آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   خواطـــــــر
سعادتي في غربتي



مرات القراءة:1876    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

سعادتي في غربتي

 

بقلم الشيخ محمد بهاء الدين بادنجكي *

               

      

       ربَّما يتبادرُ إلى الذِّهنِ أن القضيةَ التي عرضنا لها من قبلُ , وما يحياه طالب العلم من تفاوت بل وتناقض بين أسلوبي الحياة (المثالي الذي ربِّي عليه ، والواقعي الذي يفاجأ به ) ربما يظنُّ ظانٌّ أنه لا حل لهذه الإشكالية إلا بإصلاح المجتمع برمته ,والقضاء على جميع مظاهر الفساد الفاشية بين عشية وضحاها , وهذا طبعاً لن يتحقق اللهم إلا في العهود النبوية والراشدة أو في أحلام الفارابي بالمدينة الفاضلة , والحقيقة التي ينبغي أن نعيَها ولا مندوحة عن التسليم بها أنه لا يمكن للفرد إصلاحُ الكلِّ كما أنه لا يمكنُ للزهرةِ وحدَها أن تصنع ربيعاً ، إلا أنه مما يَلفِتُ النظرَ ويبعث على الدهشة أن السيد النبهان رضي الله عنه لو استقرأنا حياته وعدنا بالذاكرة إلى سني عمره لوجدنا أنه رضي الله عنه لم يعبأ يوماً بدور الإسلام على المستوى السياسي , ولم يُعِرْ أيَّ أهميةٍ للخطابات العامة من أجل تعبئة الجماهير إسلامياً ,اللهم إلا في المواقف الحرجة التي نيل فيها من الإسلام ورموزه على المستوى الإعلامي .

 

والسيد النبهان رضي الله عنه هو هو ...!! مَنْ لا يُنكرُ خطره وأثره كمصلح اجتماعي ورائد فكري ومرشد روحي على مستوى الشرق الأوسط , وقد عاش في زمنٍ يُعدُّ من أشد الحقبات الزمنية خطراً وصعوبة في حياة الأمة الإسلامية , ومع ذلك نراه قد صرف كل إمكانياته وجميع توجهه إلى إصلاح الفرد , وبناء الشخصية الإسلامية الفذة , وإعادة صياغة الأسرة الإسلامية من جديد , من خلال تثقيف المرأة بدينها وتعريفها بدورها في بناء المجتمع , إذا عرفنا ذلك فإننا نصل إلى نتيجة حتمية وهي أن طالب العلم عليه ألا ينبهر بالأضواء الساطعة التي تسلط هنا وهناك على بعض الدعاة مدةً معينةً لتأدية دورٍ معيَّنٍ ربما يكون سياسياً وربما يكون مادياً أو لترويج فكرٍ أو توجهٍ دينيٍ ما , فيرنوَ ببصره إلى مثل تلك الدعايات البراقةِ الكاذبةِ ظاناً أنه لن تعلو رايةُ الإسلام وتتسع رقعته إلا بهذا الأسلوب وتلك الطريقة , وينسى أو يتناسى أن طالب العلم في مجتمعه كالنبي في قومه أو الرسول في أمته ، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم مكث أكثر من نصف مدة دعوته في مكة المكرمة بين أوثانها وأصنامها وبين طغاتها وجبابرتها يؤدي الدور الأهم والأصعب في بناء الفرد المسلم ولو كان ضعيفاً , وفي تكوين الشخصيات الفذة ولو كانت قليلةً في أعدادها , حتى قامت على أكتاف هؤلاء الثُّلةِ القليلةِ الصادقةِ دعوةُ الإسلامِ الشامخةُ .

 

فيا طالبَ العلمِ لا تظنَنَّ أن وقوفَكَ على أعوادِ منبرِك تقول كلمة الحق لا تخشى في الله لومةَ لائمٍ لن يؤتيَ أُكُلَه , وأن امتثالَكَ الدقيق بشريعة الإسلام في نطاق أسرتك ومسجدك الذي أنت فيه لن يصنع تغييراً في واقع الأمة , وإن كنت في ريب مما أقول فهاك أصدقَ دليلٍ هذهِ الكلتاويةَ وهذه الدارَ أعدلَ شاهدٍ على التغيير والإصلاح الذي قام به السيد النبهان رضي الله عنه وهو فردٌ واحدٌ في زمنٍ قياسيٍ لا يتجاوز ربعَ قرنٍ إلا قليلاً . والحقُّ يقال : بمقدار تطبيقِكَ للإسلامِ على نفسِكَ يكونُ مقدارُ تغييركَ في مجتمعك ومَنْ حولَكَ .

 

وما دمنا قد عرضنا في مقالةٍ سابقةٍ لإشكالية الغربةِ الفكرية والنفسية التي يعانيها طالبُ العلم, ووعَدْنَا ثَمَّةَ بالبحث عن حلولٍ لها ووضعِ محاورَ للتغلب عليها وتجاوزِها , فإنني اليوم أجزم أنه لا تكاد تخلو سيرةُ عبقريٍ أو مصلحٍ أو مفكرٍ على كرِّ الدهورِ من مثلِ هذه الغربةِ بِدءاً من سيد الأنام صلى الله عليه وسلم يومَ حُبِّبَتْ إليه الخلوةُ والتفكرُ في غارِ حراءٍ حتى خرج على الدنيا بنورِه المبينِ , ومروراً بسِيَرِ كبارِ رجالاتِ الإسلامِ وأقطابِ التصوفِ الإسلاميِّ كعمر بن عبد العزيز وسهل التستريِّ والمهديِّ بن تومرت والإمامِ الغزاليِّ وغيرُهم كثيرٌ , وانتهاءً بسيدنا النبهان رضي الله عنه يوم اعتزل الناس جميعاً في غرفته أول أمره سنواتٍ طويلةً يظن من رآه أنه أبكمُ حتى صار يلقبه أعداؤه بالأبله (حاشاه) إلى أن فتح الله عليه , ومن خلال ذلك نعلم أن هذه الغربةَ وهذا الاعتزالَ إنما هو أمرٌ ضروريٌ لاختمار ثمرة الإيمان ونضجها في جوف المؤمن كما أن بقاءَ الحبةِ داخلَ التربةِ شهوراً ضروريٌ لصلاحها وإثمارها , فهي غربةٌ إيجابيةٌ لا سلبيةٌ وبناءةٌ لا هدامةٌ , ولكن لا بد من وضعِ خِطةِ عملٍ أو حلولٍ فعالةٍ لاستثمارِ هذه الغربةِ من أجلِ أن تصبَّ في مصلحةِ الفردِ  وبنائِهِ , وتتمحور هذه الحلولُ في أربعِ نقاطٍ أساسيةٍ تنأى بالطالب ووجهتِه وبالشحنةِ الشبابيةِ التي تملأ وجدانَه عن التضييعِ والعبثيةِ والإحساسِ بالفراغِ القاتلِ :

 

1_ إشباع النهمة في القراءة والمطالعة ولو لمادة يحبها ويهواها كالأدب والرواية والقصة والشعر أو التاريخ العام أو في الثقافة الإسلامية القديمة والمعاصرة ؛ لأنه لا لذة في الدنيا توازي لذةَ إشباعِ الفِكرِ وإغناءِ الثقافةِ الشخصيةِ , ومما يزيد في متعةِ القراءةِ تنويعُ المادةِ المقروءةِ في اليومِ الواحدِ إلى أكثرَ من تخصُّصٍ لئلا تسأمَ النفسُ فتملَّ المطالعةَ , وأن يجعل لنفسِهِ يومياً مقطعاً من القرآن يحاول مراجعته مهما كان قصيراً ولو من ( 3) إلى ( 5 ) صفحات ولو كان بمشاركة صديق لكان أفضل.

 

2_ السعيُ الحثيثُ والجادُّ إلى الاستقلال الماديِّ عن ذويه وذلك من خلال تأمين عملٍ كريمٍ مناسبٍ لدورِهِ في إطارِ الدعوةِ إلى اللهِ كالخطابةِ والإمامةِ والتدريسِ في القطاعِ العامِّ أو الخاصِّ بقطعِ النظرِ عن مقدارِ المال المردود عليه إذ ليس ذلك من أخلاق العلماءِ العاملين , وحتى لو نأى المكانُ وشطَّ البُعدُ كالقرى والأطرافِ لأن كلَّ عالمٍ على ثغرةٍ من ثغورِ الإسلامِ ولو نأتْ وبعُدتْ ,ومن خلالِ تجربتي أقول إن هذه السنوات الأولى بعد التخرج لها النصيب الأوفر في تكوين شخصية طالب العلم الاجتماعية ، ولها الحظُّ الأوفرُ في تحصيلِ الذخيرةِ العلميةِ المطلوبةِ في حياتِه قبل أن ينشغل بِـهَمِّ الأسرة من زوجة وأولاد والتزامات اجتماعية وغيرها , فالعملُ الدؤوبُ الجادُّ أكبرُ صارفٍ للمرء عن الرذائل وسفاسفِ الأمورِ وأحسنُ ضابطٍ للنفس عن رعوناتِها وشهواتِها .

 

3_ اختيارُ مجموعةٍ من أصدقائه يغلب على ظنِّهِ حسنُ تربيتهم في أُسرِهِم قبلَ المدرسة , واستقامةُ عقيدتِهم وتصرفاتِهم في الخلوةِ قبل الجلوةِ , وهذا أمرٌ لا يخفى بين الأصدقاء الذين أمضوا ستَ سنواتٍ في مسجدٍ وصفٍ ومهجعٍ واحدٍ ، فالمرءُ بأخيه ولا يؤثِّر في شخصيةِ الفردِ واختياراتِه مثلُ الصحبةِ والرِّفقةِ , خيراً وشراً ، استقامة وانحرافاً ، هدىً وضلالاً , فالصحبة إكسيرٌ ، وقل لي :مَنْ تُصاحِبُ ؟ لأقولَ لك مَنْ أنتَ ,فاختيارُ الأصدقاءِ بعدَ التخرجِ هامٌ جداً في ملء الفراغ واستثماره , يتعاونون على مطالعة كتابٍ ما  ، ويتعاضدون على مساعدة أحدهم إن واجهتْه محنةٌ ما  , ويتكاتفون في تشجيع بعضهم البعض لمواصلةِ طلبِ العلمِ ولو في شتى بقاعِ الأرضِ , ويتناصحون في ردع الانحراف إن حدث من أحدهم بحكمةٍ بالغةٍ ويظهرون له الحرص عليه والشفقة له إلى أن يستقيم عوده وترعويَ نفسه .

 

4_ ألا ينقطع عن مصدر النور ، وعن الأم الأولى التي كانت سبباً في سعادته وهنائه , أقصد هذه الدار المباركة ، يصلها بين الفينة والأخرى ، ليجدِّد الرابطة الروحية بينه وبين شيخه الكريم رضي الله عنه وآله الأبرار , ويطلع على أحوال أحبابِهِ وخِلاَّنِهِ ومَنْ له حقٌ عليه في سلوكه وعلمه من مدرسين وأساتذة ويتواصل معهم ولو عن طريق الهاتف ، فالمؤمنون كالجسد الواحد فما بالكم بطلبة العلم ، والعلمُ رحِمٌ بين أهله .

 

وهناك أشياءُ كثيرةٌ أخرى يمكن لطالب العلم أن يتفاعل معها ويطور نفسه من خلالها ، وأحب ألا أهملها لكن أجدني مضطراً إلى عدم الإطالة فأرجئُها إلى مقالة أخرى بإذن الله . 

 

* تخرج في الكلتاوية عام 1995م