آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
تفسير سورة الضحى



مرات القراءة:3113    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

تفسير سورة الضحى

تأليف الشيخ الدكتور محمود أحمد الزين

هذه السورة نزلت في مناسبة تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال له بعض الكفار ما نرى شيطانك إلا ودعك ، يريدون بذلك إيذاءه صلى الله عليه وسلم من جهتين جهة إنكار الوحي إليه وجهة اتهامه بالكهانة .

ويروى أن السيدة خديجة قالت على سبيل الإشفاق والخوف كأن ربك قد قلاك - أي تركك - لما رأى من جزعك .

فاجتمع الهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين جهة المحبين وجهة المبغضين فوق خشيته صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك التأخير مجافاة من ربه عز وجل بسبب منه ، فجاءت السورة تبدد هذا الخوف والهم وتزرع مكانهما : الطمأنينة والسرور وبشرى للمحبين وكبتاً للمبغضين .

وهذه السورة تشبه من بعض الوجوه سورة الكوثر حيث تلتقيان في دفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تبشيره بالعطاء العظيم والمن عليه بذلك وتحثه على الشكر ، ثم تختلفان في التفصيل تفصيل البشائر وتفصيل دفع الهموم وتفصيل الشكر لله تعالى ، وتختلف معها في تقديم بعض المقاصد على بعض وفي الأساليب المؤدية للأغراض ويأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك بعد إيضاح الأغراض والأساليب .

بدأت السورة بالمقصود الأصلي وهو نفي الترك والقلى من الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبأسلوب صريح قوي حاسم لافت للانتباه : بدأت السورة بالقسم وكررته مرتين " والضحى والليل إذا سجى " وهو إطناب والمتكلم إنما يعمد إلى أسلوب القسم ليعطي الكلام قوة في التأكيد تنتزع من نفس المخاطب كل الاحتمالات والشبهات وتملؤها باليقين والطمأنينة بحسب ثقة المخاطب بالمتكلم في يمينه وثقته به في إمكان تحقيق ما حلف عليه ، وإذا كان الحالف هو الله تعالى والمخاطب هو رسوله وأعظم الخلق إيماناً به وبتحقيقه ما أقسم عليه فذلك أعظم ما يمكن وقوعه من إزالة خوف القطيعة و من إفعام النفس بالطمأنينة والسرور .

واختار الله سبحانه وتعالى أن يكون القسم بالضحى والليل إذا سجى أي غطى وسكن فيه كل شيء فالضحى وقت انتشار النور ملء الأرض والسماء حيث يزول كل خفاء دون أن يكون مع هذا النور حر الظهيرة المحرق ، فهذا الوقت يناسب الحالة التي يراد بها وضوح نفي القطيعة دون أذى ولا أوهام ولا هموم مظلمة .

" والليل إذا سجى " أي غطى وسكن وذا يناسب الغاية من هذا الخطاب وهي بث الطمأنينة والسكون في نفس المخاطب والله تعالى جعل الليل سكناً وجعل النوم فيه سباتاً يقطع المتاعب الظاهرة والباطنة ففي القسم بالضحى والليل إذا سجى تمام المناسبة مع الأمر الذي أقسم عليه ربنا عز وجل وهو : " ما ودعك ربك وما قلى " . 

وفي الجمع عند النفي بين التوديع وهو الترك الرفيق عن غير بغض وبين القلى وهو البغض نفي لكل وجوه الترك بغضاً أو غير بغض نفياً لما قالته السيدة خديجة المشفقة ولما قاله المشركون الجاحدون الساخرون .

وفي كون النفي واقعاً على فعلين وهما في تقدير النكرة مزيد من القوة لهذا المعنى كأنه قيل " ما كان من الله لك توديع ولا قلى " والنكرة في سياق النفي تفيد عموم نفي الجنس أي ما كان من هذين الأمرين شيء قليل ولا كثير . 

وفي التصريح بكاف الخطاب " ما ودعك " في الفعل المنفي تقوية أخرى للمقصود حيث يفيد توجيه الخطاب بنفي الأمر المخوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرف المعارف وهو الضمير الخاص به صلى الله عليه وسلم وفي هذا الخطاب إشعار بقربه صلى الله عليه وسلم من يخاطبه وهو ربه سبحانه وتعالى كما هو شأن المخاطبة التي يزول معها كل حجاب وكل بعد مهما كان . 

وقد ذكر هذا الضمير مع الفعل الأول " ما ودعك " دون الثاني وهو " ما قلى " إيجازاً  ومحافظة الفاصلة وإبعاداً لاسمه عن فعل " القلى " وهو الترك بغضاً حتى لا يتعكر جو الإيناس بأدنى معكر ولو كان شبهة لا حقيقة لها .

ومع أن السورة في مطلعها مبنية بناءً قوياً مما يستدعي أن يكون الفاعل مقدماً كأن يقال :" ربك ما ودعك " لكن جاء الفعل مقدماً لأنه هو المقصود الأهم في هذه المناسبة مناسبة تطييب قلب النبي صلى الله عليه وسلم من آثار خوف التوديع والقلى مع أن المخاطب صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا النفي لا يكون إلا من الله تعالى ، وقد جاء بعده التصريح بالفاعل " ربك " وأوثر فيه لفظ " الرب " على لفظ الجلالة لبيان أمرين ، أولهما : الإشارة إلى أن المربي لا يترك من يربيه لا توديعاً ولا قلى ، وثانيهما : الإشارة إلى أن تأخر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم هذه المدة من باب تنمية الشوق وزيادته في نفسه صلى الله عليه وسلم إلى الوحي الذي جعله الله صلة بين الأرض والسماء صلة هداية وإرشاد وتزكية ورفعة ، وإنما تأخر الوحي عنه لتخفيف ما شعر به صلى الله عليه وسلم من ثقل الوحي كما حدث له في السورة الأولى وكما جاء بيانه في قوله سبحانه وتعالى " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " وأضيف اسم الرب سبحانه وتعالى إلى ضمير خطاب النبي صلى الله عليه وسلم " ما ودعك ربك " لزيادة الإشعار بالخصوصية عند ربه عز وجل في هذا المقام مما يزيد جلاء معنى القرب ويدفع معنى التوديع والقلى .

 وكما أخر الفاعل عن الفعل أخر عن المفعول وهو ضمير خطابه صلى الله عليه وسلم " ما ودعك ربك " زيادة في تعجيل نفي التوديع والقلى عنه صلى الله عليه وسلم فالمقام يجعل الحاجة إلى تعجيل ذكر المفعول أكثر وأنسب للمقصود حتى وصل الأمر إلى تأخير ذكر الفاعل " ربك " ، وقد كان ممكناً أن يذكر بدل " ما ودعك ربك وما قلى " فعل واحد يتضمن معناهما فيقال مثلاً  " ما تركك ربك " وهو أوجز ولكن المقام مقام إزالة الوحشة والخشية يقتضي العدول عن الإيجاز إلى الإطناب بالتفصيل فهو أقوى تأثيراً من الإيجاز وهو أنسب للواقع حيث إن من حوله صلى الله عليه وسلم كانوا فريقين فريقاً مشفقاً يخشى الترك ولو برفق دون بغض وهو السيدة خديجة ، وفريقاً حانقاً مستهزئاً مبغضاً يتمنى زوال الوحي ويسميه شيطاناً فكان التصريح بهذا التفصيل أنسب للواقع وأدعى لنفي كل وجوه الترك بطريق تفصيلي .

ولتقوية هذا المعنى عطفت الجملتان بالواو دلالة على أن كلاً منهما قضية مستقلة مقصودة قصداً خاصاً ذاتياً فلو قيل " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك ما قلى " لفات هذا المقصود ولظن السامع أن أحدهما هو الآخر ، وهذا الذي تقدم كله كان معالجة مباشرة للقضية الأساسية في المناسبة وهي " خشية التوديع والقلى " وتأتي بعده أمور أخرى لها معانيها المستقلة ولها  أثرها الكبير على هذا المقصود الأصلي كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . 

وقد اختلف الأسلوب تقديماً للمقصود الأصلي وتأخيراً له بين سورة الكوثر وسورة الضحى كما اختلف صراحة وخفاءً ، فبينما كان المقصود الأصلي في سورة الكوثر - وهو نفي البتر عنه صلى الله عليه وسلم - غير مذكور صراحة بل مدلولاً عليه بطريق حصر البتر في شانئه صلى الله عليه وسلم ، كان نفي التوديع والقلى في سورة الضحى صريحاً كل الصراحة مؤكداً بوجوه من التأكيد كثيرة : اليمين المكررة وعموم النفي وتفصيل المنفي إلى آخر ما تقدم ذكره .

وسبب ذلك والله تعالى أعلم هو أن ما أراد المشركون تعييره به صلى الله عليه وسلم من خلو ذريته من الأولاد الذكور وهو ما يؤدي في نظرهم إلى انقطاع ذكره وبتره بعد الموت .

واقع صورة وإن انتفى حقيقة ببقاء ذكره وارتفاعه في الدنيا والآخرة فكان الأبلغ الأنسب للمقام في سورة الكوثر أن ينسب البتر إلى شانئه صراحة وينتفي عنه صلى الله عليه وسلم إشارة لكي يكون البتر بعيداً عنه لفظاً كما هو بعيد عنه حقيقة وان يؤتى بنفيه الضمني بعد البشارة الكبرى وإدخال السرور بها على النفس وبعد إثبات البتر على شانئه صلى الله عليه وسلم عقوبة وتوبيخاً وتحقيراً . 

بينما كان الذي ذكره المشركون بمناسبة سورة الضحى وهو القلى والذي ذكره المحبون وهو خشية التوديع أمراً لا وجود له في الواقع لكن قد وجد أثره المحزن في نفسه صلى الله عليه وسلم فكان أجدر بالنفي الصريح الحاسم المؤكد والله تعالى أعلم .  وقد تحقق بهذه الألفاظ التسعة الوفاء بحق المناسبة مع ما فيها من الإطناب من بعض الوجوه - فيا عجباً لهذا الإيجاز الذي ذلك المعني الكبير في ألفاظ يسيرة  .

وربما وقع في النفوس حين تسمع أنه تحقق بالكلام السابق الوفاء بحق المعنى الأصلي للمناسبة شيء من التساؤل يقول : إذا كان حق المناسبة قد تحقق على وجه في غاية البلاغة بما تقدم من الكلمات التسع فلماذا جاءت بقية السورة ومقدارها أكثر مما تقدم أضافاً ؟  الجواب عن ذلك هو أن ما يأتي معان زائدة على أصل المقصود في المناسبة ولكنها ذات أثر كبير في تقويته و ترسيخه وكل واحد منها يفيد ما لا يفيد غيره في طمأنة قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم  .

وأول ذلك البشارة بالخبر المذكور في قوله سبحانه وتعالى " وللآخرة خير لك من الأولى " فائدته الخاصة هذا التبشير ولكنه يفيد ما يقوي غرض السورة الأصلي بطمأنة قلب النبي صلى الله عليه وسلم على مستقبله في علاقته مع الله سبحانه وتعالى فهذا الذي كان يخشاه من الترك صرحت الآيتان الأوليان بنفي حصوله فيما مضى حين تأخر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم وهذا النص على ما مضى ضروري لبيان الحال عند التأخر وجاءت هذه الآية متضمنة أنه لن يكون مدى الحياة الدنيا ولن يكون في الآخرة وذلك لأمرين أولهما أن الوعد بالإحسان في المستقبل يعني استمرار الرضا وثانيهما أنه بدون ذلك لا تكون الآخرة خيراً له من الدنيا أي لو تركه ربه لم تكن الآخرة خيراً له من الدنيا وهذا الوعد مؤكد باللام في " وللآخرة " ومؤكد بالعطف على جملتي المقسم عليه " ما ودعك ربك وما قلى " كما أنه مؤكد بقوله " لك " لأن الآخرة نفسها خير من الدنيا وزيادة " لك " أفادت خصوصية له في ذلك صلى الله عليه وسلم فخوطب به تكريماً .

 والتعبير بالجملة الاسمية " وللآخرة خير ..... " يعني أن هذا الأمر مطلق عن الزمان بمعنى أنه لم يحدث في هذه المناسبة بل هو قائم فيما مضى وفيما يأتي وفيما هو كائن بخلاف ما لو كان التعبير بالفعل الماضي أو المضارع " كانت الآخرة خيراً لك من الأولى " أو " جعلت الآخرة خيراً لك " أو " ستكون الآخرة خيراً لك " إذ الماضي يثبت حصول ذلك في الماضي ويسكت عن المستقبل ، والمضارع يثبت الحصول في المستقبل دون الماضي والجملة الاسمية تثبته مطلقاً عن الزمان .   وكان يمكن حذف المفضل عليه وهو " من الأولى " فإذا قيل " وللآخرة خير لك " فهم المقصود ولكنه تكون فائدة أقل إذ يكون المعنى وللآخرة خير لك من ذلك وهو عدم التوديع والقلى ، وبذلك التصريح صار المعنى سيعطيك الخير في الدارين وهو في الآخرة أكثر .

وقوله سبحانه وتعالى " ولسوف يعطيك ربك فترضى " هو بشارة أخرى لتأكيد استمرار الفضل الإلهي في المستقبل عليه صلى الله عليه وسلم وقدم فيه المفعول على الفاعل تعجيلاً للإيناس بالخطاب مع وقوع فعل العطاء عليه وجي بالفاعل بلفظ الرب لإفادة أن العطاء مراد به الخير له صلى الله عليه وسلم لأن المربي لا يعطي إلا إذا كان العطاء خيراً لمن يعطه ، وأضيف إلى ضمير الخطاب لزيادة الإشعار بالقرب وزيادة الإيناس به .

وحذف مفعول " يعطي " الثاني أي لم يقل يعطيك كذا أو كذا لإفادة عموم العطاء أنواعاً ومقداراً كأنه قيل " يعطيك ن كل شيء يرضيك " وإنما أضفت كلمة يرضيك من كلمة فترضى الدالة على أن العطية مما يحبه فهو يرضى عنها ، وفي قوله " فترضى " كناية عن أن هذا العطاء سيكون في غاية الكثرة وغاية الفضل بحيث إنه لا تتطلب نفسه بعد ذلك شيئاً ، وفي الآية حذف مفعول " ترضى " اكتفاءً بدلالة ما قبله عليه أي ترضى ما يعطيك وصيغة الاستقبال تفيد الاستمرار بالعطاء المرضي له صلى الله عليه وسلم .

وجاء القسم الثاني من السورة وهو التذكير بماضي النعم عليه صلى الله عليه وسلم واثر ذلك هو إقامة البرهان على الإحسان الجديد في المستقبل كأنه يقول : أنعمت عليك فيما مضى فإني لا أغير سنتي معك بل هو عطاء دائم حتى تلقى الله .

لذلك جاء ذكر ما مضى بطريق الاستفهام التقريري " ألم يجدك يتيماً فآوى " وهذا الاستفهام يستعمل فيما يعلم أن المسؤول مقر به وبه يكون الإثبات أقوى كأنه قيل إنك تعلم أن ربك - وجدك يتيماً فآواك فعنايته بك وإيثاره لك وإحسانه إليك قديم منذ طفولتك ومن اعتنى بك منذ طفولتك وآثرك وأحسن إليك لا يمكن أن يقليك ولا يدعك ، ولفظ " اليتيم " جامع لوجوه الضعف والاحتياج ولذا جاء بعده لفظ " الإيواء " وهو جامع لوجوه الكفاية كأنه يقول اعتنى بك ورعاك وأنت أحوج ما تكون إلى ذلك ولا قدرة لك على شيء ودون أن تسأله ولا تعرف أن تسأله ، والتعبير بلفظ الوجود " ألم يجدك " يدل على أتم التحقق بهذه الصفة بخلاف لفظ العلم والرؤية ، وإسناد الإيواء إلى ضمير الرب سبحانه وتعالى دون ذكر الذين فعلوه ظاهراً أي : جده وعمه بيان لكون إيوائهما له صلى الله عليه وسلم كان بتدبير الله سبحانه وتعالى ودفع قلوبهما إليه ولولا ذلك لما فعلا ، وذلك يظهر عظم فضل الله تعالى عليه وعظم عنايته به ويؤكد أنه لا يمكن أن يكون منه توديع له ولا قلى ، وحذف ضمير الخطاب من الفعل الثاني " آوى " لدلالة الأول عليه " ألم يجدك " وللحفاظ على تناسب " آوى " مع ما تقدم من الألفاظ المختومة بالألف وليكون في اتحاد الجرس بهذا السجع استدعاء للانتباه ولإقبال النفس والعرب تحذف من الألفاظ ما علم بدون ذكره إلا يكون لذكره غرض آخر غير العلم به .

وقد عطفت جملة " آوى " على جملة " ألم يجدك " بالفاء وهي تدل على أن الثاني حصل بعد الأول مباشرة بلا مهلة وفي ذلك بيان كمال العناية به صلى الله عليه وسلم كأن ربه يقول له " ما تركك بلا إيواء لحظة واحدة .

وقوله سبحانه وتعالى " ووجدك ضالاً فهدى " تذكير بنعمة أخرى في مرحلة ما بعد الطفولة عند بداية سن الرجولة حين يحتاج الإنسان إلى معرفة طريق الرشاد ولا يجد أمامه من الناس من يرشده فالضلال هنا لا بمعنى الوقوع فيما لا يرضي الله ولا بمعنى الوقوع فيما كان عليه قومه من الشرك فذلك غير ممكن منه صلى الله عليه وسلم بعد ما شق صدره الشريف في الطفولة ونزع منه حظ الشيطان وملئ قلبه إيماناً وحكمة وإنما بمعنى الضلال عدم معرفة الأعمال التي تطلب منه لعدم وجود الوحي حينئذ فألهمه الله ذلك .

وهذا هو المناسب لتفسير الهدى إذا قلنا إنه قبل الوحي فإن كان مراداً بالهدى الوحي كان المعنى هداك بالوحي فعلمت ما ينبغي لك من تفصيل أمور الإيمان والعمل بطاعته ، ويمكن الجمع بين المعنيين على أن الهدى كان في سن الشباب بالإلهام ثم كان بعد ذلك بالوحي والله أعلم ، وقد حذف ضمير المخاطب من هدى والأصل " هداك " لما تقدم في الفعل السابق " أوى " ، والعطف على الجملة السابقة ليكون الاستفهام التقريري داخلاً على الجملتين كأنه قيل له ثانية إنك تعلم أنه وجدك ضالاً فهداك فيكون مضمون الثانية أيضاً دليلاً على كمال عناية ربه به صلى الله عليه وسلم وعلى أنه لا يمكن أن يودعه أو يقلوه .

وقوله سبحانه وتعالى : " ووجدك عائلاً فأغنى " تذكير بنعمة أخرى وبرهان أخر على العناية المتواصلة به صلى الله عليه وسلم مما يدل على أنه لا يمكن أن يودعه ربه ولا يقلوه والعائل الفقير والغني من لا يحتاج إلى غيره وهو في العرف من كان ذا مال كثير وأغناك جعلك غنياً وقد كان صلى الله عليه وسلم أول فتوته وشبابه يرعى الأغنام لقومه على أجر يسير ثم عمل بالتجارة مدة ثم تزوج أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها قدمت إليه أموالها وتنازلت له عنها وبذلك تمكن بعد النبوة من التفرغ للدعوة إلى الله تعالى ، وقد أسند الله تعالى فعل الإغناء إلى نفسه دون ذكر البشر والأسباب إظهاراً لمنته تعالى عليه لأن ذلك - مع كونه هو الحقيقة - يناسب أن يكون ذلك برهاناً على كمال عنايته به وعلى أن هذه العناية تعني أنه لا يمكن أن يودعه أو يقلوه ، وفي حذف مفعول " أغنى " مثل ما تقدم في الفعلين السابقين من الفائدة ، وبهذه الجمل الثلاث كمل ظهور ما سبق من الامتنان مع ما فيه من تمام البرهان على انتفاء التوديع والقلى في الماضي والحاضر والمستقبل وكل الأزمان .

وهذا القسم من أول " ألم يجدك " إلى : " فأغنى " لا نجد ما يقابله في سورة الكوثر لأن سورة الكوثر لم يكن فيها خوف النبي صلى الله عليه وسلم من القطيعة فالعطاء فيها وهبي لا سبب له ولا يراد به إثبات تقدم العناية وإنما هو نفسه مذكور على سبيل الإكرام قبل الدفاع وهو في نفسه ومضمونه برهان على أنه ليس بأبتر صلى الله عليه وسلم .

ثم جاء القسم الثالث من هذه السورة وهو طلب الشكر على النعم الثلاث كل واحدة بما يناسبها : شكر الإيواء عند اليتم بعدم قهر اليتيم وشكر الهداية بعدم نهر السائل عن الهدى وشكر الإغناء بالتحديث عن فضل الله تعالى فيه .

" فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث " هذا القسم من سورة الضحى يقابل من سورة الكوثر الآية الثانية " فصل لربك وانحر " جاء هناك وسط السورة وجاء هنا في آخرها لأن حق الشكر أن يأتي الأمر به بعد ذكر النعمة فذكر هناك بعد إعطاء الكوثر ثم جاء بعده عقوبة الخصم المؤذي أما هنا فكل ما ذكر من قبل في السورة هو النعم : منها نعم موهوبة أول السورة " ما ودعك ربك وما قلى " وهي استمرار لما مضى ومنها نعم موعودة " وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى " ومنها نعم سابقة تذكر على سبيل بيان قدم العناية به صلى الله عليه وسلم " ألم يجدك يتيماً فأوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى "  فالرعاية والعناية والمودة الإلهة تحوطه صلى الله عليه وسلم في كل زمان ، وقد ناسبت حكمة الله بين الجمل الأولى الثلاث في المعنى بأنها نعم يؤكد بعضها بعضاً والجميع يؤدي معنى دوام العناية وناسبت بينها لفظاً فهي مسجوعة كلها بحرف الألف والسجع يزيد الكلام ترابطاً إذ كلما تكرر الحرف الموحد ذكر سامعيه بما قبله ويزيد الكلام حسن الموقع في النفس بوحدة النعمة .

وإذا كان ما مضى من أول السورة كله نعم كان ذلك مقتضياً تأخير الأمر بالشكر ، كما جاء في سورة الضحى لا كما جاء في سورة الكوثر ، ولكل مقام مقال .

وكذلك جاء الأمر بالشكر هنا مختلفاً عن سورة الكوثر فبينما جاء هناك موجزاً في ثلاث كلمات " فصل لربك وانحر " جاء هنا مفصلاً في ثلاث جمل وكل واحدة منهن  مصدرة بأداة التفصيل فهذه الزيادة في وجوه الشكر وتأكيدها تناسب تعدد النعم وتنوعها ودوامها  .

وصدر طلب الشكر بالفاء الدالة على الترتيب لبيان أن تلك النعم تستوجب هذا الشكر وجاءت الأوامر الثلاثة مصدرة بأداة التفصيل " أما " لبيان الأهمية والعناية بكل منها على انفراد وتخصيص ، ثم أكد ذلك الطلب أكثر بتقديم المفعولات في الجمل الثلاث أيضاً " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث " ، وجاء لفظ اليتيم ولفظ السائل معرفين بالألف واللام وذلك يعني عموم كل يتيم وسائل وإن كان اللفظ مفرداً كالعموم في قوله تعالى : " إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا " ، وكذلك الإضافة في قوله " نعمة ربك " دالة على عموم كل نعمة من ربه سبحانه وتعالى فكل ذلك حقه أن يشكر .

ويلاحظ أن الأمر بالشكر في المواضع الثلاثة ليس بأداء عبادة لله تعالى من صلاة وصوم وصدقة ونحوها ، وإنما هو نهي عن إيذاء اليتيم بالقهر والسائل بالنهر وعن تضييع حق المنعم بكتمان ذكر النعمة .

وهذه الثلاثة هي أقل ما يمكن من شكر النعم الثلاث التي تقابلها فيما سبق من ذكر عناية الله تعالى بحبيبه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل سبحانه وتعالى ( أكرم اليتيم وأحسن إلى السائل ) مع أنه مفهوم من الكلام باعتبار أن النهي عن الفعل أمر بضده ، وسبب ذلك والله أعلم هو توجيه العناية إلى ما هو أهم لليتيم والسائل وهو دفع الأذى عنه .

وجاءت الجملة الأخيرة تصرح بطلب التحدث بالنعمة صراحة لا بطريق الاستنتاج من النهي بل على العكس يفهم منها النهي عن الكتمان استنتاجاً ، وسبب ذلك والله تعالى أعلم هو أن الإنعام عليه صلى الله عليه وسلم - وإن كان يشمل النعم كلها - فأهم ما كان من الإنعام هو إنزال القرآن عليه صلى الله عليه وسلم المنقذ من الحيرة وهو النعمة المتجددة بعد تأخر مجيء الوحي وهو المقصود الأعظم والتحديث بذلك هو أهم مهمات حياته صلى الله عليه وسلم .

وقد جاءت الآيتان المشتملتان على النهي مسجوعتين بحرف الراء وهو من حروف الجهر وذلك أنسب لأساليب التنبيه التي جاءت في هذه الآيات الأخيرة ، وخصت جملة الختام " وأما بنعمة ربك فحدث " بحرف مختلف تمييزاً لشكر هذه النعمة عما ذكر معها بمزيد الاهتمام وتأكيداً على التحدث بنعمة الله تعالى وما يصاحبه من خشوع لا رياء فيه ولا سمعة  .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وورثته أجمعين .