آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
القرآن شريعة تفوق طبيعة التشريع البشري



مرات القراءة:2896    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

 

 

القرآن شريعة تفوق طبيعة التشريع البشري

د.محمود الزين


القرآن معجزة إلهية، ولهذا الإعجاز جهات كثيرة من أهمها الإعجاز التشريعي، وأعني بالتشريع كل الأحكام العملية والاعتقادية، التي كان لها أثر مهم في إسعاد الإنسان على مستوى الفرد والمجتمع والأمة، ولا أعني القوانين القضائية وما يتعلق بالنظم فقط، كما هو الاصطلاح في فقهنا الإسلامي، والدراسات القانونية المعاصرة.

وإذا كانت المعجزة سميت معجزة لأن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها، فمن المهم أن نتبين شيئاً من مستويات المعجزة، حتى يتبين لنا مكان القرآن الكريم من هذه المستويات، فهذه المستويات تجتمع كلها في معنى واحد هو إثبات أن صاحبها الذي ظهرت على يده عاجز عنها بنفسه، هو وكل أمثاله، فلا يمكنه أن يأتي بها لولا عَوْنُ اللهِ تعالى.

وتفترق مستوياتها بين عملٍ يعجز عنه الفرد وتطيقه الجماعة، أو يعجزون عنه في حال ويمكنهم في حال، وبين عمل يعجز عنه جميع البشر مهما امتد الزمان؛ لأنه خارج عن حدود طبيعتهم، بل يعجز عنه كل المخلوقين.

فهناك عمل لا يطيقه إلا من كان من أهل العلم كتفصيلات المسائل العلمية العميقة وتعليلاتها، فهذا حين يأتي به إنسان أمي ـ دون خداع ولا تمويه ـ يقال: إنه جاء بمعجزة تدل على أن الله تعالى أيده.

وهناك أمر تطيقه الجماعة ويعجز عنه الفرد، كما لو استطاع إنسان أن يحمل مئات القناطير حقيقة دون تمويه أو تخييل أو خداع.


وهناك أمر يكون معجزاً في عصر معين، ولا يكون معجزاً في غيره، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قومه بأنه ذهب في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ورجع، فقد اكتفوا منه بوصف المسجد الأقصى، وبالإخبار عن قافلتهم في الطريق؛ لكي يحكموا بأن ما حصل منه خارج عن طاقة البشر، فآمن من آمن ونسبه من جحد إلى السحر، فأجمع الفريقان على أنه أمر غير طبيعي، وتميز أهل الإيمان بنظرة محكمة اعتمدوا فيها على أنه لم يعرف عنه الكذب قط، وأن هذا الذي حصل لا يدخل في نطاق السحر؛ لأن السحر تخييل لا حقيقة، فلم يبق تفسير لما حدث إلا التصديق بالخبر على أنه تأييد من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن واقع الحياة يومئذ كان يقتضي شهرين للذهاب والإياب، ولو ادعى ذلك إنسان في عصرنا لقيل له: إن هذا يمكن أن يحصل بالطائرة، وذلك طبيعي، لا يحتاج إلى خرق لقوانين الطبيعة بعون الله تعالى خصوصية لصاحبه.


وهناك أمر خارج عن إمكانيات الطبيعة البشرية كمعرفة المستقبل البعيد، لاسيما ما كان منه يمتد عبر مئات السنين أو أكثر من ذلك، ومثله ـ بل وأعظم منه ـ وضع نظام للحياة تستمر صلاحيته على امتداد القرون الكثيرة، فهذا ليس مجرد كشف لما يأتي به المستقبل البعيد، بل هو حكم على ذلك المستقبل البعيد بأن أحداثه يصلحها هذا النظام، ويدفع عنها الفساد، وهو أكبر من مجرد الكشف عن حدث مستقبلي أو أحداث عدة. وإعجاز الشريعة القرآنية مع شرحها وهو السنة النبوية ـ إذ كلاهما جاء به إنسان واحد ـ هذا الإعجاز ثابت على كل هذه المستويات، فلو أنه ما استطاع إلا إنسان ضليع في علوم القوانين أن يأتي بمثل شريعة القرآن لكان ذلك كافياً في إثبات الإعجاز القرآني؛ لأن الأمي مهما كان ذكياً عبقرياً لا يمكن أن يأتي بما يستطيعه العالم المتضلع في اختصاصه، وكذلك لو استطاع مجموعة من الاختصاصين المتضلعين أن يأتوا بمثل شريعة القرآن، لظل هذا القرآن معجز؛ لأنه جاء به إنسان أمي، ولكن القرآن حين تحدى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}[الإسراء/88]. فهذا التحدي ليس مقصوراً على فرد ولا جماعة ولا زمان، ومع ذلك جاء الواقع خلال أربعة عشر قرناً يصدقه.


فتعال معي أيها القارئ ننظر في هذه القضية بشيء من التمعن:


القوانين ـ كما هو مشاهد في عصرنا ـ لا يضعها إنسان واحد مهما كان عبقرياً متعمقاً في الدراسات القانونية، إنما تجتمع عليها ـ في الأمم المتقدمة ـ لجان تختص كل لجنة منها بقانون معين: لجنة لأحكام الأسرة ـ أي الأحوال الشخصية ـ ولجنة للقانون المالي، ولجنة للقانون الجنائي، وهكذا ... وتبحث كل لجنة في مراجع اختصاصها والقوانين المتقاربة، فإذا تكوّنت القوانين المقترحة طرحت للمناقشة والتنقيح، ثم تُعتمد بعد ذلك للتطبيق، وتظل أبداً تحت التعديل حسب ما يستجد من المعلومات القانونية، وما يكشفه التطبيق من حاجة إلى الزيادة أو النقصان .. هذا هو حال البشرية حين تضع القوانين . أما أن يجيء إنسان واحد بنظام فيه كل فروع القوانين، حتى العسكرية والدولية، وحقوق الأقليات، وحتى القواعد الدستورية، وحتى قواعد استخراج الأحكام من مواد القانون، وبدون أن تكون عنده أي مراجع، ودون أن يسبق له شيء من الدراسة حتى في أداة العلم الأولى "القراءة والكتابة" ويستمر العمل به مئات السنين دون تعديل، فيعيش الناس بسببه في أمان عظيم، ثم يكون هذا التشريع الذي جاء به معترفاً به لدى الأكاديميات القانونية في العالم، فهذا أمر لا يملك عاقل إلا أن يقر بأنه معجزة إلهية.


وهذا الاعتراف العالمي يظهر في شيئين:


الأول: هو قرارات المؤتمرات القانونية العالمية، كمؤتمر (لاهاي) للقانون الدولي المقارن عام (1938) حيث قرر المجتمعون أن الشريعة الإسلامية تعتبر مصدراً من مصادر التشريع العام، وأنها شريعة حية مرنة قابلة للتطور، وأنها قائمة بذاتها ليست مأخوذة من غيرها، وتكرر هذا في مؤتمر المحامين الدولي في لاهاي عام (1948) وكان من مقرراته: "أنه يجب على جمعية المحامين الدولية أن تتبنى الدراسة المقارنة للشريعة الإسلامية، وتشجع عليها".


ولا بد أن نتذكر وضع البلاد الإسلامية في العامين المذكورين، حيث كانت أكثرية بلاد المسلمين تحت الاستعمار لا تستطيع أن تؤثر على قرارات المؤتمر، بل لا تستطيع أن تنتصف وتأخذ حقها.


الثاني: تلك الشهادات العلمية العليا من درجة التخصص الماجستير إلى درجة الأستاذ "البروفيسور" تمنحها الجامعات حتى في غير العالم الإسلامي لدارسي الشريعة الإسلامية، فلولا أن هذه الشريعة ذات اعتبار علمي محترم لما قبلت الجامعات غير الإسلامية بها، لاسيما في البلاد التي تدين بغير دين الإسلام، هذا الاعتراف وحده كاف في إثبات الإعجاز في التشريع الإسلامي النابع من القرآن الكريم. ولكن الشأن أعظم من الاعتراف وأعجب، فهذه الصلاحية للتطبيق ـ بعد مرور أربعة عشر قرناً على صدوره ـ مخالفة لطبيعة القوانين كلها حديثها والقديم؛ لأنه بقي صالحاً للتطبيق دون أي تغيير في قواعده، بينما القوانين كلها تحتاج للتعديل دائماً، فالظروف تتغير، والعلم يتطور، والأحداث تتجدد، فلا يزال التعديل يستمر حتى يكون الفارق بين القوانين وبين الأصل الذي نشأت منه عظيماً جداً.


وأظهر مثال على ذلك هو القانون الروماني، الذي نشأت منه أكثر القوانين الأوربية، وتفرعت عنه، فلو أن إنساناً قارن اليوم بينها وبينه لما خطر في باله أنه كان أصلاً لها؛ لكثرة الفوارق، وللتغيرات من النقيض إلى النقيض أحياناً كثيرة، فالملك في بعض تلك الأزمان كان فوق القانون، ثم آل أمره ـ في بعض القوانين الحديثة ـ إلى ألا يكون له تدخل في سياسة بلاده، والمجرم يكون محطاً لغضب الأمة ونقمتها ـ في بعض الأزمان ـ ثم يتحول في بعض القوانين المعاصرة إلى مريض يستحق العطف والعلاج بالترفيه، وهذا يبين لنا أن البشر، وإن اجتمعوا لا يمكن أن يأتوا بنظام يصمد لتجدد الأحداث وتغير الأزمان والأوطان ، دون تغيير وتعديل، فهل يمكن أن يأتي إنسان ـ مهما كان عبقرياً، ومهما كان علمه واسعاً ـ بقانون تصمد قواعده لتحديات الزمان، واختلاف الأمم والأوطان، ويظل صالحاً للعمل به، فيسعد الناس في ظله بالأمان ؟ فكيف يمكن أن يأتي به إنسان أمي، لولا أنه أنزله عليه رب السموات والأرض مدبر الأحداث ومقلب الأزمان؟! وكما صمد هذا التشريع لتقلبات الزمان صمد لاختلافات المكان، وافتراق طبائع الإنسان، فوجّه الحياة في قلب الصحراء العربية، وفي أفريقية، وفي الهند، وفي ممالك فارس، وفي جنوب أوربا، فسار بها إلى ربوع الأمن والإخاء، دون أن يحتاج إلى أي تعديل في قواعده، وهذا أيضاً على خلاف طبائع القوانين، فما من قانون طبق في غير منشئه إلا احتاج إلى تعديلات كثيرة، كما هو الحال في القانون الفرنسي أو الإنكليزي، اللذين طبقا في المستعمرات، أو البلاد التي تتبعهما في ثقافتها، وكما كان شأن الاشتراكية حيثما دخلت من البلاد في القرن العشرين، إلا شريعة القرآن لم تحتج إلى شيء من التعديل، رغم سعة البلاد التي حكمت فيها، وتنوع الشعوب التي دانت بها، أفيملك بشر أن يعرف طبائع كل الأمم، ويقدر ما يصلحها من القوانين، وهو لم يخرج من بلاده، ولا عرف شيئاً عن تلك البلاد، لولا أنه أيده الخلاق العليم الخبير؟!


ولم يستغن هذا التشريع عن التطوير فقط، بل كان يسمو دائماً فوق كل انتقاد، فلا يتوجه إليه أحد بنقد ويوضع نقده في موازين العلم والإنصاف إلا تبين أن الحق في تشريع القرآن، وأن النقد كان وهماً أو تزويراً، ولعل الذين عاصروا المد الاشتراكي في أواسط القرن العشرين يذكرون حملات النقد التي وجهها إليه المفتونون بالاشتراكية، ثم تآكلت الاشتراكية بالنقد الذاتي والداخلي، وفشل التطبيق حتى لفتها الأكفان، وأفناها دود القبور، ولم يبق منها إلا نقائضها التي يصر المتعصبون لها على تسميتها الاشتراكية عناداً. وأمثال هذه الهجمات كثير يعرفه ويعرف مصيره أهل العلم والإنصاف. وكذلك يذكر كل مثقف انتقادات ما يسمونه عالم الحرية في الغرب، وكيف دمرتهم تلك الحرية الهوجاء، فراحوا يضعون عليها قيوداً بعد قيود، ولا يزال فسادها غير محدود. وفوق هذا كله فإن نجاح التشريع القرآني حيث فشلت القوانين كلها معجزة تفوق كل مستوى سبق ذكره، فقد نجح قديماً في حل مشكلات اجتماعية تستعصي اليوم على أحدث القوانين في أقوى الدول وأغناها، وأكثرها علماً وسيطرة على الإعلام، نجح في إلغاء شرب الخمر، وعجز العالم الحديث عن ذلك، وعن التخلص من المخدرات وهي أخت الخمر، ونجح في إلغاء الزنا، وإنشاء المجتمع الطاهر الذي يستحيل أن ينتشر فيه مرض الإيدز وأخواته، وعجز العالم الحديث كله بقوانينه وعلومه وأجهزة إعلامه، ونجح في إلغاء وجود الفقر حيث عجزت كل الأمم الغنية والفقيرة، نجح كثيراً وفشلوا كثيراً، ومع ذلك نجد الناس حتى المسلمين غافلين عن العظمة الإصلاحية فيه، غافلين عن ذلك التحدي الذي لا زال يتكرر على الأسماع {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} [الإسراء/88] ألا ينتبهون إلى ذلك الوعد الكريم الذي صدقه واقع الحياة: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه/123]؟.