آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
القرآن (شريعة فوق كل انتقاد)



مرات القراءة:2250    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

من إعجاز القرآن أنه (شريعة فوق كل انتقاد)

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 



تـمهيــد  قبل مناقشة المنتقدين


هل يمكن أن يسمو أحد من البشر فوق الانتقاد مهما أوتي من العلوم؟.
بل هل يمكن للبشر كلهم مجتمعين أن يبلغوا هذا المستوى ؟.


التقدم العلمي الذي تشهده الدنيا دائماً يقول: لا، بل إن هذا التقدم نفسه يشهد بأن كل أهل العلم يغيرون من آرائهم حين تتوسع معلوماتهم، ويكتشفون أخطاءهم، أي هم ينتقدون أنفسهم، فإذا جاءنا إنسان بكتاب يرقى فوق الانتقاد، فهذا دليل قاطع على أن هذا الكتاب من عند من لا يخطئ، وهو الله رب السموات والأرض، وكلما كان هذا الإنسان أقل حصيلة علمية كان الدليل أوضح، فإذا كان أمياً كان الدليل أوضح ما يمكن، كما هو شأن القرآن الذي جاء به نبي الإسلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.


لكن قد يتساءل متسائل: كيف يصح هذا الادعاء في حق القرآن وتشريعه، مع أن الانتقاد عليه كثر كثرة هائلة، حتى ألفت فيه كتب خاصة من خصومه، وألفت كتب خاصة للدفاع عنه ؟


قبل الدخول في تفصيلات هذا الأمر لابد من بيان أن المقصود به ليس خلو الواقع من انتقاد الناس لأحكام التشريع الإسلامي، وإنما المقصود به أن تلك الانتقادات حين توضع في موازين العلم الحقيقية لا تثبت للنقد أصلاً، ويظهر أن الخطأ فيها لا في القرآن، ولا في تشريعه، بل إن الإنسان ليجد بعض تلك الانتقادات فاسدة حتى في موازين أهلها الذين صدرت عنهم.


وأول ما يلقاك من هذه الانتقادات أنك لا تجد أصحابها يبنون كلامهم على الموازين العقلية والعلمية المتفق عليها، والتي يتقبلها كل عاقل سليم، كما هو شأن الحوار بين المختلفين، وإنما تجدهم يبنون كلامهم على تقاليد عاشوا عليها ومفاهيم ألفوها، ومعلومات لم تبلغ في العلم درجة اليقين، فكل ما خالفها هو عندهم الباطل والجهل والتخلف، وكل ما وافقها هو الحق والعلم والرقي، مع أنهم يخالفونها مخالفات صارخة في كثير من الأحيان، ويختلفون فيما بينهم عليها فينقدها هذا أو ذاك..


هذا موقفهم، أما موقف أتباعهم في بلادنا فهو أشد عصبية وأشد بعداً عن الحق، وأظهر مثال على ذلك ما يسمونه حق المرأة في العمل، ينتقدون التشريع الإسلامي ـ فيما يزعمون ـ لكونه لم يعط المرأة حق العمل، ومجلاتهم النسائية تنادي ـ وعلى لسان مسؤولات كبيرات لديهم ـ بعودة المرأة إلى البيت، وهي قضية تأتي مناقشتها إن شاء الله.


ومثل ذلك الحرية الجنسية، ينتقدون الإسلام على رفضه إياها، وكتبهم تتحدث اليوم ـ كما تحدثت بالأمس ـ عن الأضرار الصحية الكثيرة الكبيرة منها، ناهيك عن الأضرار الاجتماعية، وأظهرها انهيار نظام الأسرة، وعلاقة القرابة حتى بين الولد وأبيه وأمه، فهذا يكشف لك عن حقيقة هذه الانتقادات، وأنها نقد شخصي غير موضوعي مع غض النظر عن التحامل والادعاءات الباطلة، التي يعرف قائلها أنها باطلة، وأنه يتعامى عن بطلانها عداءً لهذا الدين وكتابه وشريعته، ويأتي بيان ذلك في مناقشة انتقاداتهم أو أهمها، إن شاء الله.


ومنهج المناقشة العلمية ـ لو كان الحوار عن غير القرآن وتشريعه ـ يقتضي ألا نناقش منـتقدينا في هذه القضية، التي تعتبر جزئية بالنسبة لقضية الإيمان بهذا الدين، وذلك لأن الإيمان بدين ما لا يمكن أن يكون إلا بعد الإيمان بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن نبيه هو الذي جاء به من عند الله، فمن لم يؤمن بالنبي لم يؤمن بصدور دينه عن وحي الله، ومن لم يؤمن بوجود الإله لا يمكن أن يؤمن بنبي يأتي من عند الله، فمنطق الحوار العلمي المختصر أن نبدأ الحوار مع مخالف ديننا مما بعد النقاط التي نتفق عليها، فلا نحاور في شأن الدين من لا يؤمن بنبيه، بل نقدم إليه براهين ذلك أولاً، ولا نحاور في شأن النبي من لا يؤمن بوجود الإله، بل نقدم له براهين ذلك أولاً، وعلى قياس هذه القاعدة لا داعي لأن نناقش منتقد التشريع القرآني في تفصيلات هذا التشريع، وإنما نبدأ معه من الإيمان بالله، فإن كان مؤمناً انتقلنا إلى الإيمان بالنبي %، فإن آمن به قلنا: إن هذا النبي الذي آمنت به قال: إن هذا الكتاب من عند الله، والنبي لا يكذب فيلزمك التسليم بالتشريع الذي جاء به، بهذا يقضي المنهج العلمي في الحوار أصلاً، وهو طريق صحيح ومختصر، إلا أن هذا القرآن الكريم يختلف عن غيره من الكتب والمبادئ الدينية، فيأذن المنهج العلمي بمناقشته ومناقشة تفصيلاته، زيادة على المناقشة الإجمالية السابقة،
وذلك لأمرين اثنين:


أولهما: أن القرآن نفسه قد جعل العلامة الدالة على صدوره عن وحي الله هي صحة معلوماته وعدم اختلافها فقال: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء/82] وهذا تصريح بأنه يدعو كل من يتشكك في صدوره من عند الله إلى أن يتدبره حتى يظهر له من هذا التدبر أنه لا اختلاف فيه ولا خطأ، ولا قصور، فيعلم أنه من عند الله، بل إن القرآن لم يكتف بهذا التحريض، بل تحدى به البشر جميعاً ومعهم الجن، وأعلن نتيجة التحدي سلفاً، كي لا يتخلف عن قبوله أحد له قدرة عليه فقال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} [الإسراء/88] وإذا كان توافق المعلومات القرآنية وصحتها دليلاً على أنه من عند الله صح أن يكون هو دليلاً على نبوة سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم، وأن يكون معجزته الكبرى؛ لأن المعجزات الحسية التي جرت على يديه  صلى الله عليه وسلم لا ترى الآن، بل تروى بأسانيد ـ هي رغم قوتها ـ مجهولة عند الكثيرين ممن لا يبحث فيها علمياً، أما القرآن فهو موجود دائماً بين أيدي الناس يرونه بعقولهم، ويحكمون بشأن صاحبه الذي جاء به، فصح أن وجود أي خطأ حقيقي فيه يكون دليلاً على أنه ليس من عند الله، وقد قلت ”خطأ حقيقي“ لأن كثيراً ممن ادعى في أمر من القرآن أنه خطأ، كان الخطأ فيه من الناقد، كما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.


والأمر الثاني: الذي يبرر مناقشة الانتقادات التفصيلية التي يزعمها منتقدو القرآن هو: أن القرآن نفسه قد حاور ناقديه في عصر نزوله في أمور تفصيلية، كما حاورهم في الأمور الأساسية، حاورهم في قضايا الألوهية، لاسيما التوحيد؛ لأنه يخالف ما ألفوه وتلقوه عن الآباء والأجداد، وحاورهم في نبوة سيدنا محمد %، وحاورهم في صدور القرآن من عند الله، وحاورهم في تفصيلات الشريعة التي انتقدوها، وأقرب مثال على ذلك: قضية تحويل القبلة في حياة النبي  صلى الله عليه وسلم، فقد كان  صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس ـ والصلاة عمود الدين ـ وظل كذلك ستة عشر شهراً بعد قدومه إلى المدينة المنورة ، وكان اليهود فيها كثرة، وكانوا يحاورون أهل الإسلام في كثير من قضاياه، فلما أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ثارت ثائرة اليهود وأعلنوا انتقادهم، ولم يكن هذا الانتقاد للعمل نفسه فقط، وإنما وجه إلى أصل نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى القرآن نفسه فقالوا: {ما ولاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة/142] أي ما هو السبب الذي دعى إلى تغيير القبلة، فلئن كانت القبلة الأولى حقاً فالانتقال عنها باطل، وإن كانت الثانية حقاً فالتوجه إلى الأولى ـ فيما مضى ـ باطل، فهذا التغيير لا يمكن أن يكون من عند الله؛ لأن الله يعرف الحق والباطل سابقاً ولا حقاً، وإذا كانت القبلة الأولى باطلة فما مضى من الصلاة فيها كله باطل. وضاعت جهودهم فيه عبثاً، وجاء الجواب من عند الله، فبين أولاً: أن هذا الحوار ليس حواراً منطقياً، إنما هو حوار افتعله قوم سفهاء، والسفاهة قلة العقل؛ لأنهم جعلوا التوجه إلى القبلة يدور بين الخطأ والصواب، ولم ينظروا أنه مرهون بإرادة الإله سبحانه، فحيثما أمر عباده بالتوجه فهذا حقه، واتباعه هو الصراط المستقيم {سَيَقُولُ الْسُّفَهَاْءُ مِِنَ الْنَّاسِِِِِِِ مَاْ وَلاَّهُمْ عَنْ قِبلَتِهمْ الْتّي كَاْنُوا عَليْهَا قُلْ لله الْمَشْرقُ وَالْمَغْربُ يَهْدِي مَنْ يَشَاْءُ إلى صرَاْطٍٍٍٍٍ مُسْتَقيْم} [البقرة/142] وقد اعتمد الحوار على كونهم أصلاً يؤمنون بالله ، ويؤمنون بأن من حق الإله أن يأمر عباده بما يشاء، فلا داعي لأن يبدأ معهم بما هو قبل هذا من الحقائق الدينية.


ٍِ وبين ثانياً: أن الله تعالى إذا غير القبلة فليس معنى ذلك بطلان الصلاة إلى القبلة السابقة، وهي لب الإيمان كأنها الإيمان نفسه، فهذا لا يناسب رحمة الله تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم} [البقرة/143]، وفي هذا طمأنة للمؤمنين، ودفع للقلق الذي أثارته الشبهات.


وبين ثالثاً: الحكمة من هذا التغيير ، وهي إظهار من يطيع الله مهما أمره ممن يطيعه ما دامت الأوامر توافق رغباته، أو توافق مألوفه، وينقلب عن الدين إذا جاء فيه خلاف ذلك؛ وذلك لأن العرب كانوا يعظمون الكعبة، ولا يرون أن في الدنيا مسجداً أفضل منها، فالأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ـ بالنسبة إليهم ـ امتحان كبير، كما أن التوجه إلى الكعبة امتحان لمن آمن من أهل الكتاب {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة/143] وبهذا النهج شرع لنا القرآن الكريم أن نناقش الخصوم الناقدين، ونكشف شبهاتهم، ونبرز حكمة التشريع القرآني حسب منطق الدين ومنطق الحق، وهذه المناقشة تزيد المؤمن إيماناً ويقيناً، وتكشف الحق لمن يحبه ولا يعرفه فيسارع إليه، وتكون حجة دافعة لمن ينتقد عناداً، فتكشف حقيقته حتى لا يغتر به إلا أمثاله، كما شرع لنا القرآن بمحاوراته تلك أن نحاور كل ناقد بالمنطق الذي يفهمه.


والناقدون في عصرنا هذا يلتقون مع أولئك القدامى في شيء، ويختلفون عنهم في شيء، يلتقون معهم في أنهم جعلوا أعرافهم التي نشؤوا عليها، وتقاليدهم التي ألفوها، ومعلوماتهم التي تعودوا عليها هي الحق والعلم والرقي، وما خالفها هو الباطل والجهل والتخلف، ثم وزنوا بها تشريعات القرآن.


ويختلفون عنهم في أن الأولين كانوا أهل كتاب يؤمنون بالله والأنبياء السابقين وكتبهم، بينما هؤلاء الآخرون لا يؤمنون بالأديان، ومن آمن منهم فإيمانه إجمالي لا يرقى إلى التفصيلات، يتفق الوجودي منهم وذو الدين على أن التشريع من حق الإنسان، والإله لا علاقة له به، وذلك لأنهم كانوا على النصرانية المحرفة واليهودية المحرفة وما فيهما مما كان حقاً لم يحرف كان لزمان معين، فلما رأوه لا يناسب الحياة التي يعيشونها كفر به من كفر، وآمن بعضهم إجمالاً لا تفصيلاً، وراحوا يبحثون عما ينفعهم من التشريع حسب علمهم ورغائبهم، فميزان التشريع الصحيح الراقي عندهم هو ميزان المنفعة، وليست المنفعة بمعناها الشامل لكل الجوانب الإنسانية، بل نجدهم في الأكثر لا ينظرون إلا إلى المنافع التي تلبي رغائب الحس والغريزة، والمسموح به هو ما يوافق عليه الأكثرون، وإن كان في ميزان علوم الطب والنفس والاجتماع ضرراً بحتاً كاللواط، والممنوع هو ما ترفضه الأكثرية، وإن كان نفعاً بحتاً كحجاب المرأة.


والجوانب الإنسانية التي ينظرون إليها كحرية الاعتقاد والعدالة فيه تخبط وتناقض، فوق أنه تتحكم فيه الغرائز والحسيات أحياناً كثيرة، فالعدالة مثلاً هي إتاحة الفرص للجميع أن يغتنموا من تلك الشهوات حسب ما يرغبون، والجريمة التي يقاومونها هي تجاوز الحدود في هذا السباق، بينما التشريع القرآني يقوم على عكس هذا الأساس، أعني أن الجوانب الإنسانية هي الأهم في التشريع القرآني، وأن مطالب الغرائز تأتي في الدرجة الثانية، ويكون توزيعها بنظم، بحيث تكون فيها عدالة واقعية، بعد رعاية ذلك الجانب الإنساني، ولو أنت وزنت أنظمة الأمم الأخرى وتشريعاتهم بموازينهم نفسها وزناً صحيحاً ـ فضلاً عن موازين العقل السليم والمصالح الإنسانية ـ وجدت أكثر ما هم عليه باطلاً وجهلاً وتأخراً، كالحرية الجنسية، التي ملأت حياتهم أمراضاً وأطفالاً محرومين من الآباء وأقارب الآباء، وفي كثير من الأحيان يحرمون من الأمهات وأقاربهن، ووجدت انتقاداتهم للتشريع القرآني مثل ذلك، فتعلم حينئذ أنه يسمو فوق كل انتقاد، وتعلم أيضاً أنه {لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء/82].
ـ ولهذا الإجمال تفصيل يصدقه فيما يأتي من المقالات ، إن شاء الله تعالى ـ فالحديث عن سمو التشريع القرآني فوق كل انتقاد لا يكفي فيه الإجمال الذي سبق ذكره، ولا بد فيه من التفصيل الذي يظهر فضل هذا التشريع وخطأ انتقاده، حسب الموازين التي يقر بها العقلاء المنصفون، ويُلزم بها الخصوم أو يقرون بها حين ينصفون.


والميزان الذي تحاكم إليه الانتقادات هو ميزان ضمان المصالح ودفع المفاسد؛ إذ هو ميزان يُقِرُّ به كل إنسان، ولا سيما أهل الدراسات التشريعية القانونية، فالقوانين حيث وجدت يراد منها العدل في الحصول على المصالح، ومنه تكافؤ الفرص، كما يراد دفع المفاسد عن الحياة الإنسانية، لا سيما منع التظالم حين تتعارض المصالح، وعند النظر التفصيلي تظهر حقيقة الانتقادات وحقيقة التشريع القرآني، وهذا يدعونا إلى مناقشة الانتقادات واحداً واحداً، إلا أنه لا بد من الاقتصار على أهم الانتقادات وأعظمها في نظر الخصوم، حتى لا يطول بنا البحث والرد، وأهم الانتقادات التي وجهها خصوم الإسلام المعاصرون: قضية المرأة، والحرية الشخصية، والعقوبات، والديمقراطية، وبعض الأمور الاقتصادية كالربا.