آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   خواطـــــــر
غربة بين الأهل



مرات القراءة:2015    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

غربة بين الأهل

 

بقلم  الشيخ بهاء الدين بادنجكي *

               

      

يعيش طالب العلم اليوم غربةً قاتلةً ، ويعاني وحدةً في الفكر والمفاهيم والمقاييس لا يشاركه فيها أحدٌ ، وإن كان في مجتمعِ أهلِه وأسرتِه .

 

غربةٌ يشعر بها أولَ ما يشعرُ في أول إجازةٍ يخرج بها من المدرسة الحبيبةِ على قلبِه ، والتي ملكتْ عليه حِسَّهُ ووجدانهُ وقلبَهُ بمنظومةِ القِيَمِ التي تلقاها وغُذّي بها ، فإذا ابتعد خطواتٍ قليلةٍ شعر بالفارقِ والبَون البعيدِ بين المدرسة والواقعِ الذي فوجئ به ،  وأسلوب الحياة الذي درج عليه أكثر الناس ، فصلاةُ الفجرِ وحضورُ جماعةِ المسجدِ واعتمارُ العِمامةِ في كل أحوالِه ونظافةُ سمعِه وبصرِه وطيبةُ أخلاقِ أصدقائهِ ،كلُّ هذهِ أمورٌ لم يتوقعِ الحرمانَ منها خارجَ المدرسةِ  ولكنْ ...

 

مهلاً فربّما يهون الأمرُ بانقضاء أيام الإجازة ، وعودته إلى بيئته وعُشه الذي درج فيه وعشقه ، ولكن ...

 

تصوروا معي حجم التحدي الذي يكابده بعد مُضِي بضعةِ أسابيعَ من نشوة التخرج وسعادته .

 

فهاهو اليوم ...... بعد أن أنفق ست سنوات من أجمل سني عمره في تكوين شخصيتِه الإسلاميةِ ومفاهيمه العظمى بما فيها من أحوالِ وسيرةِ قادةِ الأمةِ وبناةِ أمجادها وبما حفظه من أخلاق السيد العظيم رضي الله عنه  ، هاهو اليومَ يخرجُ إلى الحياة في مجتمعٍٍ غيرِ عابئ بالمُثُلِ ولا مكترثٍ إلا بالمادةِ وجمعِها والدنيا ومتاعِها  .

 

اليومَ سيعيشُ في مجتمعٍ معيارُ قيمةِ الفردِ فيه إما نفوذه وسلطته ، وإما غناه ودنانيره ، عند ذلك تضطرب لديه الأمورُ ،  وتختلط عليه الأوراقُ

 

نعم إنه يعيش اليومَ في مجتمعٍ وسائلُ الرذيلةِ ودواعي الانحرافِ ومزالقُ الشهواتِ فيهِ أقربُ إلى متناولِ يدِهِ من الحصولِ على عملٍ شريفٍ يؤدي فيه دورَه كطالبِ علمٍ يبثُّ من خلالِه القيمَ والفضائلَ التي تعلمها .

 

إنه يعيش اليوم في مجتمعٍ هان عليه أمرُ دينه ، ثم أجهزَ علماءُ السوءِ المنافقونَ على ما بقي من احترامٍ له في قلوب الناس ، حتى جعلوا ينظرون إلى كل من تكلم باسم الدين أو لبس ثوبه نظرةً ملؤُها الشَّزَرُ أو الحَذَرُ ،

 

فكيف بربكم يسعد طالب العلم وهو لا يرى أيَّ انسجام بين فكره وواقعه الأليم

 

 

 

هذا الإحباط الذي يكابدُه ويعانيهِ وضعهُ أمام خَيارين أحلاهما مرٌ :

 

فإما أن يستسلم لهذا الواقعِ فيلُقي أسلحتَه ، ويتخلى عن مُثُله ومبادئه ، وينخرطَ في هذا المجتمعِ الفاسدِ ، وذاك أمرٌ للموتُ الزؤامُ خيرٌ وأحبُّ إليه منه ، لئلا يكونَ كمن آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، حيث أخلد إلى الأرض واتبع هواه .

 

وإما أن يختليَ ويعتزلَ في قوقعة نفسِهِ يندبُ حظَّه ويبكي غربتَه ويذوبُ قلبُه في جوفِه كذوبان الملح في الماء ، إلى أن يصيبَهُ مسُّ الجنونِ أو تخنُقُه عبَرَاتُ الألمِ .

 

عذراً لا تتهموني بالنظرةِ التشاؤميةِ فليس هذا شأنُ المسلمِ ولا خلُقُهُ ، غيرَ أني أريد أن أضعَ يدي معكم على موطن الألم لنعالجه ولنصل معاً إلى حل سليم يثلج صدورنا وينهي غربتنا ، فهو خيرٌ لنا من المكابرةِ والإنكارِ ، أو أن ندفن رؤوسنا في الرمال غير عابئينَ بهذه المُعضلة ، ويبقى الحالُ على ما هو عليه من التسخُّطِ و التنافرِ والاضطرابِ .

 

ولن أضع الحلَّ في هذا المقالِ لئلا أُلزمكم على تبني اقتراحاتي قبل أن يتبلورَ حجمُ المشكلةِ في نفوسكم وتتخيلوها ،  ثم تشاركونني بعد ذلك في وضع خُطةٍ مناسبةٍ للخروج من هذهِ الأزمةِ في عددٍ قريبٍ قادمٍ إن شاء اللهُ .

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1995م