آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
الأُنْسُ بقراءةِ القُرْآنِ هو الأُنْسُ الحَقيْقيُّ



مرات القراءة:1799    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

الأُنْسُ بقراءةِ القُرْآنِ هو الأُنْسُ الحَقيْقيُّ

بقلم الدكتور محمود فجال


ينبغي على المسلمِ أن يكونَ أُنْسُه بتلاوة القرآن ، ففيها الأُنْس الدائم ، وبالقرآن راحةُ النفوسِ ، وبه تطمئنُ القلوبُ ؛ لذا عليه أن يحافظ على تلاوته ليلاً ونهاراً ، سفراً وحضراً .


وبتلاوة القرآن نزولُ السكينةِ والملائكة ، فهذا الصحابي الجليل « أُسَيْدُ ابن حُضَير » بينما هو يقرأ من الليل ( سورةَ البقرةِ ) وفَرَسُه مَرْبوط عنده ، إذ جالَتِ الفرسُ ، فَسَكَتَّ فَسَكَنَتِ الفرسُ ، ثمَّ قرأ فجالتِ الفَرسُ فانصرَفَ ، وكان ابنُه « يحيى » قريباً منها فأشفقَ أن تُصيبَه ، فلما اجْتَرَّهُ رَفَعَ رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أَصْبحَ حدَّث النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له : « اقْرَأْ يا ابنَ حُضَيرْ، اقرأ يا ابنَ حُضَيرْ » ، قال : فأشفَقْتُ يا رسولَ الله أن تَطَأَ « يحيى » وكان منها قريباً ، فرفَعتُ رأسي فانْصَرَفْتُ إليه ، فرفعتُ رأسي إلى السماء ، فإذا مثلُ الظلة ، فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها .
قال : « وتَدري ما ذاك ؟ » قال : لا .
قال : « تلك الملائكة دَنَت لِصْوتِكَ ، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ ينظرُ الناسُ إليها، لا تتوارى منهم » ( رواه البخاري ) .
الضمير في (اجتره) يعود على ولده ، أي : اجتر ولده من المكان الذي هو فيه حتى لا تطأه الفرس .
قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : « اقرأ يا ابنَ حُضَيْر » أي : كان ينبغي أن تستمرَّ على قراءتك ، وكأنه صلى الله عليه وسلم استحضرَ صورةَ الحالِ فصار كأنه حاضرٌ عندَه لمَّا رأى ما رأى ، فكأنه يقول له : استمرَّ على قراءَتِكَ لتستمرَّ لك البركةُ بنُزولِ الملائكةِ واستماعِها لقراءتك .
وفهم « أُسَيْدٌ » ذلك فأجابَ بعُذْرِه في قَطْعِ القراءةِ ، وهو قوله : « خِفْتُ أن تطأَ يحيى » أي : خشيتُ إن تابعتُ القراءة أن تطأَ الفرسُ ولدي .
لقد كان « أُسيد » حسنَ الصوتِ ، فقد أوتيَ من مزامير آل داودَ مع خشوعه في صلاتِهِ ، لذا دنتِ الملائكةُ تستمعُ له .
فيُستفاد من الحديثِ أن تلاوة القرآنِ سببٌ لنُزولِ الرحمةِ وحضورِ الملائكةِ في الليلِ .
وفيه فَضْلُ قراءة سورة البقرة ، وفَضْلُ الخشوع في الصلاة .
وفيه أن التشاغلَ بشيء من أمورِ الدنيا ولو كان من المباح قد يُفِّوُت الخيرَ الكثيرَ ، فكيف لو كان بغير الأمرِ المباح ([1]) .
لذلك كانت عنايةُ الأمةِ بالقرآن الكريم .
ولقد اعتنتْ أمةُ الإسلام بالقرآن الكريم عنايةً فائقةً ، وعظّمته التعظيمَ البالغَ، وما عُنيتْ بشيء عنايتها بحفظه وترتيله وتجويده .
لقد حُفِظَ في الصدور ، وصَدَحَتْ به الحناجر ، وعُمِرَتْ به المحاريب ، ونُوِّرتْ بتلاوته أرجاءُ الأرض ، وتغنَّى به الحزينُ في جوف الليل فكان له سلواناً .
وما زلَّ هذا القرآنُ مع مرّ الأيام ، وتعاقب الأزمان غضّاً طَرِيّاً كما أُنْزِلَ ، محفوظاً بالحفظ الإلهيّ ، مصوناً بالعناية الربانية ، لو سَبَقَ لسانُ تالٍ فأخطأ فيه سهواً لانبرى له صغارُ القرّاء فضلاً عن كبارهم يردونه إلى الصواب ، ويُصَحِّحُونَ له ما انْزَلَقَ به اللسانُ .
أجل : إنه القرآنُ المجيدُ ، المحفوفُ بعناية الله - سبحانه - القائل : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لحافظون ) ( الحجر : 9 ) .


ونحن الآن نلمس ونشاهد صحوةً قرآنيةً واسعة الأطراف ، ونرى نهضةً كبيرةً في إنشاء مدارسَ لتحفيظِ كتابِ الله - تعالى - في البلاد الإسلامية قاطبةً، وبخاصة هذه البلاد الطاهرة في المساجد ، والجامعات ، والمعاهد ، والإذاعات .


فجزى اللهُ - تعالى - القائمينَ على رعايةِ هذا الكتابِ العزيزِ خيرَ الجزاءِ .

وصَلَّى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ ..


__________________________________
([1]) انظر « فتح البارئ » ( كتاب فضائل القرآن ) .