آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
من أسرار البيان في مطلع سورة الإسراء



مرات القراءة:3980    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

من أسرار البيان

في

مطلع سورة الإسراء

بقلم

الدكتور محمود أحمد الزين

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وورثته ومن والاه وبعد فإن الحديث عن بلاغة الآيات القرآنية يتطلب النظر في مناسبة نزول الآية وما تستدعيه من معنى يعطي هذه المناسبة حقها مكوناً من جمل وكلمات لكل منها معناها ثم يتضافر كل ذلك في نسيج واحد يكسو المناسبة حلة تامة تروق الناظر وتأخذ بمكامن الإعجاب من نفسه ثم تبث معانيها ومقاصدها في القلب وهذا هو معنى أن البلاغة مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال أي : أن يوفي الكلام المناسبة حقها تاماً بحيث لا يبقى عند السامع تطلب للمزيد .

أما الحديث عن كلمة هنا وكلمة هناك وجملة هنا وأخرى هناك فيبقي خصائص التعبير في الآية كقطع من قماش متفرق أو متراكم على بعضه لا يكسو ولا يزين ، وحين يتناول البيان آية ينبغي أن يتناولها بذلك الشمول حتى تظهر له بلاغتها .

ومناسبة مطلع سورة الإسراء هي أن الناس استغربت أكثريتهم الكبرى وقوعه لكونه خارجاً عن المعتاد مما ألفوه في الطبيعة واستنكره المشركون غاية الاستنكار بل استنكره ضعاف الإيمان فارتدوا عن الإسلام كما روى ابن إسحاق في السيرة النبوية.

وسعى جماعة من المشركين إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بغية أن يوافقهم على إنكارهم فكان موقفه تصديقاً كاملاً كما كان كذلك سائر المؤمنين أي التصديق المبني على أمرين : قدرة الله على هذا الأمر ، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به : وصدقه معلوم عندهم يقيناً ولذا قال لهؤلاء المشركين الذين أتوه : (إني أصدقه على أكبر من ذلك خبر السماء يأتيه بين ساعة وساعة ) مع جدارته صلى الله عليه وسلم بهذا التكريم من الله تعالى .

وجاءت الآية بهذا المعنى مكملاً بمعاني أخرى ولكن بأسلوب القرآن المعجز.

تبدأ السورة في الكلام لا بذكر الدعوى وإقامة البرهان عليها كما لو قيل : " لقد أسرى الله بنبيه صلى الله عليه وسلم إذ هو قادر على ذلك عالم بأهلية نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا التكريم " .

لم تقل الآية هذا القول لأن كلاً من القضيتين معلومة عند المخاطبين حتى الكفار ولكنهم غافلون عما يعلمون وهو أن الله على كل شيء قدير { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله } ويعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق صدقاً لا يرتاب فيه من يعرفه ، وهو أهل لهذا التكريم فهو " أرضاهم فيهم " " وما جربوا عليه كذباً قط " وشهادتهم له بذلك مشهورة ولأن هذين الأمرين معلومان عندهم جاءت الآية تعجيباً من موقفهم المتناقض وتنزيهاً لله عن العجز الذي نسبوه ضمنياً إلى الله الذي أسرى بعبده بين المسجدين المعظمين في هذا الوقت القصير الخارج عما ألفوه : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } وكلمة سبحان تسبيح وهو في أصله تنزيه عن النقص ، وقد يراد به التعظيم والإجلال لفاعله على عمل ذكر معه إكباراً لشأن هذا العمل فالمنزه عن النقص عظيم معظم ، وقد حذف فعل التسبيح وفاعله اختصاراً لشهرته .

فقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده } تعظيم لله تعالى وتعظيم لفعله وهو الإسراء لأنه لا يعسر عليه أي عمل وتعظيم لمن أسري به ؛ لأنه موضع هذا الفعل العظيم ، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بصفة العبدية لله تعالى - بدل الرسول مثلاً أو الاسم العلم له صلى الله عليه وسلم - بيان لكون العبدية هي سبب تكريم الله تعالى له صلى الله عليه وسلم وإلا { فكل من في السموات والأرض آت الرحمن عبداً } فلا بد أن كونها سبب التكريم يعني أنه صلى الله عليه وسلم المتحقق الأكمل بمعناها ، وإضافته إلى الضمير العائد إلى اسمه تعالى زيادة في بيان هذا المعنى وفي بيان تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالقرب من الله تعالى وإلا فالجميع عبيده سبحانه ، ولم يقل أسراه - مع أنه يصح لغة - وذلك للدلالة على عنايته سبحانه به وتقريبه كأنه قيل أسرى الله مصطحباً عبده وإن كان ذلك غير حسي .

وكان يمكن أن يعبر باسم الفاعل فيقال مثلاً " سبحان المسري بعبده " ولكن جاء التعبير بالاسم الموصول ليمكن التعبير بالفعل الماضي فيفيد أمرين أولهما تأكيد أنه وقع وحصل وتم ، وذلك رد على المنكرين وقوع هذا الإسراء لكن لا على طريقة الجدل بل على طريقة دمج الدعوى ببرهانها كقوله سبحانه : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } ، وهذا التأكيد على الوقوع يقوي جانب التكريم ويقوي تعظيم الفعل وتعظيم من أسرى الله تعالى به ، والتعبير بالمشتق الاسمي نحو : "سبحان المسري بعبده " لا يصرح بذلك لأنه يحتمل أن يكون المعنى أنه قادر على ذلك وإن لم يوقعه ، والوقوع أقوى إيجاباً للتعظيم ، ثم إن الفعل فيه بيان حركة الحصول وليس ذلك في الاسم المشتق .

ولفظ الإسراء يدل على وقوع الانتقال بين المسجدين ليلاً بخلاف السير ، فكان الأصل ألا يذكر لفظ الليل ولكن جيء به تنبيهاً على ما يفيده إفراد الليل فهذا الفعل المحتاج لزمن طويل حصل في ليل واحد لا أكثر فكأنه قال "أسري به في ليل واحد تنبيهاً على المعجزة " .

ولفظ الإسراء - دون لفظ النقل والحمل ونحوهما - فيه تأكيد على جانب حركة السير شيئاً فشيئاً في الطريق وأنه ليس مجرد نقلة واحدة بحكم القدرة الإلهية بل فيه إشعار بالمرور على ما في الطريق وذلك لما كان في الطريق من أنواع العبر والآيات التي شاهدها صلى الله عليه وسلم .

ثم التصريح بالمكانين " من المسجد الحرام " " إلى المسجد الأقصى " تنبيه على تباعد المكانين واحتياج قطع هذه المسافة إلى ليال كثيرة معلومة عندهم شهراً ذهاباً وشهراً إياباً وذلك تأكيد ثانٍ أن ذلك حصل بمعجزة  ، وفيه أمر آخر وهو كرامة المكانين على الله تعالى بكونهما مسجدين وكون الأول حراماً والثاني معروفاً بتوالي الأنبياء عليه وحلول البركات حوله فهي رحلة مقدسة، ولذا جاء حرف البدء " من " وحرف الانتهاء " إلى " تثبيتاً لهذا المعنى ؛ ثم إن كون الرحلة ذهاباً وإياباً كان يقتضي ذكر الإياب فلم يذكر وذلك لأمرين أحدهما : أن الآيات التي رآها صلى الله عليه وسلم كان معظمها في طريقه إلى المسجد الأقصى وما بعده ، والأمر الثاني : أن الحال أغنت عنه ؛ لأن القوم كانوا قد أنكروا ذهابه فهم عالمون بكونه بينهم بعد الرحلة فلا داعي لذكره؛ لأنه مفهوم للسامع من السياق والحذف إيجاز توجيه البلاغة إذا فهم المعنى بدون ذكر المحذوف .

ووصف المسجد الأقصى بأنه أقصى تأكيد لمعنى البعد يترتب عليه تأكيد المعجزة ، ووصفه بأنه بورك حوله زيادة في تعظيم الرحلة ، ولم يوصف المسجد الحرام بذلك مع أن البركة فيه أكبر لاستغناء المخاطبين عن ذلك بشهرته بينهم إذ هم أهله .

والتعبير عن ذلك بصيغة الماضي فيه فائدة الدلالة على قدم حصول هذه البركة ، والتصريح بفاعل ذلك وهو الله تعالى : " باركنا " بدل بناء الفعل للمجهول يدل على عظمة هذه المباركة ، وكذا التعبير عن حضرة الله تعالى : بضمير المتكلم المعظم نفسه فيه  تعظيم لهذه المباركة لأن تفضل العظيم يكون عظيماً ولم يقل سبحانه باركناه مع أنه أخصر وذلك لإفادة عموم البركة له ولما حوله .

وفي الآية التفات من استعمال الاسم الظاهر الموصول إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه إذ الأصل أن يقال : الذي بارك حوله أو بارك الله حوله ولهذا الالتفات فائدتان أولاهما : الفائدة العامة في كل التفات وهي إثارة انتباه المخاطب إلى الفعل الحاصل وفاعله والثانية : هي ما تقدم من كون ضمير المتكلم المعظم نفسه يعني تبين عظمة هذا التفضل بالمباركة لأن فضل العظيم عظيم .

ومهد ذلك الالتفات لإسناد الفعل " لنريه " إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه ، وذلك ضروري لأن الفعل الآتي هو الغاية من هذه الرحلة المباركة كما هو ظاهر من قوله تعالى : " لنريه من آياتنا " وهو جدير بغاية التعظيم ، وصرح في هذا الفعل بلام التعليل - وهي أقوى أدواته - للتأكيد على المقصود من هذه الرحلة العظيمة وهي " رؤية بعض آيات الله " ، وآيات الله كثيرة تملأ الكون فيكون التصريح بأن هذه الرحلة العظيمة مقصود بها رؤية آيات الله يفهم منه أنها آيات عظيمة ولذا أضيفت إلى ضمير المعظم نفسه ، وهي آيات خاصة بهذا الموضع المبارك المشتمل على آثار الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأمتهم المفضلة على العالمين وقد كان لهم في هذا الموضع المبارك أحداث عظام مليئة بالنعم وتاريخ مليء بالعبر وهذه الرحلة وصل بين التاريخين القائمين على هداية الله لدى الأمتين من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذرية إسماعيل وذرية إسحاق عليهما السلام ، واختير فعل الرؤية من بين ما يقاربه في المعنى - كالمشاهدة والتبصير والإعلام والتعريف - لتميزه من بينها جميعاً بالدلالة على جانبين المشاهدة والعلم فهي رؤية مراد بها العلم الذي يقع تحت إدراك حاسة العين وإدراك العقل ، وأسند الفعل إلى الله تعالى فلم يقل " ليَرى " مثلاً تأكيداً على معنى المعجزة و تنبيهاً على أن ما رآه من الآيات لا تستطيعه الرؤية الإنسانية المعتادة بل لا بد من أن يريه الله تعالى ما رأى ، وفي ذلك بيان لعظم ما رآه صلى الله عليه وسلم ؛ ولذلك جاء الفعل مسنداً إلى المتكلم المعظم نفسه وصرح فيه بضمير النبي صلى الله عليه وسلم مفعولاً ليناسب أنه لم ير ما رآه بنفسه بل بإقدار الله تعالى إياه على تلك الرؤية .

وعبر عما رآه صلى الله عليه وسلم بلفظ " آياتنا " دون أن يقال مثلاً "مخلوقاتنا أو عجائبنا " أو نحو ذلك لأن الآية علامة ذات دلالة أي رأى من مخلوقات الله عجائب بينة الدلالة على الله تعالى وقدرته وفضله وإنعامه وإكرامه ، وأضيف لفظ الآيات إلى اسم الله - معبراً عن اسمه بضمير المتكلم المعظم لنفسه- زيادة إظهاراً لجلالة قدر هذه الآيات ، واختير لها لفظ الجمع للدلالة على تنوعها وتعددها ، وجاء جمعاً مؤنثاً وهو من جموع القلة ليفيد أن هذا الذي رآه كله مع عظمه وجلاله إنما هو بعض آيات الله ووراءه شيء كثير يجل عن الإحصاء ودخلت عليه " من " الدالة على الجزئية زيادة في توضيح هذا المعنى قبل ذكر الآيات .

وختم الله سبحانه هذه الآية بقوله : " إنه هو السميع البصير " بياناً لاستحقاق حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا التكريم أي أسري به لعلمه بأهليته لذلك علماً مسموعاً مبصراً علمه بما سمع من كلامه الظاهر والباطن صلى الله عليه وسلم مما يشعر بكمال عبديته وبما أبصر سبحانه من أحواله الظاهرة والخفية صلى الله عليه وسلم مما يشعر بكمال عبديته التي أهلته لهذا المقام العظيم .

ولأن هذا الإسراء بما اشتمل عليه من الآيات العظيمة والتكريم المميز قائم على علم الله بتلك الأهلية أكد سبحانه الخبر عن اتصافه بالسمع والبصر عدة تأكيدات ترسيخاً لمعنى الأهلية ولعظم الآيات التي كانت قد رؤيت في تلك الرحلة المباركة فلم يقل سبحانه فهو سميع بصير بل عبر بإن المؤكدة للخبر وعرف اسمها وخبرها والمعطوف عليه لبيان كمال الصفتين وما علم بهما من الأهلية وجعل بينهما ضمير الفصل " هو " لتقوية معنى التخصيص في الخبر كأنه لا سميع ولا بصير سواه فكل سميع وبصير سواه هو بمنزلة غير الموجود بالنسبة له أي فيه من الأهلية ما تكاثرت أنواعه وسمت كمالاته فهو لذلك لا يسمعه ولا يبصره إلا ربه الذي وسع سمعه وبصره كل شيء ، وجعلت جملة { إنه هو السميع البصير } مفصولة عما قبلها غير موصولة بالواو أو غيرها من أدوات العطف لتكون بياناً لسبب الإسراء فهي دالة على التعليل بواسطة الاستئناف - دون أداة خاصة من أدواته - لكن اعتماداً على قوة الدلالة بواسطة الاستئناف البياني الذي يعني تقدير سؤال كأنه قيل : " لم أسرى بعبده " فأجيب لأنه السميع البصير بما يؤهل عبده لهذا التكريم وبفائدة هذا الإسراء وثمراته وآثاره .

وفي الآية التفات بالعود إلى التعبير عن اسم الله تعالى بصيغة الغياب ليلتقي البدء والختام على صبغة واحدة تكسو الكلام زيادة في التلاؤم والانسجام مع ما في أسلوب الالتفات من تنبيه عام وتنبيه خاص إلى علاقة صفتي السمع والبصر بما مضى من الكلام .

وبتأمل هذه الآية ومكونات الصورة التامة للمعنى مقارناً ذلك بالمناسبة التي نزلت فيها تظهر إقامة الحجة على منكري الإسراء والمستغربين له ببرهان العقل ومقتضيات الحكمة والتفضل والتكريم وقد جمعت هذه المعاني كلها بألفاظ معدودة وما طوي في نظم هذه الآية من المعاني ما يفوق ذلك لو أمكنت رؤيته وبيانه .

فصار المعنى المفهوم من الآية وأساليبها هكذا :

( لقد تنزه عما تتوهمونه من العجز - وهو القادر على كل شيء - من أسرى مصطحباً عبده الأكمل محمداً صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة من المسجد الحرام الذي تعرفون عظم فضيلته عند الله إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله الله العظيم بركة عظيمة مع بعد ما بينهما من المسافة ليريه ربه العظيم بعض الأمور الدالة دلالة بينة لا ريب فيها على كمال حكمته وكمال تدبيره في كل ما يفعل رؤية لا يمكن أن تقع لولا أن الله شاء أن يريها لحبيبه صلى الله عليه وسلم لما علم فيه من الأهلية للإكرام بها ومن الفائدة من هذه الرؤية وآثارها فهو العليم الذي لا تخفى عليه خافية قد سمع سبحانه وأبصر ذلك إذ هو السميع الذي لا يداني سمعه أحد البصير الذي لا يداني بصره أحد )

ولقد أفادت الآيات هذه المعاني وأكثر منها لكن مع كمال البلاغة وإيجاز الكلام فسبحان من أعجزت بلاغة كلامه البلغاء حتى قالوا : " والله ما يشبه هذا شيء من كلام الإنس والجن "

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .