آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    القرآن والحديث الشريف   القرآن وعلومه
علوم القرآن الكريم



مرات القراءة:4866    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

  

 علوم القرآن الكريم

إعداد الشيخ: أمين محمد يوسف *

 

 

 

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على عبده وخاتم رسله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

** معنى علوم القرآن: هو مركب إضافي يتكون من كلمتي: (علوم) و (قرآن).

ـ أما (العلوم): فهو جمع (علم ) والعلم في اللغة: مصدر بمعنى الفهم والمعرفة.

وفي الاصطلاح: اختلف فيه باختلاف الاعتبارات الملحوظة. فللشرعيين تعريف، ولعلماء الكلام تعريف، وللفلاسفة والحكماء تعريف ثالث.

والمراد هنا: هو جملة من المسائل المضبوطة بجهة واحدة، سواء كانت وحدة الموضوع أم وحدة الغاية. وغالباً ما تكون مسائل كلية نظرية.

ـ وأما (القرآن): ففي اللغة اختلف فيه العلماء من جهة اشتقاقه أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزاً أو غير مهموز، ومن جهة كونه مصدراً أو وصفاً.

** فمن جهة كونه مهموزاً فعلى قولين:

1ـ إما أن يكون مصدراً من قرأ بمعنى تلا، ثم سمي به الكلام المنزل على نبينا محمد r من باب تسمية المفعول بالمصدر.

2ـ وإما أن يكون وصفاً مشتقاً من ( القَرْء ) بمعنى الجمع، يقال: قرأت الماء أي جمعته. وسمي به القرآن لجمعه السور والآيات.

** ومن جهة كونه مهموزاً، فقال بعضهم: مشتق من: قرنت الشيء بالشيء: إذا ضممت أحدهما إلى الآخر وسمي بالقرآن لقرن السور والآيات.

وقال بعضهم: هو مشتق من: القرائن لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضاً وهي قرائن أي أشباه ونظائر.

وأما تعريف القرآن عند الأصوليين والفقهاء وأهل العربية: فهو كلام الله المنزل على نبيه محمد r المعجز بلفظه، والمتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.

 

** تعريف علوم القرآن بالمعنى الإضافي:

علوم القرآن هي: كل المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن، وجمع لفظ علوم ولم يفرد لشموله على كل علم يبحث في القرآن من أي ناحية من نواحيه المتعددة، فيشمل بذلك: علم التفسير، وعلم الرسم وعلم القراءات، وعلم غريب القرآن، وعلم إعجاز القرآن، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم المحكم والمتشابه، وعلم إعراب القرآن، وعلم مجاز القرآن، وعلم أمثال القرآن، إلى غير ذلك من العلوم الكثيرة التي توسع العلماء في بحثها. و أشهر أسماء القرآن أربعة: 1ـ القرآن 2ـ الكتاب 3ـ التنزيل 4ـ الذِّكر.

 

** معنى علوم القرآن في الاصطلاح:

هو علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم.

 

** موضوع علوم القرآن:

هو القرآن الكريم من حيث جمعه وتفسيره ورسمه وقراءاته ومكيه ومدنيه...إلخ

 

** فضله وفائدته:

هو أفضل العلوم لارتباطه بالقرآن الكريم، ولأنه يُعنى بكل ما يتعلق بالقرآن تاريخاً وتفسيراً وبلاغاً وإعراباً وقراءات وإعجازاً وأحكاماً ...إلخ، وفائدته:

أـ يساعد علم (علوم القرآن) على دراسة القرآن الكريم وفهمه حق الفهم واستنباط الأحكام والآداب منه فهو مفتاح الدخول لجميع جوانب القرآن الكريم، وقد قال الإمام السيوطي رحمه الله في مقدمة كتابه الفذ (الإتقان): ولقد كنت في زمن الطلب أتعجب من المتقدمين إذ لم يدونوا كتاباً في أنواع علوم القرآن كما وضعوا ذلك بالنسبة إلى علم الحديث.

ب ـ إن الدارس لهذا العلم يتسلح بسلاح قوي ضد هجمات أعداء الإسلام التي شنوها ويشنونها على القرآن الكريم زوراً وبهتاناً، وما يثيرونه بين الفينة والأخرى من شبهات ضالة مضلة للتشكيك في كتاب الله تعالى، ولا يخفى أن الدفاع والمنافحة عن كتاب الله من أوجب الواجبات.

ج ـ إن الدارس لهذا العلم يحظى بثقافة واسعة فيما يتعلق بالقرآن الكريم وإذا كانت العلوم ثقافة للعقول وإصلاحاً للقلوب وتهذيباً للأخلاق وإصلاحاً للنفوس، و الأكوان، وعنواناً للتقدم والرقي، وباعثة للنهضات، ففي القمة يكون علم (علوم القرآن الكريم).

** تاريخ علوم القرآن:

مَرّ (علوم القرآن) منذ بداية نزول القرآن الكريم وإلى يومنا هذا بمراحل متعددة.

 

أ ـ قبل عصر التدوين:

كان القرآن ينزل على النبي r على حسب الوقائع والحوادث وحاجات الناس، وقد تكفل الله تعالى لنبيه r أن يقرئه القرآن ويفهمه معناه، قال تعالى:] لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19}[ القيامة.

ثم بلغ الرسول r ما أنزل عليه لأصحابه فقرأه عليهم على تؤدة وتمهل ليحفظوه، ووضح لهم معانيه ليفهموه ويقفوا على أسراره، وشرحه لهم بأقواله وأفعاله وتقريراته وأخلاقه. قال تعالى: ] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {44} [ النحل.

وقد حرص الصحابة رضي الله عنهم على حفظه وفهم معانيه وأحكامه، وكانوا يتفاوتون في حفظه، وكانوا على درجات في ذلك، وكان منهم علماء تميزوا في حفظه وفهمه كالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود t وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد كان ابن مسعود t من أعلم الصحابة بعلوم القرآن  روى البخاري رحمه الله بسنده أن ابن مسعود قال: والله الذي لا إله غيره ما من آية من كتاب الله إلا وأعلم أين نزلت، وفيم نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه المُطِيّ لركبت إليه.

ثم بلّغ الصحابة رضي الله عنهم ما حملوه عن النبي r من تفسير للقرآن وعلومه، وما فهموه منه باجتهادهم إلى من جاء بعدهم من التابعين، وبلّغه التابعون إلى من جاء بعدهم، فقد كان المعول عليه في القرون الأولى في علوم القرآن وكذلك الحديث وعلومه هو الرواية والتلقي من الغير والمشافهة، لا على الخط والكتابة كما هي في المصحف، وقد استمر على هذا الحال إلى أن جاء عصر التدوين.

ب ـ عصر التدوين:

لم تكن العلوم والمعارف مدونة قبل عصر التدوين، فلما جاء عصر التدوين وكان ذلك أيام الأمويين دونت المعارف والعلوم في الصحف والسطور بعد أن كانت مقيدة محفوظة في الصدور، ومن جملة هذه العلوم (علوم القرآن) فلم يكن مدوناً منها إلا موضوعها وهو القرآن الكريم

ومن الطبيعي أن يكون أول ما يدون من علوم القرآن هو علم التفسير إذ هو الأصل في فهم القرآن وتدبره، وعليه يتوقف استنباط الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام.

وكان من أوائل من ألف في تفسير القرآن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ومقاتل بن سليمان، وكانت تفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، ثم تلاهم محمد بن جرير الطبري فألف تفسيره المشهور، وهو من أجل التفاسير وأعظمها، ثم تتابعت كتب التفاسير بقسميه المأثور وغير المأثور.

 

** من مواضيع علوم القرآن:

ونجد لزاماً علينا أن نقف مع علوم القرآن وقفات سريعة وعاجلة.

1) أسباب النزول:

وقد أفرده بالتأليف كثير من العلماء، منهم على بن المديني شيخ البخاري والواحدي والسيوطي وغيرهم.  ومعرفة سبب النزول توصلنا إلى المعنى الصحيح للآية وتبين لنا الحكمة الباعثة عليه، وقد يكون لفظ النص عاماً إلا أن الدليل يقوم على التخصيص، فنحتاج إلى معرفة سبب النزول لمعرفة تخصيص العام. كما نحتاج إلى معرفة أسباب النزول لإزالة بعض الإشكالات.

 

2) علم المناسبات بين الآيات:

أي معرفة الرابط الذي يضم هذه الآية إلى التي تليها، وهذه السورة إلى ما بعدها، وذلك ولا شك ـ كما يقول الزركشي ـ علم شريف تُحزَرُ به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول.

وقد أفرده بالتصنيف أبو جفعر بن الزبير في كتابه: (البرهان في مناسبة ترتيب سورة القرآن). كما ألف فيه البقاعي كتابه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور).

قال الشيخ أبو الحسن الشهراباني: أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ـ ولم نكن سمعناه من غيره ـ الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب. وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه الآية: لم جُعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة من جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟

 

3) علم المتشابه:

 وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة ويكثر ذلك في ايراد القصص والأنباء مثل معرفة الحكمة من الفرق بين قوله تعالى: ]وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ[ في البقرة (58) وقوله:] وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا[ في الأعراف  (161). ونحو ذلك وهو أنواع كثيرة.

وقد صنف فيه جماعة من العلماء منهم السخاوي في منظومته هداية المرتاب في المتشابه. وصنف في توجيهه أبو القاسم الكرماني تاج القراء كتابه البرهان في متشابه القرآن، وصنف فيه الرازي كتابه: درة التنزيل وغرة التأويل.

 

5) علم المبهمات:

أي مالم يذكر اسمه في الآية ولم يحدد ـ إن لم يكن مما استأثر الله بعلمه ـ مثل معرفة أي مسجد قصده الله بقوله: ]لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى[ (التوبة/108) ومعرفة الصحابي المقصود بقوله سبحانه: ] الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى[ (الليل/18ـ19) وهذا الصنف كثير في كتاب الله، وهو علم لطيف لا يعلمه كثير من الناس... وقد صنف فيه عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي كتابه: التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام ، وكذلك فعل ابن عساكر في كتابه التكميل والإتمام وغيرهما.

 

6) علم أسرار الفواتح والسور:

وقد افتتح سبحانه وتعالى سور القرآن العزيز بعشرة أنواع من الكلام، منها الثناء عليه، وحروف الهجاء، والنداء، والقسم، والجمل الخبرية، والشرط، والأمر، والاستفهام، والدعاء، والتعليل.  وقد ألف في هذا العلم ابن أبي الأصبع كتابه الخواطر والسوانح في أسرار الفواتح. ونقل عنه السيوطي في الاتقان... ومن هذا النوع من علوم القرآن يلغز بالنسبة لسور القرآن المائة والأربع عشر فيقال: ما شيء إذا عددته زاد على المائة وإذا عددت نصفه كان دون العشرين... إذ لا شك أن نصف القرآن الأول يحتوي على ثماني عشرة سورة فقط.

 

7) علم المكي والمدني :

وفائدته معرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة المخاطبين بالآيات ونحو ذلك.

وقد اختلف العلماء في تعريف المكي والمدني. فمن قائل المكي: هو ما نزل بمكة، والمدني: ما نزل بالمدينة. ومن قائل: المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، وآخرون قالوا: المكي ما جاء خطاباً لأهل مكة، والمدني ما وقع خطاباً لأهل المدينة. ومعرفة ذلك إما عن طريق النقل والسماع، أوعن طريق القياس على القواعد... وهناك مسائل كثيرة ملحقة بالمكي والمدني كمسألة ما نزل في غير مكة والمدينة، ومسألة ما أشبه القسم الآخر وهو ليس منه، ومسألة ما نزل من القرآن ليلاً أونهاراً، ومسألة ما نزل من القرآن مشيعاً ومحفوفاً بالملائكة تكريماً له وتشريفاً.

 

8) علم معرفة على كم لغة أُنزل:

فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: (أقرأني جبريلُ على حرف فراجعته ثم لم أزل استزيده فيزيدني حتى انتهى على سبعة أحرف). وفي حديث آخر (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) "متفق عليه"... وفي معنى سبعة أحرف أقوال للعلماء كثيرة أهمها وأقواها أنها سبع لغات لسبع قبائل من العرب. أي نزل القرآن بعضه بلغة قريش، وبعضه بلغه هذيل، وبعضه بلغة تميم، وبعضه بلغة أزد وربيعه، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وهكذا .

روى الترمذي عن أبي بن كعب أنه: لقي رسولُ الله r جبريلَ. فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمةٍ أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط. فقال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.

 

9) ومن علوم القرآن ما يتعلق بجمعه وحفظه:

أما حفظه في الصدور ـ وهو السابق زمناً وواقعا ـ فقد كان كثير من الصحابة رضوان الله عليهم يحفظونه كاملاً بالتلقي عن رسول الله r. وأما حفظه في الألواح والعظام ونحو ذلك فقد كان محفوظاً كاملاً فيها، لكنه كان متفرقاً بين أيدي صحابة النبي r إلا أن كل قطعة من القرآن كان يحفظها جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر.

عن ابن عباس t قال: كان رسول الله r يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول:  " ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" (رواه أحمد عن عثمان r).

 

10) علم إعراب القرآن الكريم:

 وقد عني العلماء بذلك عناية فائقة لما للإعراب من علاقة بتحديد المعنى.

وممن ألف في إعراب القرآن الكريم الإمام الحوفي في كتابه: (البرهان في تفسير القرآن). ومكي بن أبي طالب في كتابه: (المشكل في إعراب القرآن). والعكبري في كتابه (إملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في القرآن) وأبو حيان النحوي في كتابه ( البحر المحيط).

وإعراب القرآن ومعرفة أحكام ذلك من جهة إفرادها وتركيبها فن عظيم وعلم واسع، تقصر عنه همم العلماء، وتنقطع دونه أعناق الإبل كما أن له آداباً وضوابط.

 

11) علم معرفة الوقف والابتداء:

وهوـ كما يقول الزركشي ـ فن جليل وبه يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة وبه تبيّن معاني الآيات، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات.

 وقد بين أبو بكر بن مجاهد شرائط متقن هذا العلم بقوله: لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوي عالم بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص، وتخليص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن .. وقد عني العلماء بهذا العلم من علوم القرآن فها هو الزجاج يصنف فيه كتابه (القطع والاستئناف) وكذلك الداني فعل في كتابه ( الاكتفاء في الوقف والابتداء). ومثلهما فعل العماني وابن الأنباري وابن عباد.

 

12) علم مرسوم خط القرآن الكريم:

وبه يعرف كيف تكتب كلمات القرآن تبعاً لخط المصحف الإمام أي خط مصحف عثمان..

ولقد أثر أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في كتابة التابوت (البقرة/248)، فقال زيد: اكتبوها التابوه بالتاء المربوطة، وقال النفر القرشيون: بل تكتب (التابوت) بالتاء المفتوحة، وترافعوا إلى عثمان رضي الله عنه فقال : اكتبوا التابوت، فإنما نزل القرآن على لسان  قريش. ( رواه البخاري وغيره عن أنس t).

ولذلك فكتابة بعض الكلمات في المصحف قد تزاد فيها حرف الألف مثل: ]لاأَذْبَحَنَّهُ[(النمل/21)  أو الياء مثل: ]وَإِيتَاءي ذِي الْقُرْبَى[(النحل/90) أو الواو مثل: ]سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ[(الأعراف/145). أوقد تحذف منها الألف مثل: ]بِسْمِ اللهِ[ (الفاتحة/1) أو الواو مثل: ]وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ[(الشورى/24) أو الياء مثل: ]وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[(البقرة/40).

 

13) علم معرفة فضل القرآن عموماً، وفضل الآيات التي وردت فيها نصوص معينة:

ورد مثلاً في فضل آية الكرسي. ] اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم ُ[ (البقرة/255) في الصحيحين من حديث أبيّ بن كعب t قال لي رسول الله r: أي آية في كتاب الله أعظم. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " يا أبيّ !  أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: قلت: ] اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم ُ[ قال فضرب في صدري وقال ليهنِك العلم أبا المنذر ". وكذلك ورد في فضل سورة الفاتحة وسورة البقرة وسورة يس وسورة الإخلاص.

ومن هذا العلم معرفة أي آية في كتاب الله أرجى، وأي آية في كتاب الله أخوف.

 

14) علم معرفة الأمثال الكائنة في القرآن الكريم:

قال الزركشي: وقد عده الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن، فقال ـ أي في معرض سرده لشروط المجتهد ـ قال: ثم معرفة ما ضَرَب فيه من الأمثال الدوالّ على طاعته المثبتة لاجتناب معصيته...

وقد صنف فيه من المتقدمين الحسن بن الفضل وغيره.

ويكفي هذا العلم مزية وتفخيماً قوله سبحانه ]وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[ (العنكبوت/43). وقد أتت أمثلة القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره.

روى البيهقي عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال : " إن القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، ومحكم ، وحرام، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال ".

 

15) علم معرفة موهم المختلف:

أي ما يوهم التعارض بين آياته وهو ليس كذلك، لأن كلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف. قال تعالى ]وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيراً[(النساء/82). وإنما يحتاج المبتدئ إلى معرفة ما يزيل وهمه أول الأمر.

وقد ألف في هذا العلم أبو على محمد بن المستنير كتاب: ( الرد على الملحدين في تشابه القرآن).

وقد حكى أبو العباس بن سريح قال: سأل رجلُُ بعض العلماء عن قوله تعالى: ]لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ[(البلد/1) فأخبر سبحانه أنه لا يقسم بهذا البلد، ثم أقسم به في قوله: ]وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ[(التين/3) فقال ابن سريح: أي الأمرين أحب إليك؛ أجيبك ثم أقطعك؟ أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: بل اقطعني ثم أجبني. قال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله r بحضرة رجالٍ وبين ظهراني قومٍ، وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزاً، وعليه مطعناً، فلو كان هذا عندهم مناقضة لعلّقوا به وأسرعوا بالرد عليه. ولكنّ القوم علموا وجهلتَ، فلم ينكروا ما أنكرت. ثم قال: إن العرب قد تدخل " لا" في أثناء كلامها وتلغى معناها.

 

** من أهم مؤلفات علوم القرآن:

أول ما كتب في علوم القرآن كفن مستقل كان في القرن السادس الهجري على يد أبي الفرج بن الجوزي على ما ذكره السيوطي في مقدمة كتاب ( الإتقان )  ولكن الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة صاحب كتاب المدخل لدراسة القرآن الكريم ص35 ذكر أنه وقف على مؤلف سبق ما ألفه ابن الجوزي وهو بعنوان (مقدمتان في علوم القرآن) طبع في عام 1954م وإحدى هاتين المقدمتين لمؤلف لم يعرف لفقدان الورقة الأولى من المخطوطة الموجودة في دار الكتب ببرلين تحت رقم 103، إلا أنه ذكر في الصحيفة الثانية منها أنه بدأ في تأليف كتابه سنة 425هـ وقد بلغت هذه المقدمة مائتين وخمسين صحيفة وهي متميزة بقوة الحجة ونصوع البيان، مما يلقي ضوءاً على أن المؤلف من علماء الأندلس.

ويرى الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله في كتابه القيم (مناهل العرفان) أن هذا الاصطلاح (علوم القرآن) ظهر في مستهل القرن الخامس على يد (الحوفي) المتوفى سنة 430هـ في كتابه (البرهان في علوم القرآن).

وأيا كان من الأقوال هو الصواب، فالعبرة أن مصطلح (علوم القرآن) يعتبر من أوائل علوم الدين لارتباطه الوثيق بالقرآن الكريم.

 

 

** ومن أهم المؤلفات القديمة في علوم القرآن بحسب الأقدمية:

1ـ كتاب (فنون الأفنان في علوم القرآن للإمام أبي الفرج ابن الجوزي).

2ـ كتاب (المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن) لابن الجوزي.              

3ـ كتاب ( جمال القرآن ) للشيخ علم الدين علي بن محمد السخاوي

4ـ كتاب ( المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز ) للعلامة عبدالرحمن المقدسي المعروف بأبي شامة.

5ـ كتاب ( البرهان في علوم القرآن ) للإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي وهو من أجل الكتب.

6ـ كتاب ( رسالة في أصول التفسير ) للإمام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني.

7ـ كتاب ( مواقع العلوم من مواقع النجوم ) للإمام جلال الدين البلقيني.

8ـ كتاب ( التحبير في علوم التفسير ) للإمام جلال الدين السيوطي.

9ـ كتاب ( الإتقان في علوم القرآن ) للإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله، وهو أعظم كتاب في علوم القرآن  .

** من المؤلفات في العصر الأخير:

1ـ كتاب ( التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن ) للعلامة الشيخ طاهر الجزائري.

2ـ كتاب ( علوم القرآن ) للشيخ محمود أبو دقيقة من كبار علماء الأزهر.

3ـ كتاب ( منهج الفرقان في علوم القرآن ) للشيخ محمد علي سلامة.

4ـ كتاب ( مناهل العرفان في علوم القرآن ) للعلامة الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني.

5ـ كتاب ( المدخل لدراسة القرآن الكريم ) للشيخ الدكتور محمد أبو شهبة.

6ـ كتاب ( مباحث في علوم القرآن الكريم ) للشيخ مناع القطان.

وفي ختام الحديث عن علوم القرآن الكريم، التي هي بمثابة حصونٍ لحمايته، وأدواتٍ لفهمه ووسائل لدعوته، نعود فنذكر أننا لم نستعرض إلا طرفاً، ولم نذكر إلا حرفاً... فسبحان من جعل القرآن العظيم بحراً لا ساحل له، ولا نهاية لأعاجيبه، ولا مطمح للأنفس في بلوغ قعره                                  

       إعداد الشيخ/ أمين محمد يوسف

    المراجعة العلمية للشيخ/ عبدالله نجيب سالم

   الكويت 4 من رمضان 1427هـ  26/9/2006م

*ليسانس في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر، وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة  الكويت.