آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
يخادعون الله والذين آمنوا



مرات القراءة:2864    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

  

يخادعون الله والذين آمنوا

 

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

" ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين " إلى قوله سبحانه : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " .

في هذه الآيات حوار من حوارات القرآن مع المخالفين ، ولكنه حوار غير مباشر ، يذكر أقوالهم وأعمالهم ويرد عليها من دون أن يوجه الخطاب إليهم إشعاراً بإبعادهم وطردهم وهو حوار فيه شدة شديدة كأنما هي ضربات على الوجوه ، وذلك يناسب ما هم عليه من النفاق يظهرون شيئاً يناقضه بقصد الخداع وجزاؤهم الردع .

ويبدأ الحوار - لا معهم بل مع مخاطبين غيرهم أقرب ما يمكن أن يكونوا هم المسلمين - يبدأ بالتعريف بهم كصنف من الناس لا كجماعة موجودة بين المسلمين وهذا يناسب قصد إبعادهم ومجافاتهم ، فيقول سبحانه : " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين " إذن فهم منافقون ضعفوا عن إبداء كفرهم فلجؤوا إلى الخداع : " يخادعون الله والذين آمنوا " فيرد الله تعالى على عملهم هذا أولاً بأنه لا يضر أحداً وإنما يضرهم وحدهم ويقع عليهم وحدهم ، وهم غافلون عن ذلك : " وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " وهذا يشعرهم بضرورة النظر في شأن أنفسهم ومراجعة ما هم عليه ، وذلك من دواعي التراجع عن الباطل إذا علم صاحبه أنه يضر بنفسه ، وهذا من مقاصد الآية رغم أن السياق سياق زجر وتوبيخ وسخرية ، وليس حواراً يقدم الأدلة لمن يجهلها والبراهين لمن لا يعلمها .

ويرد عليهم ثانياً ببيان أن سبب خطئهم هذا ليس جهلاً يداوى بالعلم ولكنه نفاق دعاهم إليه شك في الدين ، ويسمى الشك مرضاًَ ليشعرهم بأن هذا النفاق قد أفسد قلوبهم وأضر بها ويبين لهم أنه جازهم على نفاقهم بزيادة مرض هو الشك والحيرة ، وأوجب لهم جزاءً آخر هو العذاب الأليم ، ويصرح بأن سبب ذلك هو كذبهم أي إظهارهم الإيمان وهم غير مؤمنين ، وليس المراد الكذب الذي يكون في الكلام العادي ، وهذا كله مع ما فيه من الزواجر يتضمن دعوتهم إلى مراجعة أنفسهم ، لا ببيان الدلائل والبراهين لأنهم لا يجهلونها بل بكشف إضرارهم بأنفسهم لعلهم يرجعون ، ثم تعرض الآيات صور نفاقهم - وصور نفاقهم كثيرة - ولكن الآيات تذكر ما يتعلق منها بمواقفهم القائمة على نفاقهم في علاقتهم مع عموم المسلمين حيث كانوا يوالون اليهود ويتآمرون معهم عل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من المهاجرين والأنصار ويسيئون إليه صلى الله عليه وسلم وإليهم وإلى دينهم .

في الصورة الأولى يقول سبحانه : " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض " بتآمركم مع اليهود وبكيدكم للنبي والذين معه صلى الله عليه وسلم " قالوا إنما نحن مصلحون " وهذا عناد ومبالغة في النفاق فهم لا يدعون أنهم مصلحون فقط ، بل يزعمون - كما دلت كلمة إنما - أن كل أعمالهم إصلاح ولا يفعلون شيئاً من الإفساد .

ولذلك أجابهم الله تعالى بحصر الإفساد فيهم وكمال هذا الإفساد حتى إن سواهم لا يعد عمله نفاقاً بالنسبة إليهم فيقول سبحانه : " ألا إنهم هم المفسدون " ، فيبدأ بأداة التنبيه " ألا " ليلفت بها الأنظار ويؤكد الجملة بأداة التوكيد " إن " ويعرف الخبر بالألف واللام لبيان أنهم جامعون لأطراف الإفساد كلها وذلك يحصر الإفساد فيهم ثم يؤكد هذا الحصر بضمير الفصل " هم " بين المبتدأ والخبر ، وهذا الكلام ليس بدفع الشبهة وإقامة الدلائل على الحق لأنهم لا يجهلون الحق بل يعاندونه ، وإنما هو زجر وتوبيخ وإهانة ، ويأتي قوله سبحانه : " ولكن لا يشعرون " إكمالاً لهذا التوبيخ لا التماساً للعذر بإثبات إنهم جاهلون بما يفسدون وما هو حقيقة حالهم ، ومعنى ذلك أنهم لإغراقهم في الإفساد صاروا كمن لا يدري ماذا يفعل بحيث يغفل عن أخطائه المضرة به فلا يحس بها مع أنها ظاهرة كل الظهور فهو ميت الشعور كأنه لا شعور له ألبته وهذه غاية التوبيخ ومنتهاه .

وفي الصورة الثانية يقول سبحانه : " وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء " ، وفي كلامهم هذا غرور وتكبر واحتقار لأهل الإيمان فوق ما فيه من كفر وجحود والعاقل لا يفعل ذلك إنما يعتذر حين يكون صادقاً في عذره بأنه لم يظهر له ما يدعوه إلى الإيمان وبنحو ذلك من الأعذار ، إذ ليس في قول من قال لهم : " آمنوا كما آمن الناس " ما يدعو إلى سوء الجواب ، إنما هو دعوة إلى الإيمان بطريق التدبر والنظر الذي يسير عليه الناس من حولهم وهم يعلمون أن هؤلاء الناس عقلاء ذوو رأي وتدبير ، وإذا هم - بدلاً من أن يؤمنوا كما آمن الناس أو يعتذروا بعذر الصادقين - يجيبون جواب المتكبرين الجاحدين المحتقرين لسواهم المستنكرين ما فعله المؤمنون فيقولون " أنؤمن كما آمن السفهاء " والسفيه ضعيف العقل الطائش في أقواله وأفعاله ، وهذا طعن في دين الله تعالى إذا السفهاء لا يعرفون أن يختاروا ما هو حق وخير ، ولذلك جاءهم الجواب من الله تعالى ردعاً وزجراً وإهانة ، لا تعليماً وتوضيحاً للحق إذ هو غير خاف عليهم فقال سبحانه : " ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون " بعبارة شبيهة بما تقدم من الجواب في الآية السابقة لكن جاء الكلام هنا بنفي العلم وهناك بنفي الشعور لأن الإفساد شيء ظاهر يدرك بالشعور بينما الإيمان أمر عقلي علمي يدرك بالعلم .

وفي الصورة الثانية قال سبحانه : " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون "

وفي هذه الصورة ينكشف نفاقهم جلياً بصريح أقوالهم : يقولون للمؤمنين : آمنا ويقولون لأصحابهم في الكفر والنفاق : " إنا معكم " بالتأكيد ( الطبري 1 / 30 ) ، ويؤكدون استهزاءهم بأنهم ليسوا إلا مستهزئين ، وأصحابهم هؤلاء ليسوا منافقين عاديين في نفاقهم بل هم قادة في النفاق يدعون إليه ويحتالون في دعوتهم ويزينون لأصحابهم النفاق كما تفعل الشياطين ولذلك أطلق القرآن عليهم اسم الشياطين كشفاً لحقيقتهم .

وجاء الرد من الله تعالى على استهزائهم باستهزائه وشتان ما بين الاستهزاءين ، ولذلك صدرت الجملة باسمه سبحانه " الله يستهزئ بهم " إظهاراً للفرق العظيم بين عدوانهم بالاستهزاء ورد هذا العدوان من عند الله تعالى ، ثم أضاف إلى ذلك سبحانه أنه " يمدهم في طغيانهم يعمهون " أي يزيدهم - مع أنهم طاغون - ويتركهم فلا يعجل بإهلاكهم فيستمرون في حيرتهم وترددهم كما قال سبحانه " إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً " فتزداد عقوبتهم .

وهذا الرد كالذي سبق من الردود ليس فيه عرض للقضية وإقامة للأدلة ولكن توبيخ وزجر وإهانة لأن القوم ليسوا في حال استعلام ولا في حال إنكار قائم على استدلال أياً كان إنما هم مستهزئون كما صرحوا بألسنتهم ، جاحدون رافضون لقبول الحق .

وكما بدأت الآيات بذكرهم وهم مستبعدون عن الحوار ختمت بمثل ذلك وكأنها تشرح حالهم لغيرهم وتبين حقيقتهم ودوافعهم وثمرة ذلك فيقول : " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " .

والإشارة إليهم بكلمة " أولئك " تصور ما سبق من اعتقادهم وأقوالهم وأحوالهم ومعاملتهم كأنهم مشاهدون ينظر إليهم الناس وشؤونهم هذه بادية في صورتهم كالبرهان على أنهم " اشتروا الضلالة بالهدى " فهذه الأمور لا تكون إلا ممن يأخذون الضلالة وهم حريصون عليها حرص المشتري على البضاعة التي يبذل فيها المال ويتركون الهدى ترك المشتري ما يبذله من مال في مقابل بضاعة هي عنده أهم منه وأعز عليه ، ولما كان كل عاقل يعلم أن الهدى خير والضلالة شر كانت النتيجة الطبيعية لذلك التبديل أنهم " ما ربحت تجارتهم " بل قد خسروا خسارة فادحة إذ قد ضلوا " وما كانوا مهتدين " .

وهذه الآية لخصت ما سبق من شؤونهم وحكمت عليهم بما يستحقون ومع ذلك لم تخرج عن نهج ما تقدم في الحوار من التوبيخ والذم والإهانة فهم لم يسيروا على طريق البحث عن الحق والإيمان به حينما يظهر بل سلكوا طريق الغواية وأمعنوا في شعابه ، فلا هم نفعوا أنفسهم ولا هم كفوا أذاهم عمن سلك طريق الهداية ومن كان كذلك كان الأجدر الحوار معه هو نهج السخرية والذم والتوبيخ لا نهج كشف الحقائق وإقامة الدلائل والبراهين .

والآيات القادمة في القرآن بعد هذا هي تشبيهات تمثل حالهم فتزيدها وضوحاً وتزيدها تأثيراً في النفوس نفوس من راجع نفسه من هؤلاء المنافقين ونفوس من حولهم من المؤمنين وعموم الناس وهو تأثير ينفر السامعين من تلك الأحوال ويملأ قلوبهم خشية من العواقب السيئة التي نالت المنافقين أو هددوا بها في المستقبل من الحياة الدنيا والآخرة .

وشرح هذه الأفعال فيه فائدة إذ هي تكميل لهذا الحوار من جهة الإيضاح والتأثير ، وفي ما تقدم كفاية إن شاء الله عن التوسع خشية الإطالة .