاج تلو العلاج، وكان كل من يصف له علاجًا يأخذه ويستعمله أملًا في الشفاء.

وفي الآونة الأخيرة وصف له طبيب شعبي وصفة مكونة من عسل النحل وغذاء الملكة، وقد استعملها الشيخ محمود دعبول-رحمه الله- بحسب الوصف لكنه على العكس بدأ يشعر بإرهاق وتعب في جسمه ومفاصله أكثر من ذي قبل؛ حتى إن ابنه الكبير جرب هذا العلاج وأخذ منه ملعقة واحدة فقط إلا أنه لم يستطع النوم  تلك الليلة.

ومن ناحية أخرى كان الشيخ محمود -رحمه الله- يحب المجاورة في الحرمين الشريفين، وقد قضى السنوات الأخيرة من عمره ما بين عمرة أو حج، وكان في هذه الفترة يحاول استخراج الإقامة ليستقر في المدينة المنورة لكن الأمر لم يتيسر له ذلك مما سبب له حزنًا شديدًا، فزاد هذا من مرضه وأقعده في الفراش حتى وصل به الأمر إلى أنه لم يعد يستطع تحريك مفاصله ولم يعد يأكل، وأصابه مرض الكلى فازداد الأمر سوءًا؛ حيث إن الأطباء امتنعوا عن غسل الكلى لكبر سنه.

هذا وقد اجتمعت الأمراض والأسقام عليه مع حنينه وشدة شوقه إلى تلك الديار المقدسة، وعدم الوصول إليها بأي طريقة كانت، كل ذلك كان سببًا في تراجع صحته وتدهورها وجعله طريح الفراش إلى أن وافاه الأجل -رحمه الله- فانتقل إلى جوار ربه في آخر ليلة من شهر شعبان عام 1417هـ  / 1997م، ودفن في مقبرة الشيخ جاكير باب النيرب في حلب.

مصادر الترجمة:

*ابنه عبد الرزاق، مراسلة كتابية.

*الدكتور محمود الزين رحمه الله، مشافهةً.

 ملف مسموع:

كلمة للشيخ محمود الزين عن الشيخ محمود دعبول.

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 204).

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 27-2-2022م.