المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل صحيح أن باب الاجتهاد قد أغلق ؟



د.أبوأسامة
20-Sep-2007, 10:28 PM
هل صحيح أن باب الاجتهاد قد أغلق؟

وهل الاجتهاد له باب ؟

الذي أعلمه أن الاجتهاد له شروط وليس له باب !

متى تحققت هذه الشروط بغض النظر عن الزمان والمكان يجتهد المسلم، ومتى تعطلت أو تخلفت هذه الشروط فيحرم على الإنسان أن يجتهد.

فما رأيكم أحبابي ؟؟

فياض العبسو
21-Sep-2007, 12:29 AM
نعم أخي الكريم ... كلامك صحيح ... باب الاجتهاد مفتوح لمن وجدت فيه شروط المجتهد ... وأهلية الاجتهاد ...

والاجتهاد أنواع كثيرة ... فهناك مجتهد مطلق ... ومجتهد مذهب ... ومجتهد فتوى ... ومجتهد ترجيح ... وغير ذلك ...

ولكن للأسف الشديد ... أن بعض الناس اليوم يجتهدون وهم ليسوا أهلاً للاجتهاد أبداً ... دون محاسبة لهم من أحد ...

فضلوا وأضلوا وأخطأوا وما أصابوا ... وضيعوا وحيروا الناس ... ولا حول ولا قوة إلا بالله ...

د.أبوأسامة
21-Sep-2007, 12:58 AM
الأخ فياض العبسو

بارك الله فيك

الوقائع التي تنزل بالأمة لا حد لها، والنصوص من الكتاب والسنة محدودة، فلا جواب على هذه الوقائع التي لا حد لها إلا بالاجتهاد، ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على دين الله حتى قيام الساعة، وما من نازلة من النوازل إلا ولها حكم شرعي، وكما هو الراجح عند علماء الأصول ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لأن العصابة والفئة الظاهرة قائمة حتى قيام الساعة.
إذن القول بأن باب الاجتهاد مغلق، قول فاسد ، وهناك أحكام كثيرة ونوازل عديدة لا نعرف لها حكماً وكفى [بذلك] شراً وفساداً.

والراجح عند الأصوليين أن الاجتهاد يتجزأ، فقد يجتهد الإنسان في مسائل دون مسائل، فالاجتهاد أقسام وتجزؤه ممكن، وفيما يذكر، أن أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ، وأعلم الناس بالفرائض زيد، وأعلم الناس بالقضاء علي رضي الله عنهم جميعاً، وهكذا، فهذا فيه إشارة إلى تجزؤ الاجتهاد، فقد يكون الإنسان مجتهداً في باب دون باب، لكن المسألة الواحدة لا يتصور أن يجتهد الإنسان فيها بمعزل عن نظائرها، في فنها وفي بابها، فالاجتهاد في الباب أدق وأحسن من الاجتهاد في المسألة.

أبوأيمن
21-Sep-2007, 02:45 PM
أخي الكريم :
لقد ظلت حرية الإجتهاد سائدة حتى أواخر القرن الرابع الهجري. وتضافرت عدة أسباب اقتضت غلق باب الإجتهاد.
وتم ذلك عن طريق الإجماع السكوتي من جانب فقهاء أهل السنة مماترتب عليه التزام القضاة بالرجوع إلى آراء المذاهب
الأربعة .
ومن أسباب قفل باب الإجتهاد:
1- جمود الفقه : فلقد مرت الأمة بمرحلة من الضعف أدت إلى تفككها وتجزئتها فانعكس أثر ذلك على الفقه فاستكان بعض الفقهاء إلى ماخلف أئمة المذاهب الأربعة ولم يحاولوا الإبتكار والإبداع لإنهم وجدوا مايكفي لمواجهة مايجد في المجتمع من مشاكل فلم يظهر مجتهدوم يدانون مرتبة الأئمة الأربعة وتلاميذهم .
2- فوضى الإفتاء . فلقد تراكمت الآراء والفتاوى المتعارضة وتصدى للإفتاء من هم غير أهل له فتحير الناس والقضاة في أ ي الفتاوى يأخذون وأيها يتركون فلم يجد أهل العلم والفقه من سبيل امامهم لتجني فوضى الإفتاء في وقت عز فيه المجتهدون سوى قفل باب الإجتها والإلتزام بالأئمة الأربعة وكان ذلك أواخر القرن الرابع الهجري . وهذه المعاني عبر عنها ابن خلدون في مقدمته ص 1016

د.أبوأسامة
21-Sep-2007, 07:49 PM
أخي صدى الدار

شكراً لهذه الإضافة

ولكن يلزم ذلك فساد كبير ، فهناك أحكام كثيرة ونوازل عديدة لا نعرف لها حكماً فماذا نفعل ، وكيف السبيل ، هل نترك الناس يتخبطون في الحرام ؟!

القول بأن باب الاجتهاد قد أغلق ـ كما قال ابن خلدون رحمه الله تعالى ـ يشبه مقولة رددها ابن الصلاح رحمه الله، فذكرها في كتابه " علوم الحديث" زعم فيها أن باب التصحيح والتضعيف لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ منها، فلا يوجد في زمن ابن الصلاح رحمه الله وما بعده من يصحح ومن يضعف .

ولكن العلماء لم يقبلوا مقولته هذه، ورد غير واحد عليه؛ منهم:

ابن حجر رحمه الله تعالى في "النكت على ابن الصلاح"

والزركشي رحمه الله تعالى في "النكت على ابن الصلاح"

بل صنف السيوطي رحمه الله تعالى ، رسالة مفردة في الرد على ابن الصلاح، في دعواه هذه، وسماها"التنقيح في الرد على مسألة التصحيح"

فإذن الاجتهاد له شروط وليس له باب وإن وجد هذا الباب فهو مفتوح وليس مغلق، متى تحققت بغض النظر عن الزمان والمكان يجتهد المسلم، ومتى تعطلت أو تخلفت هذه الشروط فيحرم على الإنسان أن يجتهد، والله أعلم.

أبوأيمن
22-Sep-2007, 01:52 AM
أخي الكريم كلام ابن خلدون في المقدمة واضح فهو بين أن الإحتهاد الكلي الذي تعلم شروطه أغلق لفقدان من تتوافر فيه هذه الشروط . والله أعلم

الخنساء
22-Sep-2007, 05:11 PM
الحاجة إلى الاجتهاد

هناك حاجة دائمة إلى الاجتهاد ولاسيما في العصر الحاضر، بسبب تجدد مشكلات الحياة وتعقدها، وتطور أنظمتها، واستحداث عقود في المعاملات تحقق المصلحة وتمنع الضرر. والاجتهاد حياة التشريع، فلا بقاء لشرع ما لم يظل الاجتهاد فيه قائماً موجوداً، ومتفاعلاً مع أحوال المجتمع، ضماناً لحيوية الفقه، ومرونة التشريع، وتحقيق الغاية المنشودة التي راعاها التشريع في إباحة العقود، وهي رعاية المصالح، ومنع الأضرار.

والاجتهاد أصل من أصول الدين، وفرض من فرائضه التي تثبت حيوية الشريعة وقدرتها على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلات الحياة المتجددة. ويكفينا دلالة عنوان هذا الكتاب على المطلوب للإمام السيوطي في القرن العاشر الهجري وهو: «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».
فماذا حدث في حركة الاجتهاد، وهل أغلق بابه، أو أن بابه مفتوح؟

إغلاق باب الاجتهاد ومسوغاته

ظل الاجتهاد مزدهراً طوال القرون الأربعة الهجرية الأولى، في عصر الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب والاجتهاد، أنتج المجتهدون خلالها ثروة خصبة لا مثيل لها في التاريخ، وكانوا في كل هذه العهود مثال التفتح والحيوية والمرونة، والتجاوب مع تطورات الحياة وتجدّد الوقائع، واتساع رقعة البلاد الإسلامية.

ثم انقسمت الدولة الإسلامية في القرن الرابع الهجري إلى دويلات وممالك، وكثرت الفتن السياسية في داخل الدولة، وضعفت الدولة ذاتها في السياسة، وظهرت الفرق والأحزاب، وبرزت التيارات الهدامة والدعوات الخطيرة التي أرادت زعزعة الإسلام وبنيته، مما أدى إلى انعدام الاستقرار وضعف الاستقلال الفكري، وجمود النشاط العلمي، وكثرة الجدل والمناظرة، والوقوع في دائرة التعصب المذهبي، وفقدان الثقة بالنفس، وابتلي الناس بقضاة غير أكفياء.

فخاف العلماء المخلصون من هذه الظواهر المرضية ومن ضعف الوازع الديني، فنادوا بسد باب الاجتهاد وإغلاقه، منعاً من تصدي فئة للاجتهاد والاستنباط ليست أهلاً له، ورأوا التقيد بما قرره أئمة الاجتهاد السابقون. فبعد أن كان الخليفة يختار قضاته من المجتهدين، أصبح القضاة يُولَّون من أتباع مذهب معين، وأُقفل باب الاجتهاد بعد الأربعمئة، ولكن ظل في الواقع علماء لهم قدرة على الاجتهاد، إذ لم يخل عصر من العصور من مجتهد يبين للناس أحكام شريعة الله.

ولم يكن ترك الاجتهاد دفعة واحدة وإنما كان تدريجياً، فقد كان لكثير من فقهاء المذاهب اجتهادات رائعة ذات تخريجات جديدة، لكنهم أخفوا أنشطتهم، مراعاة لما ساد من إقفال باب الاجتهاد، وذلك مثل الغزالي وابن تيمية وابن القيم والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن سيد الناس وزين الدين العراقي وابن حجر العسقلاني والسيوطي.

وظل هذا الحال إلى عصرنا الحاضر عصر التقليد واتباع المذاهب في القرن الثالث الهجري، وصاحب هذا الجمود والتعصب المذهبي مرحلة الخلافة العثمانية، مع ظهور أعلام وصلوا إلى رتبة الاجتهاد، كالدَّهْلوي (1166هـ) والشوكاني (1255هـ) وبدأ جمال الدين الأفغاني بالدعوة إلى الاجتهاد، واستمر أتباعه في الدعوة إليه، ونشطت حركة الاجتهاد في رحاب الجامعات وبين أساتذتها، ولكن من دون وجود جرأة كافية على مخالفة المذاهب.

فتح باب الاجتهاد

الحق أن إغلاق باب الاجتهاد كان من قبل السياسة الشرعية التي تعالج شأناً خاصاً، أو أمراً مؤقتاً، أو فوضى اجتهادية قائمة بسبب ادعاء غير الأكفياء الاجتهاد.

فإذا زال الظرف الموجب، وجب العود إلى أصل الحكم الشرعي المقرر في نصوص الشريعة وأصولها، ولدى الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب أنفسهم، فليس هناك دليل واحد مقبول على سد باب الاجتهاد.

ولا يصح خلو العصر من وجود مجتهد تتوافر فيه شروط الاجتهاد، لبيان أحكام الشريعة للناس، واستجابتها لمعرفة حكم الله في الوقائع المتجددة في كل زمان ومكان، ولو خلا عصر من مجتهد، لأفضى ذلك إلى تعطيل الشريعة، وعدم إمكان تطبيقها في مستجدات الوقائع.

لذا ألَّف السيوطي كتابه المشار إليه سابقاً لبيان بقاء فرضية الاجتهاد، وحكم الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» بعصيان أهل العصر بأسرهم إذا قصروا في القيام بهذا الفرض، وأقام على فرضيته دليلاً عقلياً قطعياً لا شبهة فيه وهو أن الحوادث والوقائع متجددة غير متناهية، والنصوص متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاجتهاد في دائرة المعاملات والتصرفات. ورأى الإباضية أن الاجتهاد عنصر ضروري يتطلبه صلاحية التشريع لكل زمان ومكان وأن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه.

وكذلك رأى الزيدية ضرورة بقاء الاجتهاد في الفروع لاستنباط حكم ما جدّ من مسائل أو تخير حكمه من أقوال المذاهب الأخرى بعد دراسة وتأمل في الدليل واقتناع به، ويلزمون المفتي أن يفتي دائماً باجتهاده.

وقال الشيعة الإمامية: إن باب الاجتهاد مفتوح بل هو عامل ضروري للحياة التشريعية والمجتهد لا يتبع غيره في اجتهاده لا في الأصول ولا الفروع, وإنما هو تابع للإمام المعصوم، ولا يجوز تقليد الأموات، وإنما أخذ الأحكام عن طريق المجتهدين الأحياء، ولكن بعد غيبة الإمام تبدل الأمر، ففتح علماء الشيعة أبواب الاجتهاد المطلق، وأصبح لكل مجتهد رأيه الخاص، ولا يعبر مجتهد عن مجموع المجتهدين إلا ما كان من ضروريات المذهب.

ويمكن الاجتهاد في عصرنا وفي كل عصر إذ توافرت أهلية الاجتهاد لدى بعض العلماء، ولا يعني الآن فقط إحداث آراء جديدة لوقائع جديدة وهو المراد بالتحديد، أو اختيار حكم من أرجح الأقوال في المذاهب الإسلامية وهو ما يسمى بالاجتهاد الانتقائي، وإنما مجاله أيضاً النظر في الأدلة الشرعية ذاتها من دون تقيد بمذهب أحد، وهو ما يسمى بالاجتهاد الإنشائي. وثمة حالات كثيرة اليوم تتطلب الاجتهاد، مثل أعمال المصارف وشركات التأمين، والأسواق المالية والبورصات وشركات النقل البري والبحري والجوي، ووكالات الاستيراد والتصدير، والوكالات العالمية في البيع والشراء، والإيجار والاستئجار، والاستصناع والمقاولات وغيرها، في جميع مجالات الحياة المعاصرة، وما يستتبع ذلك من ضرورة معرفة حكم العقود المتعامل بها، والالتزامات المتقابلة على العاقدين.
ومنعاً من التشكيك في مدى كفاية المجتهدين الجدد، فقد دعا الكثيرون من أساتذة الجامعات إلى الاجتهاد الجماعي، وتكوين المجامع الفقهية، وظهر على الساحة فعلاً نشاط بعض هذه المجامع، كمجمع الفقه الإسلامي في جُدَّة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والمجمع الفقهي في مكة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وقامت المؤتمرات الفقهية ومجامع البحوث الإسلامية ومؤتمرات السنة والسيرة، والدعوة والإرشاد في البلاد العربية وغيرها منذ نحو ربع قرن بدور بنَّاء في مجال الاجتهاد وحسم بعض المشكلات الطارئة. كما أن الموسوعات الفقهية الحديثة مه‍َّدت الطريق لمعرفة الفقه وأحواله ومسائله والقياس عليها.

أهلية الاجتهاد
الاجتهاد اختصاص دقيق جداً لا يتوافر إلا لفئة قليلة من كبار العلماء، والمجتهد هو الفقيه الذي يبذل قُصارى جهده لتحصيل ظن بحكم شرعي، ولابد أن تكون له مَلَكة يقتدر بها على استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها، ولا يتصور فقيه غير مجتهد، ولا مجتهد غير فقيه. قال جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع:

«والفقيه: المجتهد، لأن كلاً منهما يصدُق عليه ما يصدُق على الآخر»، لكن أطلق لفظ الفقيه أخيراً على غير المجتهد من قبيل التوسع والمجاز.

والمجتهد نوعان: مجتهد مطلق يفتي في جميع الأحكام، كالصحابة وأئمة المذاهب، ومجتهد متجزئ في حكم أو أحكام خاصة من دون أن تكون له قدرة على الاجتهاد في كل ما يطلب منه.

أما المجتهد المطلق: فيشرط له عدة شروط أجملها الأصوليون، ويمكن تفصيلها وتحليلها إلى شروط تسعة هي:
ـ أن يعرف معاني آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعاً، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب، ولا حفظ سائر القرآن، وإنما يكفي أن يكون عالماً بمواضعها حتى يرجع إليها في وقت الحاجة، وقد حدد الغزالي والرازي وابن العربي عدد هذه الآيات بمقدار خمسمئة آية، أي التي في أصول الأحكام والظاهر منها.

ـ أن يعرف أحاديث الأحكام لغة وشريعة ولا يلزم أيضاً حفظها ولا حفظ جميع أحاديث السنة، وإنما أن يكون متمكناً من الرجوع إليها عند الاستنباط بأن يعرف مواقعها بوساطة فهرسها، وحدد ابن العربي مقدارها بثلاثة آلاف.

ـ معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة في آيات وأحاديث مخصوصة، وقليلة، حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤدي اجتهاده إلى ما هو باطل، ويكفي أن يرجع إلى ما كتب في هذا الموضوع، مثل كتاب أبي خزيمة وأبي جعفر النحاس وابن الجوزي والحازمي وابن حزم في ناسخ القرآن ومنسوخه، والطحاوي في معاني الآثار، وغيرهم، ولايشترط معرفة جميعه وحفظه، وإنما يكفيه في كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية محكمان.

ـ أن يكون متمكناً من معرفة مسائل الإجماع ومواقعه، حتى لا يفتي بخلافه، وليس من اللازم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل في كل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع.

ـ أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة وعلل الأحكام المبنية عليها، وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية؛ لأن القياس قاعدة الاجتهاد، وتبنى عليه أحكام كثيرة.

ـ أن يعلم علوم اللغة العربية من لغة ونحو وصرف ومعانٍ وبيان لأن القرآن والسنة عربيان، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم كلام العرب إفراداً وتركيباً، ومنه معرفة حكم العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والإطلاق والتقييد، وحكم دلالات الألفاظ، وغريب اللغة ونحوها. ولا يشترط أن يكون حافظاً لها عن ظهر قلب، بل تكفي القدرة على استخراجها من مظانِّها ومؤلفاتها، مثل مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير.

ـ أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه؛ لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه؛ لأن دلالة الأدلة التفصيلية على الأحكام أمراً أو نهياً أو عاماً أو خاصاً أو عبارةً أو إشارة أو دلالة أو اقتضاء ونحو ذلك لا تعرف كيفيتها وحكم كل منها إلا بأصول الفقه.

ـ أن يدرك مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام؛ لأن فهم النصوص وتطبيقها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد، كما أن الترجيح بين الأدلة الفرعية المتعارضة يكون بما هو أوفق مع قصد الشرع، ولا تعرف أحكام الوقائع الجديدة من طريق الأدلة الاجتهادية، كالاستحسان والمصلحة المرسلة والعرف ونحوها إلا في ضوء مقاصد الشريعة العامة.

والمراد من هذه المقاصد: حفظ مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم. ومعيار تحديد النفع والضرر هو الشرع وليس عقول الناس؛ لأن الإنسان قد يرى ما هو ضارّ نافعاً، وما هو نافع ضاراً.

ـ أن يكون مؤمناً بالله ورسوله، عالماً بأدلة الإيمان عَدْلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة. وشرط الإيمان والإسلام لمنع التهمة، وشرط العدالة لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس عدلاً لا تقبل فتواه لغيره.

وأما المجتهد المتجزئ في بعض الأحكام: فيشترط فيه معرفة ما يتعلق بهذا الحكم فقط من دون غيره من جميع الأحكام؛ لأن المجتهد في حكم يتعلق بالزواج مثلاً لا يحتاج إلى ما يتعلق بالحج أو الزكاة أو الصلاة، إذ قد يتخصص المجتهد في موضع فقهي من دون غيره.

والصحيح جواز تجزيء الاجتهاد، وهو رأي أكثر العلماء، أي أن يتمكن العالم من استنباط الحكم الشرعي في مسألة من المسائل من دون غيرها، أو في باب فقهي من دون غيره، فهو العارف باستنباط بعض الأحكام.

وتجزؤ الاجتهاد خفف مساوئ سد باب الاجتهاد، نزولاً تحت عامل الضرورة أو الحاجة التي تصادف العلماء في كل زمن للإفتاء في حكم الحوادث المتجددة، وهو ما نحتاج إليه في واقعنا المعاصر، لأن المجتهد المطلق فقد من زمان، وعرفت قواعد الأصول، ولسنا في حاجة إلا لإعمال تلك الأصول والقواعد الشرعية الكلية في المسائل الطارئة.

مراتب المجتهدين

تتفاوت مراتب المجتهدين ودرجات الفقهاء في الاجتهاد سعة وضيقاً، وهي خمس مراتب، وفي الجملة: المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، وهذه المراتب هي التالية:

المجتهد المستقل: وهو الذي استقل بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجاً عن قواعد المذهب المقررة، قال السيوطي «وهذا شيء فقد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه». وهذا مثل أئمة المذاهب المستقلة.

المجتهد المطلق غير المستقل: هو الذي وجدت فيه شرائط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل، ثم لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مطلق منتسب، لا مستقل ولا مقيد، إذ إنه لم يقلِّد إمامه ولكنه سلك طريقته في الاجتهاد، مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية، وأبي بكر المَرْوَذِي وأبي بكر الخلال من الحنابلة.

المجتهد المقيد أو مجتهد التخريج أو مجتهد المسائل التي لانص فيها عن صاحب المذهب: وهو أن يكون مقيداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه، وقواعده، كالحسن بن زياد والكرخي والخصَّاف والطَّحَاوي والسَّرْخسي وقاضيخان والبَزْدوي من الحنفية، والأبَهْري، وأبي إسحاق الشيرازي والمروزي من الشافعية، والخرَقي وأبي يعلى من الحنابلة، ونحوهم من أصحاب الوجوه والآراء المقولة في المذهب تخريجاً على منصوص الإمام في مسألة. وهذه هي رتبة الاجتهاد في المذهب: وهو الذي يتمكن فيه المستنبط من معرفة الأحكام في الوقائع التي لم يرد فيها نص عن إمام المذهب، بطريقة التخريج على النصوص الفقهية أو القواعد المنقولة عن إمام المذهب. وهذا يعني أن لهؤلاء آراء جديدة في مسائل لم يتعرض لها إمام المذهب ولكنها مستنبطة من مقتضى كلامه في مسألة مشابهة لها في الجملة.

مجتهد التخريج من المقلدين: وهو الفقيه المتمكن في مذهب ما، ويستطيع ترجيح قول لإمام المذهب على قول آخر، أو الترجيح بين ما قاله الإمام وما قاله تلاميذه أو غيره من الأئمة، مثل القُدوري والمَرْغيناني صاحب الهداية من الحنفية، والنووي والرافعي من الشافعية، والدردير والدسوقي من المالكية، وأبي الخطّاب وابن قدامة من الحنابلة.

مجتهد الفتيا: وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته. وهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مقررات مذهبه في كتبه ونصوصه.

وقسم ابن القيم المجتهدين أربعة أقسام هي بإيجاز:
عالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة، كأئمة المذاهب.

ومجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، كالقاضي أبي يعلى.

ومجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، كأكثر المصنفين في مذهب أئمتهم.

وطائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، مثل علماء المذاهب المتأخرين.

للدكتور وهبة الزحيلي


المصدر :الموسوعة العربية

د.أبوأسامة
22-Sep-2007, 09:35 PM
الخنساء

بحث رائع بوركت جهودك وجزيتِ خيراً

وبارك الله في أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي فهو هبة الله إلينا

أحسنتِ في هذا النقل الماتع

صهيب ياس الراوي
24-Sep-2007, 11:59 PM
يقول الاصوليون ان هذا العهد عهد الجمود كما ذكر في كتاب اصول الفقه الاسلامي للسيد عبد الوهاب الخلاف ولذلك مثلما ذكر اخواني لعدم توفر شروط المجتهد وللعلماء اراء واقوال في ذلك كثيرة لاتعد ولا تحصى وكلهم على خير وبركة لانهم كما يقول الامام الغزالي كل واحد من هؤلاء فيه نور من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجماعهم على شيئ معناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الامر

والله تعالى اعلم