آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    همس القوافـــي   خواطـــــــر
نحو القمة



مرات القراءة:1979    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

نحو القمة (1)

بقلم الشيخ :يوسف سيلو


ها أنا أصعد تلك التلة مرة أخرى ولكنني هذه المرة أجر معي كل هموم الدنيا وكأنني ذلك الشيخ الهرم الذي يجر الكرة الأرضية وراءه وقد شدها بحبل ،
صورة كنا نراها أيام الطفولة في بعض المحلات التجارية لكنها أصبحت حقيقة اليوم يجر فيها الإنسان همومه وهموم غيره وكأن العالم كله أصبح أسرة واحدة بل شخصاً واحداً .
وأنا أرتقي درجات تلك الهضبة تتجاذبني الأفكار وتراودي الهموم ترى لماذا أصعد ؟ وما الداعي إلى ذلك لا أعرف ؟!!!ولكنني أجد نفسي مندفعا نحوها كمن دفعته الرياح ليسقط من عل فلا يستيطع الوقوف ولا يعرف لماذا يهوي !!!
في الدرجة الأولى تذكرت ست سنوات قضيتها على تلك الهضبة في معزل عن العالم الخارجي وكأنني أعيش في كوكب بعيد عن الأرض أوكأنني أعيش في مدينة أفلاطون المثالية أو في جزيرة حي ابن يقظان الخيالية ، كان كل شيء مثالياً الأفكار مثالية كأنها ترسم لك صفحات من تاريخ الأجداد في القرون الأولى فلا حديث يدورإلا في العلم أو في قراءة لوحات من حياة السلف الصالح ، ليس هناك عمل إلا العبادة أو المذاكرة في العلم حتى اللباس الذي تراه في الناس من حولك أطلال من بقايا الأمة الغابرة .
وأنا طفل كنت أرى والدي عندما استيقظ فنجان القهوة أمامه وهو مشدود للتفتيش في المذياع عن الأخبار أما في هذا المكان فلا نسمع أي خبر إلا من خلال الخطبة أو من خلال صديق كان في إجازة .
عندما يعود أحدنا من إجازته نتحلق حوله ليحدث عن أخبار الناس وماذا بحصل هناك بين الناس ، لكنه هو الآخر لا يعرف إلا نذرا يسيراً لأنه هو أيضاً لا يعرف شيئاً لأنه هو الآخر لم يكن لديه متسع من الوقت ليسمع الأخبار لأنه مشغول بلقاءالأهل والأقارب ولم يسمع إلا ما يدور في جلسات السمر مع الأهل .

صعدت الدرجة الثانية : تذكرت الشيخ رحمه الله تعالى من خلال الأشرطة التي كنا نسمعها كل أسبوع مرتين في يومي الجمعة والثلاثاء بعد صلاة المغرب .

الحقيقة أنني لم أرى الشيخ ولم يره زملائي الذين كانوا معي لأنه انتقل إلى الرفيق الأعلى وعمري ثلاث سنوات ولكنني استمطرت من خلال مذاكراته التي كنا نسمعهاأنه كان رجلا قليل الكلام كثير التأمل حتى وأنت لم تره ولم تشاهده عندما يذكر تلمم من نفسك ما تبعثر وعندما يدور الحديث عن شخصه تصحح من جلستك وترتب من أفكارك ما انفرط منها وتطفئ السيجارة إذا كنت ممن يدخنها ، هكذا بعض الناس كساهم الله حلة الهيبة ، مهما طالت مدة صحبتك له وترحالك معه فلن تغتال هذه الصحبة شيئاً من هيبته ووقاره بل العكس صحيح كلما اقتربت منه أكثر انقلبت الهيبة إلى محبة واحترام أكبر ويصدق حاله كلامه ويشد حديثه من أزر سلوكه على غير العادة من الدعاة الذين تراهم وتخالطهم .
لا أحد يستطيع أن ينكر أثر الشيخ الكبير في المجتمع رغم أنه لم يحصل على الشهادات الدراسية العليا !!!!
عندما أقلب القنوات الفضائية وأجد تلاميذ الشيخ رحمه الله وقدس روحه ينتثرون فيها في كل البلاد العربية أقول سبحان الله أي رجل كان ؟!
لقد رأينا علماء يتقنون العلوم ويجولون أنحاء العالم ويتكلمون ويخطبون ويلقون المحاضرات ويدرسون في الجامعات ولم نجد لهم ذاك الأثر في تلاميذهم بله عمن بعدهم بل ربما التاريخ أيضاً لا يتذكرهم بل يرميهم في عالم النسيان ، والشيخ كلما ابتعدنا عن تاريخ حياته يحيى ذكره وتعاد سيرته الأولى !!!!!.

رغم أنني أشعر أن تلاميذه لم يكونوا على المستوى الذي كان يتمناه ويريده ، إنه بحديثه يخترق حجاب الفكر ويحفر في لوحات الذاكرة رسوما لن تمحى ممن عاش معه ، لعل هذا التأثير العجيب في من حوله كان نابعاً من حبه للناس جميعاً ومن رحمته التي كانت تفيض على من يعيش معه .

لم نسمع أنه كتب كتاباً أو أعطى طريقة معينة وإنما كان رحمه الله تعالى كتابا مفتوحا لأي قارئ ولأي عاشق للحقيقة ، الطفل يستفيد والعالم يسحر والكبير يغترف ماشاء كانت كلماته مقتضبة كحم ابن عطاء الله تخترق دهاليز الفكر وتسد ثقوبه المتعرجة كأنها شمس تدخل من خلال زجاج نافذة العقل بلا جلبة ولا ضوضاء فلا تستطيع أن تقول لها " زادك الله حرصاً و لا تعد " بل تعالي متى شئت فلا ثقل لك ولا ضيق من اقتحامك المفاجئ ولا داعي لآداب الاستئذان لأنك لست غريبة عن نفسي بل أنت النفس بحقيقتها وجمال روحها ، أنها وجبة دسمة قد مضغت بإتقان ثم وضعت في فم طفل رضيع لم تنبت أسنانه بعد.

وأنت تقلب صفحات كلامه ومذاكراته تجد الفكرة الراسخة في بساطة الكلمة وتشعربحلاوة الحديث تعانق صدق الحال ، وجمال المحيا مكللاً بوقار الهيبة وتلمس الرحمةالعارمة مع قوة الشخصية .

ربما لا يحق لمثلي أن يتحدث عنه رحمه الله ورضي عنه ولكنني أعتقد أن العظماءليسوا ملكاً لأحد أو حكراً عليه بل هو جاء للجميع ولكل أن يستفيد منه ماشاء فكما كان رحمه الله للقريب وللبعيد وللعالم والجاهل ولابن البادية ولابن المدينة فلكل أحد عن يتحدث عن فهمه له ولسلوكه ولن يكون هذا الحديث إلا ظلالاً تعكس كيفيفة فهم المتحدث وليس بالضرورة أن تعبر عن حقيقته لن تسطيع أمواج فكري إلا أن تتلاشى أمام عظمة قمته الشاهقة ولن يستطيع نزيف هذه الأحرف إلا أن يكبو قدام شخصيته الفذة ولا بد لطوفان هذه الكلمات إلا أن يغيض تجاه أمواج بحره المتلاطمة ، هل تسطيع سمكة صغيرة عاشت في السواقي والجداول أن تغوص في أعماق المحيطات وهل يملط عصفور صغير غض الجناح أن يجتاز الجبال الشاهقة أو يقطع الصحارى المترامية الأطراف

 

 

نحو القمة (2)

 

بالأمس زرت صديقاً وتجاذبنا أطراف الحديث وشرقنا وغربنا وحططنا رحالنا في ساحة الحديث عن الشيخ قدس الله روحه فتذكر أن لديه شريط مذاكرة للشيخ مع بعض تلاميذه العراقيين فاستمعنا إلى حديثه بنهم الجائع ولهفة العاشق الولهان ،
تحدث عن نعمة الله عليه في جعله خادماً لعباد الله وطلبة العلم وأن السيادة خدمة ،
من من الأسياد اليوم يفهم أن حقيقة السيادة خدمة ورعاية لعباد الله وأن هذه الخدمة
عقد لألاء يطوق الله به جيد عباده الصالحين وإكليل من الغار يجمل الله به جبين عباده المخلصين .
أسكرتني هذه الكلمات وددت أن الأسياد تفكروا فيها ووقفوا عندها وقفات تأمل
وتفكير ،
إننا لا نفهم من السيادة إلا أن يخدمنا الناس عوض أن نخدمهم ونستغل ثقتهم وبساطتهم وحبهم للعلماء تنبع الخدمة من الرحمة والشيخ كانت الرحمة تظلله وتملأ إهابه فتتجلى سلوكاً يفهم به كلامه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحب قتل الكافر وإنما يجتث كفره ولا يب قتل العدو وإنما يسعى حثيثاً لمحو عداوته وجهله .

لو وجد من إتباعه من ينقل للناس هذه الحكم لفاقت حكم ابن عطاء الله انتشاراً
وشرحاً وتعليقاً ولأقبل العلماء يغرفون منها بلا شبع ولا ملل ولأنكب طلبة العلم في كل أرجاء الأرض عليها حفظاً ودراسة ولقررت في كل المدراس منهاجاً ولكانت مثالاً حياً لورثة الأنبياء واختصرت بها سيرة أمة بتاريخها المديد ، ولكانت هذه الكلمات حجة على العلماء وطلبة العلم وعلموا أن الزمان لا يخلو من مجدد لهذا الدين
إن كلمة مجدد تعني نفض الغبار المتراكم الذي علق من كر الأيام وتوالي الليالي وليست تعني هدم جدار الدين ومحو صورته وبناء الصورة من جديد كما ينعق بها المجددون المعاصرون يهدمون الثوابت بمعول التجديد وبفأس الاجتهاد
رحم الله الشيخ الغزالي عندما سأله بعض الناس فقال : لم باب الاجتهاد مغلق ؟؟فقال : باب الاجتهاد كسر حتى دخلت منه المعيز !!!!!! .
يخرقون إجماع الأمة بدعوى التجديد ويريدون أن يعيدوا ترتيب الضروريات
والحاجيات والتحسينيات .
يحلو للبعض أن يقارن دائماً بين العلماء ويقيس حياة الإنسان بما كتب من صفحات وبما ألقى من المحاضرات وكم زار من بلد ، لا تنجح المقارنات دائماً في مثل هذه المواقف لأن المقارنة لا تنفع إلا إذا قارن بين عالمين من اختصاص واحد ومن مسلك واحد ، فلا يسعنا أن نقارن بين طبيب مختص بعلم الأجساد وطبيب مختص بعلم النفس كما لا يسعنا إن نقارن بين مهندس وطبيب .
أظن أن المقارنة تكون صحيحة عندما ننظر ونتأمل في الأثر الذي تركه كل واحد في مجتمعه وكم كان أثره كبيراً في جيله ومن بعده .
شتان بين من أثره تجاوز حدود بلده وأسوارها إلى بلدان بعيدة وانتقل ذلك الأثر إلى أجيال متعاقبة وبين من كان أثره بضع صفحات سود بها صحيفة وكلمات جمل بها لقاءات وجمل زين بها محاضرات ثم عادت أثراً بعد عين وأطلالاً تجاهد من أجل البقاء .