المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم الغناء على المذاهب الاربعة



ابومحمد
11-Nov-2007, 09:20 PM
تعريف الغنـاء في اللغـة:
جاء في لسان العرب أن الغناء هو كل من رفع صوته ووالاه، فصوته عند العرب غناء. والغناء من الصوت ماطرّب به قال حميد بن ثور: عجبت لها أنَّى يكون غنـاؤها فصيحاً ولم يغفر بمطقها فما
وجاء في المصباح المنير: تغزلّ بها، وغنىَّ بزيد : مدحه أو هجاه، وغنىَّ الحمام تغنة: صوّت ويطلق الغناء (بالمد والكسر)على الترنم
الذي تسميه العرب (النصب) بفتح النون وسكون المهملة ، وعلى الحداء (بالمد والكسر) المعروف عند العرب وعلى مجرد الانشاد: قال ابن الأثير في النهاية في حديث عائشـة (وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بُعاث) أى تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث.
............
واماتعريفه في الاصطلاح الشرعي:
جاء التعريف الشرعي للغناء موافقا لعُرف اللغة في تسميته برفع الصوت وموالاته ويطلق كذلك على رفع الصوت وموالاته بطريقة التلحين والتطريب، وعلى هذا قال صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم" ومنها أن أبا موسى الأشـعري، استمع النبي صلى الله عليه وسلم لصوته وأثنى على حسن الصوت وقال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وقال له أبو موسى: لو أعلم أنك استمعت لحبرته لك تحبيراً - أى زينته وحسنته - ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع إنشاد الصحابة وكانوا يرتجزون بين يديه في حفر الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد مابقينـا أحـداً
ومنها سماعه صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير وأجازه وغيرها كثير.
فاعلم رحمني الله واياك
ان التغني من حيث كونه ترديد الصوت بالألحان مباح لا شيء فيه، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراماً أو مكروهاً ومثله اللعب، فيمتنع الغناء إذا ترتب عليه فتنة بامرأة لا تحل أو بغلام أمرد، كما يمتنع إذا ترتب عليه تهيج لشرب الخمر أو تضييع للوقت وانصراف عن أداء الواجبات، أما إذا لم يترتب عليه شيء من ذلك فإنه يكون مباحاً.
فلا يحل التغني بالألفاظ التي تشتمل على وصف امرأة معينة باقية على قيد الحياة، لأن ذلك يهيج الشهوة إليها ويبعث على الافتتان بها،
والأغنية التي تقول: "الدنيا سيجارة وكاس" مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجسًا من عمل الشيطان ويلعن شارب "الكأس" عاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل. والتدخين أيضًا آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم والنفس والمال.

والأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا، مخالفة لتعاليم الإسلام، الذي يلعن الظالمين، وكل من يعينهم، بل من يسكت عليهم، فكيف بمن يمجدهم ؟!
والأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة أو صاحب العيون جريئة أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم … وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (النور: 30، 31). ويقول –صلي الله عليه وسلم- يا علي : "لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولي وليست لك الآخرة".
واما إن كانت المرأة قد ماتت فإن وصفها لا يضر لليأس من لقائها ومثلها في ذلك الغلام الأمرد

ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلي إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة- ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلي دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع علي الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تلح علي جانب واحد، هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام، وإشعالها بكل أساليب الإثارة والتهيج، وخصوصًا لدي الشباب والشابات.

إن القرآن يخاطب نساء النبي فيقول: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) . فكيف إذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتأثير ؟!
ومن ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم، كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، بلا قيود ولا حدود، وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم. وهي الصورة المائلة في الأذهان عند ما يذكر الغناء، وبخاصة غناء الجواري والنساء.

وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: "ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف علي رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير".

.
واليك اخي كلام الائمة الاربعة

1-(الشافعية - قالوا: قال الإمام الغزالي في الإحياء: النصوص تدل على إباحة الغناء
ونقل في الإحياء أيضاً أن الشافعي قال: لا أعلم أحداً من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان منه في الأوصاف، فأما الحداء وذكر الأطلال والمرابع وتحسين الصوت بألحان الأشعار فمباح. وقال إن الذي نقل عن الإمام الشافعي: من أن الغناء لهومكروه يشبه الباطل لا ينافي إباحته، لأنه إنما يريد القسم الممنوع منه، على أن مراده باللهو العبث، والعبث ليس بحرام إلا إذا ترتب عليه محظور شرعي، وكذلك ما يشبه الباطل، وقد أطال في الاستدلال على إباحة الغناء فارجع إليه إن شئت.
..........................
الحنفية - قالوا: التغني المحرم ما كان مشتملاً على ألفاظ لا تحل كوصف الغلمان، والمرأة المعينة التي على قيد الحياة، ووصف الخمر المهيج لها، ووصف الحانات، وهجاء المسلم أو الذمي إذا كان غرض المتكلم الهجاء، أما إذا كان غرضه الاستشهاد أو معرفة ما فيه من الفصاحة والبلاغة فإنه ليس بحرام، وكذا إذا اشتمل على وصف الزهريات المتضمنة وصف الرياحين والأزهار، أواشتمل على وصف المياه والجبال والسحاب ونحو ذلك فإنه لا وجه لمنعه، انتهى من شهادات فتح القدير.

فما نقل عن أبي حنيفة من أنه كان يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب، فهومحمول على النوع المحرم منه، ويكره تحريماً عند الحنفية اللعب بالنرد والشطرنج وضرب الأوتار من الطنبور والرباب والقانون والمزمار والبوق ونحو ذلك
.....................
المالكية - قالوا: إن الغناء فإن الذي يجوز منه هو الرجز الذي يشبه ما جاء في غناء جواري الأنصار:

أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم

ولولا الحبة السمرا لم نحلل بواديكم
............................
الحنابلة - قالوا:


ان الاصل فيه الاباحة مالم يرد فيه شيء يحرمه والاحاديث التي يستدل بها المحرمون كلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث دون طعن في ثبوته او في دلالته او فيهما معا

اما بالنسبة لوصف المرأة التي هي ليست موجودة على قيد الحياة فهذا جائز وكما سبق لانه ميؤوس من لقاءها
أدلة المحرمين للغناء ومناقشتها
استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالي: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين). (لقمان: 6) وفسروا لهو الحديث بالغناء.
قال ابن حزم: ولا حجة في هذا لوجوه:
أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله -صلي الله عليه وسلم-.
والثاني: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين.
والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن الآية فيها: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا) وهذه صفة من فعلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا.

ولو أن امرأ اشتري مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرًا ! فهذا هو الذي ذم الله تعالي، وما ذم قط عز وجل من اشتري لهو الحديث ليتلهي به ويروح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالي. فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو بنظر في ماله أو بغناء أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالي، ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن. (المحلي لابن حزم (9/60) ط المنيرية). أ هـ.

واستدلوا بقوله تعالي في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) (القصص: 55). والغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه.
ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو: سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالي: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (القصص: 55)، فهي شبيهة بقوله تعالي في وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا). (الفرقان: 63).
ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه، وليس فيها ما يوجب ذلك.
وكلمة اللغو ككلمة الباطل تعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرمًا ما لم يضيع حقًا أو يشغل عن واجب.

روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له: أيؤتي به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات؛ لأنه شبيه باللغو، قال تعالي: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). (البقرة: 225، والمائدة: 89).
قال الإمام الغزالي: (إذا كان ذكر اسم الله تعالي علي الشيء علي طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص.
علي أننا نقول: ليس كل غناء لغوا؛ إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلي صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم". (رواه مسلم

وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في "المحلي" ردًا علي الذين يمنعون الغناء قال: (احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ ولا سبيل إلي قسم ثالث، وقد قال الله تعالي: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32). فجوابنا وبالله التوفيق: أن رسول الله –صلي الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي" (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب، وهو أول حديث في صحيح البخاري). فمن نوي باستماع الغناء عونًا علي معصية الله فهو فاسق وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوي به ترويح نفسه ليقوي بذلك علي طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك علي البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلي بستانه، وقعوده علي باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لازورديًا أو أخضر أو غير ذلك ومد ساقه وقبضها، وسائر أفعاله). (المحلي. 9/60).

جـ- واستدلوا بحديث: "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" رواه أصحاب السنن الأربعة، وفيه اضطراب، والغناء خارج عن هذه الثلاثة.
وأجاب المجوزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله: "فهو باطل" لا يدل علي التحريم بل يدل علي عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوي لها علي الحق. علي أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلي الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، ولا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل.

واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري -معلقا- عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري -شك من الراوي- عن النبي -عليه السلام- قال: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر: أي الفرج والمعني يستحلون الزني). والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف.
والحديث وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المعلقات" لا من "المسندات المتصلة" ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، فسنده يدور علي (هشام بن عمار) (انظر: الميزان وتهذيب التهذيب). وقد ضعفه الكثيرون.
ورغم ما في ثبوته من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ إذ هو غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" فكلمة "يستحلون" –كما ذكر ابن العربي- لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن يكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعني الحقيقي، لكان كفرًا.

ولو سلمنا بدلالتها علي الحرمة لكان المعقول أن يستفاد منها تحريم المجموع، لا كل فرد منها، فإن الحديث في الواقع ينعي علي أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور. فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخز وحرير. ولذا روي ابن ماجة هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بلفظ: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف علي رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير"، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه.

هـ- واستدلوا بحديث: "إن الله تعالي حرم القينة (أي الجارية) وبيعها وثمنها وتعليمها".
والجواب عن ذلك:
أولا: أن الحديث ضعيف.
ثانيا: قال الغزالي: المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب، وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام، وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور. فأما غناء الجارية لمالكها، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث. بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالي عنها. (الإحياء ص 1148) وسيأتي.

ثالثا: كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصرًا هامًا من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيًا، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي، فإذا جاء حديث بالنعي علي امتلاك "القينة" وبيعها، والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء "نظام الرق" العتيد.
واستدلوا بما روي نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع ؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتي قلت: لا. فرفع يده وعدل راحلته إلي الطريق وقال: "رأيت رسول الله يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
والحديث قال عنه أبو داود: حديث منكر.

ولو صح لكان حجة علي المحرمين لا لهم. فلو كان سماع المزمار حرامًا ما أباح النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حرامًا ما أباح لنافع سماعه، ولأمر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر، فإقرار النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر دليل علي أنه حلال.
وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئًا وأن يبيت عنده دينار أو درهم .... إلخ.

واستدلوا أيضًا لما روي: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" ولم يثبت هذا حديثًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، وإنما ثبت قولاً لبعض الصحابة، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره، فمن الناس من قال -وبخاصة الصوفية- إن الغناء يرقق القلب، ويبعث الحزن والندم علي المعصية، ويهيج الشوق إلي الله تعالي، ولهذا اتخذوه وسيلة لتجديد نفوسهم، وتنشيط عزائمهم، وإثارة أشواقهم، قالوا: وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق والتجربة والممارسة، ومن ذاق عرف، وليس الخبر كالعيان.

علي أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه علي غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلي الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريمًا، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهلجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرًا (الإحياء ص 1151) .

واستدلوا علي تحريم غناء المرأة خاصة، بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة. وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله علي أن صوت المرأة عورة، وقد كان النساء يسألن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في ملأ من أصحابه وكان الصحابة يذهبون إلي أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد: إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر.
فإن قالوا: هذا في الحديث العادي لا في الغناء، قلنا: روي الصحيحان أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.
............................
والخلاصة: أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح. ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلي رسول الله يصلح دليلاً للتحريم، وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": لم يصح في التحريم شيء.
وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة.
وقال: ابن طاهر: لم يصح منها حرف واحد.
وقال ابن حزم: كل ما رُوي فيها باطل وموضوع.

.........................................

أدلة المجيزين للغناء:
تلك هي أدلة المحرمين، وقد سقطت واحدًا بعد الآخر، ولم يقف دليل منها علي قدميه، وإذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء علي أصل الإباحة بلا شك، ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد علي ذلك غير سقوط أدلة التحريم. فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة، وروحه السمحة، وقواعده العامة، ومبادئه الكلية ؟
وهاك بيانها:

أولا: من حيث النصوص:
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة، منها: حديث غناء الجاريتين في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم- عند عائشة، وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: مزمور الشيطان في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهذا يدل علي أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلي هذا الحد.

والمعول عليه هنا هو رد النبي -صلي الله عليه وسلم- علي أبي بكر -رضي الله عنه- وتعليله: أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنه بعث بحنيفية سمحة. وهو يدل علي وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدي الآخرين، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه.
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلي رجل من الأنصار فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو".
وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله فقال: "أهديتم الفتاة ؟" قالوا: نعم قال: "أرسلتم معها من يغني ؟" قالت: لا. فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟!

وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال: دخلت علي قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين. فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس.
وروي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين: أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتي عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة، ثم جاء الرجل إلي ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتي ابن عمر إلي عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعي في بيع المغنية، وهذا إسناد صحيح لا تلك الأسانيد الملفقة الموضوعة.

واستدلوا بقوله تعالي: (وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). (الجمعة: 11).
فقرن اللهو بالتجارة، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما -بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحًا بها- عن خطبة النبي -صلي الله عليه وسلم-، وتركه قائمًا.
واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه. وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي.
واستدلوا لما نقله غير واحد من الإجماع علي إباحة السماع، كما سنذكره بعد.

وثانيا: من حيث روح الإسلام وقواعده:
لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم ... إلخ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟
من المعروف أن الله تعالي كان قد حرم علي بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم علي سوء ما صنعوا، كما قال تعالي: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) (النساء: 160، 161). فلما بعث الله محمدًا –صلي الله عليه وسلم- جعل عنوان رسالته في كتب الأولين (الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). (الأعراف: 157).

فلم يبق في الإسلام شيء طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها. قال تعالي: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات). (المائدة: 4).
ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم علي نفسه أو علي غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالي: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون) (يونس: 59). وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين، والضلال البعيد، قال جل شأنه ينعي علي من فعل ذلك من أهل الجاهلية: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين). (الأنعام: 140).

ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتي إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلي الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم، بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتي قال الغزالي في الإحياء: (من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته علي الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر -لقوة نشاطه في سماعه- المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتي تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها) .

وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟ كلا، إنما جاء لتهذيبها والسمو بها، وتوجيهها التوجيه القويم، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها.
ومصداق ذلك أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟" قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية: فقال عليه السلام: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحي ويوم الفطر" رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

وقالت عائشة: "لقد رأيت النبي يسترني بردائه، وأنا أنظر إلي الحبشة يلعبون في المسجد، حتي أكون أنا التي أسأمه -أي اللعب- فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة علي اللهو".
وإذا كان الغناء لهوا ولعبًا فليس اللهو واللعب حرامًا، فالإنسان لا صبر له علي الجد المطلق والصرامة الدائمة.

قال النبي -صلي الله عليه وسلم- لحنظلة -حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "يا حنظلة، ساعة وساعة" رواه مسلم.
وقال علي بن أبي طالب: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أكرهت عميت.
وقال كرم الله وجهه: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوي لها علي الحق.

وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال: إن الغناء لهو ولعب بقوله: (هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب ... وجميع المداعبة مع النساء لهو، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد، وكذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال، نقل ذلك عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وعن الصحابة.
وأي لهو يزيد علي لهو الحبشة والزنوج في لعبهم، فقد ثبت بالنص إباحته. علي أني أقول: اللهو مروح للقلب، ومخفف عنه أعباء الفكر، والقلوب إذا أكرهت عميت، وترويحها إعانة لها علي الجد، فالمواظب علي التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة؛ لأن عطلة يوم تساعد علي النشاط في سائر الأيام، والمواظب علي نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات، ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات، فالعطلة معونة علي العمل، اللهو معين علي الجد ولا يصبر علي الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام، فاللهو دواء القلب من داء الإعياء، فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. فإذًا اللهو علي هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة، فينبغي أن يستحب له ذلك، ليتوصل به إلي المقصود الذي ذكرناه. نعم هذا يدل علي نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوه التلطف بها، وسياقتها إلي الحق، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غني عنه) انتهي كلام الغزالي وهو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحقة.

القائلون بإجازة الغناء:
تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده، فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل ولا ننسي أن نضيف قيودًا لابد من مراعاتها في سماع الغناء.
فقد أشرنا في أول البحث إلي أنه ليس كل غناء مباحًا، فلابد أن يكون موضوعه متفقًا مع أدب الإسلام وتعاليمه.

وأود أن أنبه هنا علي قضية مهمة، وهي أن الاستماع إلي الغناء في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء، ومخالطة المغنين والمغنيات وحواشيهم، وقلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع، ويكرهها الدين.
أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلي الأغاني وهو بعيد عن أهلها ومجالسها، وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية، ويميل بها إلي جانب الإذن والتيسير.
...................................
المراجع

1-الفقه على المذاهب الاربعة للجزيري

2-الإحياء للغزالي كتاب السماع

3-نيل الأوطار للشوكاني

4-الاحكام ابوبكر بن العربي

5-المحلى لابن حزم

6- فتاوى معاصرة للقرضاوي

الحسن عبدالله إبراهيم
12-Nov-2007, 02:33 PM
[«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»size=7]شكرا ً على هذا الموضوع المفيد زادك الله علما ً يا أخي في الله تعالى [/size]«®°·.¸.•°°·.¸¸.•°°·.¸.•°®»

ابومحمد
12-Nov-2007, 03:30 PM
شكرا اخي على مرورك بوركت

د.أبوأسامة
12-Nov-2007, 04:38 PM
أخي أبو محمد

شكراً على هذا الموضوع الماتع

جزاك الله خيراً

ومن تتمة الموضوع ( حكم السماع إلى الغناء )
قال الجزيري في كتابه ( الفقه على المذاهب الأربعة أيضاً ) ما يلي :

اختلف العلماء في حكم الغناء، واستماعه.

الحنفية - قالوا:
الغناء إما أن يكون من امرأة أو رجل، فإن كان من امرأة وكان بصوت غير مرتفع بحيث لا يسمعه الناس فلا مانع منه، أما إذا كان الغناء بصوت مرتفع يسمعه الأجانب فهو حرام، وخصوصاً إذا كان مشتملاً على كلام مهيج للشهوة، ومثير للفتنة كتحسين الخمور وأوصاف النساء أو دعوة إلى الحب والغرام إلى غير ذلك.

أما الرجل فإن كان غناؤه لدفع الوحشة عن نفسه، أو كان لحماس الجند أو الحث على العمل والجهاد فهو جائز، أما إذا كان الغناء مشتملاً على ذكر الحب والغرام، ويخشى أن تفتتن به امرأة أجنبية تسمعه فيكون في هذه الحالة حراماً، كما هو حاصل في الإذاعة والسينمات ودور الملاهي والتمثيل.

وكذلك غناؤه في حادث سرور مباح إذا كان بغير آلة ولم تكن فيه عبارات مهيجة ولم تحصل منه فتنة، وكان الاجتماع غير محذور لا تختلط فيه النساء مع الرجال وكان الغناء على غير آلة لهو، ولم يكن سبباً لمحرم، أما إذا لم يستوف هذه الشروط فغناؤه حرام، كما هو الحال في الأغاني التي يذيعها المطربون والمغنون.

المالكية - قالوا: الغناء حرام على النساء وسماعه حرام، إلا إذا كانت الأغاني من الرجال بعبارات حماسية في الحرب أو تسلية للإبل على السير في الصحراء ولم تصحبه آلة لهو وطرب.

وقد سئل الإمام مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عما ترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: إن ما يفعله عندنا الفساق، فقد روي عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل).
وعن يزيد بن الوليد أنه قَالَ: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر.

الشافعية - قالوا:
إن الغناء الماجن مع آلات الطرب واللهو حرام على النساء والرجال، وسماعه حرام، فقد نقل عن الإمام الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، من استكثر منه فهو سفيه وترد شهادته.

الحنابلة - قالوا:
الغناء حرام سواء أكان من النساء أم من الرجال إذا كان القول يثير الشهوة، لمن استمع إليه، أو أدى إلى اختلاط الرجال بالنساء، أو خروج عن حشمة ووقار.

والاستماع يأخذ حكمه، فإن الشخص إذا سمع وصف الخمر والصدر والخد والثدي وذكر ( .... ) وباعث الشر، وتستيقظ دوافع الفتنة، وتنبه الآعضاء إلى لذة الفاحشة، وذلك نصر لحزب الشيطان، وتخذيل للعقل المانع منه، الذي هو حزب الرحمن، فهو يؤدي إلى حرام وما أدى إلى حرام فخو حرام، كالنظر إلى الأجنبية بشهوة أو لمسها أو الخلوة بها.

.اهـ الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري.

برينا إلى الله من معشـر * * * بهم مرض من سماع الغنا

وكم قلت يا قوم أنتم على * * * شفا جرف فاستهانوا بنـا

ولما استمروا على غيهم * * * رجعنا إلى الله في رشـدنا

فعشنا على ملة المصطفى * * * وماتـوا على تنتنـا تنتنا

بسمة الحياة
12-Nov-2007, 07:02 PM
جزاك الله كل خير اخى الكريم

ابراهيم ابومحمد
13-Nov-2007, 01:43 PM
الاخ كاتب حكم الغناء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وشكرا على جهدك المشكور وحبذا لو بينت لنا حكم سماع الآلات الموسيقية والمعازف وذلك لأن اكثر الناس لايتصورون غناء بدون معازف فإذا ما اطلق الغناء ظنوه ذلك الذي يحصل في مجتمعنا مصحوبا بآلات اللهو فإطلاق حكم الغناء هكذا دون توضيح موهم

ابومحمد
17-Nov-2007, 10:06 PM
بارك الله فيك اخي الكريم ونزولا عند رغبتك فهذه

الاحكام المتعلقة بآلات العزف

مَعَازِف *
التّعريف :
1 - المعازف في اللغة : الملاهي , واحدها مِعْزَف ومِعْزَفَة , والمعازف كذلك : الملاعب الّتي يضرب بها , فإذا أفرد المعزف فهو ضرب من الطّنابير يتّخذه أهل اليمن , وغيرهم يجعل العود معزفاً , والمعزف آلة الطّرب كالعود والطنبور .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - اللّهو :
2 - اللّهو في اللغة : ما لعبت به وشغلك من هوىً وطربٍ ونحوهما , ونقل الفيوميّ عن الطرطوشيّ قوله : أصل اللّهو التّرويح عن النّفس بما لا تقتضيه الحكمة .
وألهاه اللّعب عن كذا : شغله .
وفي الاصطلاح : هو الشّيء الّذي يتلذّذ به الإنسان فيلهيه ثمّ ينقضي , وفي المدارك : اللّهو كل باطلٍ ألهى عن الخير وعمّا يعنى .
والصّلة أنّ المعازف قد تكون وسيلةً أو أداةً للّهو .
ب - الموسيقى :
3 - الموسيقى لفظ يوناني يطلق على فنون العزف على آلات الطّرب .
وعلم الموسيقى يبحث فيه عن أصول النّغم من حيث تأتلف أو تتنافر وأحوال الأزمنة المتخلّلة بينها ليعلم كيف يؤلّف اللّحن .
والموسيقي : المنسوب إلى الموسيقى , والموسيقار : من حرفته الموسيقى .
والموسيقى في الاصطلاح : علم يعرف منه أحوال النّغم والإيقاعات وكيفيّة تأليف اللحون وإيجاد الآلات .
والصّلة : أنّ المعازف تستعمل في الموسيقى .
ج - الغناء :
4 - الغِناء بكسر الغين مثل كتابٍ في اللغة : الصّوت , وقياسه ضم الغين : إذا صوّت , وهو التّطريب والتّرنم بالكلام الموزون وغيره , يكون مصحوباً بالموسيقى - أي آلات الطّرب - وغير مصحوبٍ بها .
وفي الاصطلاح : يطلق الغناء على رفع الصّوت بالشّعر وما قاربه من الرّجز على نحوٍ مخصوصٍ .
ر : مصطلح : ( غناء ف 1 ) .
الحكم التّكليفي :
5 - المعازف منها ما هو محرّم كذات الأوتار والنّايات والمزامير والعود والطنبور والرباب , نحوها في الجملة , لما روي عن عليٍّ رضي اللّه تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلةً حلّ بها البلاء ..» وعد صلّى اللّه عليه وسلّم منها : «.. واتّخذت القينات والمعازف » , وما روي عن أبي أمامة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه بعثني رحمةً وهدىً للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات يعني البرابط والمعازف » .
ومن المعازف ما هو مكروه , كالدفّ المصنّج للرّجال عند بعض الحنفيّة والحنابلة ، على تفصيلٍ سيأتي .
ومنها ما يكون مباحاً كطبول غير اللّهو مثل طبول الغزو أو القافلة عند بعض فقهاء الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
ومنها ما يكون استعماله مندوباً أو مستحباً كضرب الدفّ في النّكاح لإعلانه عند بعض الفقهاء , وفي غير النّكاح من مناسبات الفرح والسرور في الجملة عند البعض .
علّة تحريم بعض المعازف :
6 - نصّ بعض الفقهاء على أنّ ما حرم من المعازف وآلات اللّهو لم يحرم لعينه وإنّما لعلّة أخرى :
فقال ابن عابدين : آلة اللّهو ليست محرّمةً لعينها بل لقصد اللّهو منها , إمّا من سامعها أو من المشتغل بها , ألا ترى أنّ ضرب تلك الآلة حلّ تارةً وحرم أخرى باختلاف النّيّة ؟ والأمور بمقاصدها .
وقال الحصكفيّ : ومن ذلك - أي الحرام - ضرب النّوبة للتّفاخر , فلو للتّنبيه فلا بأس به , ونقل ابن عابدين عن الملتقى أنّه ينبغي أن يكون بوق الحمام يجوز كضرب النّوبة , ثمّ قال : وينبغي أن يكون طبل المسحّر في رمضان لإيقاظ النّائمين للسحور كبوق الحمام .
ما يحل وما يحرم من المعازف :
اختلف الفقهاء في حكم آلات المعازف على التّفصيل الآتي :
أ - الدف :
7 - الدف في اللغة : هو الّذي يلعب به , وقد عرّفه بعض الفقهاء بالطّارّ أو الغربال وهو المغشّى بجلد من جهةٍ واحدةٍ , سمّي بذلك لتدفيف الأصابع عليه , وقال بعض المالكيّة : الدف هو المغشّى من جهةٍ واحدةٍ إذا لم يكن فيه أوتار ولا جرس , وقال غيرهم : ولو كان فيه أوتار لأنّه لا يباشرها بالقرع بالأصابع .
وقد اختلف الفقهاء في حكم الدفّ :
قال الحنفيّة : لا بأس أن يكون ليلة العرس دف يضرب به ليعلن النّكاح , وعن السّرّاجيّة : أنّ هذا إذا لم يكن له جلاجل ولم يضرب على هيئة التّطرب , قال ابن عابدين : والدف الّذي يباح ضربه في العرس .. احترازاً عن المصنّج , ففي النّهاية عن أبي اللّيث : ينبغي أن يكون مكروهاً .
وسئل أبو يوسف عن الدفّ : أتكرهه في غير العرس بأن تضرب المرأة في غير فسقٍ للصّبيّ ؟ قال : لا أكرهه , ولا بأس بضرب الدفّ يوم العيد , كما في خزانة المفتين .
وقال المالكيّة : لا يكره الغربال أي الطّبل به في العرس , قال ابن رشدٍ وابن عرفة : اتّفق أهل العلم على إجازة الدفّ وهو الغربال في العرس , وقال الدسوقيّ : يستحب في العرس لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعلنوا هذا النّكاح واضربوا عليه بالدفوف » .
وأمّا في غير العرس كالختان والولادة فقال الدسوقيّ : المشهور عدم جواز ضربه , ومقابل المشهور جوازه في كلّ فرحٍ للمسلمين , قال الحطّاب : كالعيد وقدوم الغائب وكلّ سرورٍ حادثٍ , وقال الآبيّ : ولا ينكر لعب الصّبيان فيها - أي الأعياد - وضرب الدفّ , فقد ورد إقراره من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم , ونقل الحطّاب عن عبد الملك بن حبيبٍ أنّه ذهب إلى جواز الدفّ في العرس , إلا للجواري العواتق في بيوتهنّ وما أشبههنّ فإنّه يجوز مطلقاً , ويجري لهنّ مجرى العرس إذا لم يكن غيره .
واختلف المالكيّة في الدفّ ذي الصّراصر أي الجلاجل , فذهب بعضهم إلى جواز الضّرب به في العرس , وذهب آخرون إلى أنّ محلّ الجواز إذا لم يكن فيه صراصر أو جرس وإلا حرم , قال الدسوقيّ : وهو الصّواب لما في الجلاجل من زيادة الإطراب , هذا بالنّسبة للنّساء والصّبيان .
وقد اختلفوا في حكم ضرب الرّجال بالدفّ فقالوا : لا يكره الطّبل به ولو كان صادراً من رجلٍ , خلافاً لأصبغ القائل : لا يكون الدف إلا للنّساء , ولا يكون عند الرّجال .
وقال الشّافعيّة يجوز ضرب دفٍّ واستماعه لعرس لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقرّ جويراتٍ ضربن به حين بنى على الربيّع بنت معوّذ بن عفراء وقال لمن قالت : وفينا نبي يعلم ما في غدٍ : دعي هذا وقولي بالّذي كنت تقولين » أي من مدح بعض المقتولين ببدر , ويجوز لختان لما روي عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنّه كان إذا سمع صوتاً أو دفاً بعث قال : ما هو ؟ فإذا قالوا عرس أو ختان صمت , ويجوز في غير العرس والختان ممّا هو سبب لإظهار السرور كولادة وعيدٍ وقدوم غائبٍ وشفاء مريضٍ وإن كان فيه جلاجل لإطلاق الخبر , وهذا في الأصحّ عندهم لما روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا رجع من بعض مغازيه قالت له جارية سوداء : « يا رسول اللّه إنّي كنت نذرت إن ردّك اللّه صالحاً أن أضرب بين يديك بالدفّ وأتغنّى ، فقال لها : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا » , ومقابل الأصحّ المنع لأثر عمر رضي اللّه تعالى عنه السّابق , واستثنى البلقيني من محلّ الخلاف ضرب الدفّ في أمرٍ مهمٍّ من قدوم عالمٍ أو سلطانٍ أو نحو ذلك .
وقال بعض الشّافعيّة : إنّ الدفّ يستحب في العرس والختان , وبه جزم البغويّ في شرح السنّة .
أمّا متى يضرب الدف في العرس والختان , فقد قال الأذرعي : المعهود عرفاً أنّه يضرب به وقت العقد ووقت الزّفاف أو بعده بقليل , وعبّر البغويّ في فتاويه بوقت العقد وقريب منه قبله وبعده ويجوز الرجوع فيه للعادة , ويحتمل ضبطه بأيّام الزّفاف الّتي يؤثر بها العرس , وأمّا الختان فالمرجع فيه العرف , ويحتمل أنّه يفعل من حين الأخذ في أسبابه القريبة منه . وحكى البيهقيّ عن شيخه الحليميّ - ولم يخالفه - أنّا إذ أبحنا الدفّ فإنّما نبيحه للنّساء خاصّةً , لأنّه في الأصل من أعمالهنّ , وقد « لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء » , ونازعه السبكي بأنّ الجمهور لم يفرّقوا بين الرّجال والنّساء والأصل اشتراك الذكور والإناث في الأحكام إلا ما ورد الشّرع فيه بالفرقة ولم يرد هنا , وليس ذلك ممّا يختص بالنّساء حتّى يقال يحرم على الرّجال التّشبه بهنّ فيه .
ونقل الهيتمي عن الماورديّ قوله : اختلف أصحابنا , هل ضرب الدفّ على النّكاح عام في جميع البلدان والأزمان ؟ فقال بعضهم : نعم لإطلاق الحديث , وخصّه بعضهم بالبلدان الّتي لا يتناكره أهلها في المناكح كالقرى والبوادي فيكره في غيرها , وبغير زماننا , قال : فيكره فيه لأنّه عدل به إلى السخف والسّفاهة .
وقال الهيتمي : ظاهر إطلاقهم أنّه لا فرق في جواز الضّرب بالدفّ بين هيئةٍ وهيئةٍ , وخالف أبو عليٍّ الفارقيّ فقال : إنّما يباح الدف الّذي تضرب به العرب من غير زفنٍ - أي رقصٍ - فأمّا الّذي يزفن به وينقر - أي برءوس الأنامل ونحوها - على نوعٍ من الأنغام فلا يحل الضّرب به لأنّه أبلغ في الإطراب من طبل اللّهو الّذي جزم العراقيون بتحريمه , وتابعه تلميذه ابن أبي عصرونٍ , قال الأذرعي : وهو حسن , فإنّه إنّما يتعاطاه على هذا الوجه من ذكرنا من أهل الفسوق .
وقال الحنابلة : يستحب إعلان النّكاح والضّرب فيه بالدفّ , قال أحمد : يستحب أن يظهر النّكاح ويضرب فيه بالدفّ حتّى يشتهر ويعرف ، وقال : يستحب الدف والصّوت في الإملاك , فقيل له : ما الصّوت ؟ قال : يتكلّم ويتحدّث ويظهر , والأصل في هذا ما روى محمّد بن حاطبٍ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصّوت » , وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنّها زوّجت يتيمةً كانت في حجرها رجلاً من الأنصار , وكانت عائشة فيمن أهداها إلى زوجها , قالت : فلمّا رجعنا قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما قلتم يا عائشة ، قالت : سلّمنا ودعونا اللّه بالبركة ثمّ انصرفنا ، فقال : صلّى اللّه عليه وسلّم فهل بعثتم معها جاريةً تضرب بالدفّ وتغنّي أتيناكم أتيناكم فحيّانا وحيّاكم » .
ويسن عندهم ضرب بدفّ مباحٍ في ختانٍ وقدوم غائبٍ وولادةٍ كنكاح لما فيه من السرور , والدف المباح هو ما لا حلق فيه ولا صنوج .
واختلفوا في ضرب الرّجال الدفّ , قال البهوتيّ : وظاهره - أي ندب إعلان النّكاح وضرب عليه بدفّ مباحٍ - سواء كان الضّارب رجلاً أو امرأةً وهو ظاهر نصوص أحمد وكلام الأصحاب , وقال الموفّق : ضرب الدفّ مخصوص بالنّساء , وفي الرّعاية : يكره للرّجال مطلقاً .
وقال ابن قدامة : ذكر أصحابنا أنّه مكروه في غير النّكاح لأنّه يروى عن عمر أنّه كان إذا سمع صوت الدفّ بعث فنظر فإن كان في وليمةٍ سكت وإن كان في غيرها عمد بالدّرّة .
ب - الكوبة :
8 - الكوبة طبل طويل ضيّق الوسط واسع الطّرفين , ولا فرق بين أن يكون طرفاها مسدودين أو أحدهما , ولا بين أن يكون اتّساعهما على حدٍّ واحدٍ أو يكون أحدهما أوسع . وقد اختلف في حكمها :
فذهب جمهور الشّافعيّة إلى أنّه يحرم ضرب الكوبة والاستماع إليها لقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه حرّم عليكم الخمر والميسر والكوبة » , ولأنّ في ضربها تشبهاً بالمخنّثين إذ لا يعتادها غيرهم , ونقل أبو الفتح الرّازيّ - كما حكى الهيتمي - الإجماع على حرمتها .
وقال أحمد بن حنبلٍ : كره الطّبل وهو المنكر وهو الكوبة الّتي نهى عنها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
ج - الكبر والمزهر :
9 - الكَبَر بفتحتين على وزن جبلٍ , هو الطّبل الكبير .
والمزهر : هو في اللغة العود الّذي يضرب به , وفي الاصطلاح قال المالكيّة : هو الدف المربّع المغلوف .
قال الحطّاب : والفرق بينهما أنّ المزهر ألهى , وكلّما كان ألهى كان أغفل عن ذكر اللّه وكان من الباطل .
وللمالكيّة في الكَبَر والمزهر ثلاثة أقوالٍ :
أحدها : أنّهما يحملان محمل الغربال , ويدخلان مدخله في جواز استعمالهما في العرس , وهو قول ابن حبيبٍ .
والثّاني : أنّه لا يحمل واحد منهما محمله ولا يدخل معه ولا يجوز استعماله في عرسٍ ولا غيره , وهو قول أصبغ .
والثّالث : أنّه يحمل محمله ويدخل مدخله في الكبر وحده دون المزهر , وهو قول ابن القاسم .
د - الأنواع الأخرى من الطبول :
10 - للفقهاء في الأنواع الأخرى من الطبول تفصيل :
فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كان الطّبل لغير اللّهو فلا بأس به كطبل الغزاة والعرس والقافلة , وقال ابن عابدين : وينبغي أن يكون طبل المسحّر في رمضان لإيقاظ النّائمين للسحور كبوق الحمام .
وذهب المالكيّة إلى استثناء طبول الحرب من سائر الطبول .
وقال إمام الحرمين من الشّافعيّة : والطبول الّتي تهيّأ لملاعب الصّبيان إن لم تلحق بالطبول الكبار فهي كالدفّ وليست كالكوبة بحال , قال الهيتمي : وبه يعلم أنّ ما يصنع في الأعياد من الطبول الصّغار الّتي هي على هيئة الكوبة وغيرها لا حرمة فيها , لأنّه ليس فيها إطراب غالباً , وما على صورة الكوبة منها انتفى فيه المعنى المحرّم للكوبة , لأنّ للفسّاق فيها كيفيّات في ضربها , وغيره لا يوجد في تلك الّتي تهيّئ للعب الصّبيان , وقال القاضي حسين : ضرب الطبول إن كان طبل لهوٍ فلا يجوز , واستثنى الحليميّ من الطبول طبل الحرب والعيد , وأطلق تحريم سائر الطبول وخصّ ما استثناه في العيد بالرّجال خاصّةً , وطبل الحجيج مباح كطبل الحرب .
وكره أحمد الطّبل لغير حربٍ ونحوه , واستحبّه ابن عقيلٍ من الحنابلة في الحرب وقال : لتنهيض طباع الأولياء وكشف صدور الأعداء .
هـ - اليراع :
11 - اليراع هو الزّمّارة الّتي يقال لها الشّبّابة , وهي ما ليس لها بوق ومنها المأصول المشهور والسّفّارة ونحوها , وسمّي اليراع بذلك لخلوّ جوفه , ويخالف المزمار العراقيّ في أنّه له بوق والغالب أنّه يوجد مع الأوتار .
وقد اختلف في حكمه , فذهب الحنفيّة إلى أنّه يحرم الاستماع إلى المزامير ولا تجوز الإجارة على شيءٍ منها .
وذهب المالكيّة إلى جواز الزّمّارة والبوق , وقيل : يكرهان , وهو قول مالكٍ في المدوّنة وهذا في النّكاح , وأمّا في غيره فيحرم .
وقد اختلف فقهاء الشّافعيّة في اليراع , فقال الرّافعي : في اليراع وجهان , صحّح البغويّ التّحريم , والغزالي الجواز وهو الأقرب , قالوا : لأنّه ينشّط على السّير .
وقال النّووي : الأصح تحريم اليراع , قالوا : لأنّه مطرب بانفراده , بل قيل إنّه آلة كاملة لجميع النّغمات إلا يسيراً فحرّم كسائر المزامير .
وذهب الحنابلة إلى أنّ آلات المعازف تحرم سوى الدفّ , كمزمار وناي وزمّارة الرّاعي سواء استعملت لحزن أو سرورٍ , وسأل ابن الحكم الإمام أحمد عن النّفخ في القصبة كالمزمار فقال : أكرهه .
و - الضّرب بالقضيب :
12 - اختلف الفقهاء في الضّرب على القضيب , فذهب الحنفيّة إلى أنّ ضرب القضيب حرام لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الاستماع إلى الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتّلذذ بها كفر » والمقصود بالكفر كفر النّعمة .
واختلف الشّافعيّة في الضّرب بالقضيب على الوسائد على وجهين :
أحدهما : أنّه مكروه , وبه قطع العراقيون , لأنّه لا يفرد عن الغناء ولا يطرب وحده وإنّما يزيد الغناء طرباً , فهو تابع للغناء المكروه فيكون مكروهاً .
وثانيهما : أنّه حرام وجرى عليه البغويّ والخراسانيون .
وعند الحنابلة : قال ابن قدامة : الضّرب بالقضيب مكروه إذا انضمّ إليه محرّم أو مكروه كالتّصفيق والغناء والرّقص , وإن خلا عن ذلك لم يكره , لأنّه ليس بآلة ولا يطرب ولا يسمع منفرداً بخلاف الملاهي .
وقال في الإنصاف : في تحريم الضّرب بالقضيب وجهان , وجزم ابن عبدوسٍ بالتّحريم .
ز - العود :
13 - من معاني العود في اللغة : كل خشبةٍ دقيقةً كانت أو غليظةً , وضرب من الطّيب يتبخّر به , وآلة موسيقيّة وتريّة يضرب عليها بريشة ونحوها , والجمع أعواد وعيدان , والعوّاد : صانع العيدان والضّارب عليها .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
وقد اختلف الفقهاء في حكمه :
فذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم ضرب العود واستماعه لأنّ العود من المعازف وآلات اللّهو .
وقال الصّاوي : ذهبت طائفة إلى جوازه , ونقل سماعه عن عبد اللّه بن عمر , وعبد اللّه ابن جعفرٍ , وعبد اللّه بن الزبير , ومعاوية بن أبي سفيان , وعمرو بن العاص , وغيرهم , رضي اللّه تعالى عنهم , وعن جملةٍ من التّابعين .
ثمّ اختلف الّذين ذهبوا إلى تحريمه , فقيل : كبيرة , وقيل : صغيرة , والأصح الثّاني , وحكى المازريّ عن ابن عبد الحكم أنّه قال : إذا كان في عرسٍ أو صنيعٍ فلا ترد به شهادة .
وقال الماورديّ : إنّ بعض أصحابنا كان يخص العود بالإباحة من بين الأوتار .
ح - الصّفّاقتان :
14 - الصّفّاقتان دائرتان من صفرٍ - أي نحاسٍ - تضرب إحداهما على الأخرى , وتسمّيان بالصّنج أيضاً , وهما من آلات الملاهي .
والمعتمد من مذهب الشّافعيّة أنّ استعمالهما واستماعهما حرام , لأنّ ذلك من عادة المخنّثين والفسقة , وشاربي الخمر , وفي الضّرب بهما تشبه بهم ومن تشبّه بقوم فهو منهم , ولأنّ اللّذّة الحاصلة منهما تدعو إلى فسادٍ كشرب الخمر لا سيّما من قرب عهده بها , والاستماع هو المحرّم .
أمّا السّماع من غير قصدٍ فلا يحرم .
ط - باقي المعازف الوتريّة :
15 - ذهب الفقهاء إلى تحريم استعمال المعازف الوتريّة كالطنبور والرّباب والكمنجة والقانون وسائر المعازف الوتريّة , واستعمالها هو الضّرب بها .
تعلم الموسيقى :
16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى تحريم تعلم المعازف والموسيقى والإجارة على تعلمها , لقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه بعثني رحمةً وهدىً للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكبّارات يعني البرابط والمعازف والأوثان . . . لا يحل بيعهنّ ولا شراؤهنّ ولا تعليمهنّ » .
اتّخاذ المعازف :
17 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يحرم اتّخاذ آلة اللّهو - المعازف - المحرّمة ولو بغير استعمالٍ لأنّ اتّخاذها يجر إلى استعمالها , وقالوا : يحرم اتّخاذ آلةٍ من شعار الشّربة كطنبور وعودٍ ومزمارٍ عراقيٍّ ونحو ذلك .
الاكتساب بالمعازف :
18 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ الاكتساب بالمعازف لا يطيب , ويمنع منه المكتسب وذلك إذا كان الغناء حرفته الّتي يكتسب بها المال , ونصوا على أنّ التّغنّي للّهو أو لجمع المال حرام بلا خلافٍ .
قال ابن عابدين : في المنتقى : امرأة نائحة أو صاحبة طبلٍ أو زمرٍ اكتسبت مالاً ردّته على أربابه إن علموا وإلا تتصدّق به , وإن من غير شرطٍ فهو لها .
وقال الماورديّ : ويمنع - أي المحتسب - من التّكسب بالكهانة واللّهو ويؤدّب عليه الآخذ والمعطي .
الغناء مع المعازف :
19 - الغناء إمّا أن يقترن بآلة محرّمةٍ من آلات العزف أو لا يقترن بها , فإن لم يقترن بأيّ آلةٍ فقد اختلف الفقهاء في حكمه على تفصيلٍ سبق في مصطلح : ( استماع ف 16 - 22 ) .
وإن اقترن الغناء بآلة محرّمةٍ من آلات العزف , فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وجمهور الشّافعيّة إلى حرمته .
وذهب بعض فقهاء الشّافعيّة إلى حرمة آلة العزف وبقاء الغناء على الكراهة .
الاستماع إلى المعازف :
20 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الاستماع إلى المعازف المحرّمة حرام , والجلوس في مجلسها حرام , قال مالك : أرى أن يقوم الرّجل من المجلس الّذي يضرب فيه الكبر والمزمار أو غير ذلك من اللّهو , وقال أصبغ : دعا رجل عبد اللّه بن مسعودٍ رضي اللّه تعالى عنه إلى وليمةٍ , فلمّا جاء سمع لهواً فلم يدخل فقال : ما لك ؟ فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من كثر سواد قومٍ فهو منهم ومن رضي عمل قومٍ كان شريكاً لمن عمله » .
بل إنّ بعض الفقهاء نصّ على أنّ من يستمع المعازف المحرّمة فاسق , قال ابن القيّم : العود والطنبور وسائر الملاهي حرام , ومستمعها فاسق .
شهادة العازف والمستمع للمعازف :
21 - ذهب الفقهاء إلى أنّه لا تقبل شهادة العازف أو المستمع للمعازف المحرّمة كالمزامير والطّنابير والصّنج وغيرها .
التّداوي باستماع المعازف :
22 - ذهب الشّافعيّة إلى جواز التّداوي باستماع المعازف المحرّمة للضّرورة .
قال الرّملي : لو أخبر طبيبان عدلان بأنّ المريض لا ينفعه لمرضه إلا العود عمل بخبرهما , وحلّ له استماعه , كالتّداوي بنجس فيه الخمر , وعلى هذا يحمل قول الحليميّ : يباح استماع آلة اللّهو إذا نفعت من مرضٍ , أي لمن به ذلك المرض وتعيّن الشّفاء في سماعه . وقال الشّبراملسيّ : آلة اللّهو قد يباح استعمالها بأن أخبر طبيب عدل مريضاً بأنّه لا يزيل مرضه إلا سماع الآلة , ولم يوجد في تلك الحالة إلا الآلة المحرّمة .
وقال الحنابلة : يحرم التّداوي بصوت ملهاةٍ وغيره كسماع الغناء والمحرّم لعموم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولا تداووا بالحرام » .
الوصيّة بالطّبل :
23 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الشّخص لو أوصى بطبل , وله طبل لهوٍ لا يصلح لمباح , وطبل يحل الانتفاع به , كطبل حربٍ يقصد به التّهويل , أو طبل حجيجٍ يقصد به الإعلام بالنزول والرّحيل , أو غيرهما - غير الكوبة المحرّمة - حملت الوصيّة على ما يحل الانتفاع به لتصحّ , لأنّ الظّاهر قصده للثّواب , وهو فيما تصح به الوصيّة , فإن صلح لمباح تخيّر الوارث , فإن لم يكن له إلا طبول لا تصح الوصيّة بها لغت , ولو أوصى بطبل اللّهو لغت الوصيّة لأنّه معصية ، إلا إن صلح لحرب أو حجيجٍ أو منفعةٍ أخرى مباحةٍ , لإمكان تصحيح الوصيّة فيما يتناوله لفظها , وسواء صلح على هيئته أم بعد تغيرٍ يبقى معه اسم الطّبل , فإن لم يصلح إلا بزوال اسم الطّبل لغت الوصيّة .
وقال الحنابلة : وإن وصّى بدفّ صحّت الوصيّة به , لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أعلنوا النّكاح واضربوا عليه بالدفّ » , ولا تصح الوصيّة بمزمار ولا طنبورٍ ولا عودٍ من عيدان اللّهو لأنّها محرّمة , وسواء كانت فيه الأوتار أو لم تكن , لأنّه مهيّأٌ لفعل المعصية دون غيرها , فأشبه ما لو كانت فيه أوتار .
بيع المعازف :
24 - لا يصح عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّدٍ - وعليه الفتوى عند الحنفيّة - بيع المعازف المحرّمة كالطنبور والصّنج والمزمار والرّباب والعود , لما روى أبو أمامة رضي اللّه تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه بعثني رحمةً وهدىً للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكفّارات يعني البرابط والمعازف . . . لا يحل بيعهنّ ولا شراؤهنّ ولا تعليمهنّ ولا التّجارة فيهنّ وأثمانهنّ حرام للمغنّيات » .
وفي قولٍ عند الشّافعيّة : يصح بيع آلات العزف المحرّمة إن عدّ رضاضها - أي مكسّرها - مالاً , لأنّ فيها نفعاً متوقّعاً , أي من هذا الرضاض المتقوّم , كما يصح بيع الجحش الصّغير الّذي لا نفع منه في الحال .
ويصح عند أبي حنيفة بيع المعازف لأنّها أموال متقوّمة , لصلاحيّتها للانتفاع بها لغير اللّهو , كالأمة المغنّية , حيث تجب قيمتها غير صالحةٍ لهذا الأمر .
أمّا المعازف المباحة كالنّفير والطبول غير الدّربكّة فإنّه يجوز بيعها .
إجارة المعازف :
25 - ذهب الفقهاء إلى أنّ استئجار آلة اللّهو المحرّمة - المعازف المحرّمة - لا يجوز لأنّ المنفعة المقصودة غير مباحةٍ ويحرم أخذ العوض عليها , لأنّه يشترط لصحّة الإجارة أن تكون المنفعة مباحةً , وفي قولٍ عند المالكيّة : يجوز كراؤها في النّكاح والرّاجح الحرمة . أمّا المعازف غير المحرّمة فيجوز كراؤها .
إعارة المعازف :
26 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من شروط المستعار كونه منتفعاً به انتفاعاً مباحاً مقصوداً , فلا يجوز إعارة ما لا ينتفع به انتفاعاً مباحاً شرعاً كالمعازف وآلات اللّهو المحرّمة .
إبطال المعازف :
27 - ذهب الفقهاء إلى أنّ آلات اللّهو والمعازف المباحة لا يجوز إبطالها أو كسرها بل يحرم .
أمّا آلات العزف والملاهي المحرّمة الاستعمال فلا حرمة لصنعتها ولا لمنفعتها , وأنّه يجب إبطالها , لما روى عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي اللّه تعالى عنهما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بعثت بهدم المزمار والطّبل » , وما روي أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أمرني اللّه بمحق القينات والمعازف » .
وفصّل الشّافعيّة كيفيّة إبطال المعازف المحرّمة فقالوا : الأصح أنّها لا تكسر الكسر الفاحش لإمكان إزالة الهيئة المحرّمة مع بقاء بعض الماليّة , نعم للإمام ذلك زجراً وتأديباً , وإنّما تفصل لتعود كما قبل التّأليف لزوال اسمها وهيئتها المحرّمة بذلك .
والقول الثّاني - مقابل الأصحّ عندهم - أنّه لا يجب تفصيل الجميع بل بقدر ما لا يصلح للاستعمال , فلا تكفي إزالة الأوتار فقط لأنّها منفصلة عنها .
والثّالث : تكسر حتّى تنتهي إلى حدٍّ لا يمكن اتّخاذ آلةٍ محرّمةٍ .
ونصّ الشّافعيّة على أنّ المعازف وآلات اللّهو المملوكة لذمّيّ لا تبطل لأنّه مقر على الانتفاع بمثلها , إلا أن يسمعها من ليس بدارهم أي محلّتهم , حيث كانوا بين أظهرنا , وإن انفردوا بمحلّة من البلد , فإن انفردوا ببلد أي بأن لم يخالطهم مسلم لم يتعرّض لهم .
ضمان المعازف :
28 - ذهب الفقهاء إلى أنّ آلات اللّهو - المعازف - المباحة كطبل الغزاة والدفّ الّذي يباح ضربه واستماعه في العرس يحرم كسرها , وتضمن إن كسرت أو أتلفت .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّ المعازف المحرّمة لا يجب في إبطالها شيء , لأنّ منفعتها محرّمة والمحرّم لا يقابل بشيء , مع وجوب إبطالها على القادر عليه . وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( إتلاف ف 12 وضمان ف 140 ) .
سرقة المعازف :
2 - اختلف الفقهاء في إقامة حدّ السّرقة أو عدم إقامته على من يسرق المعازف المحرّمة أو غيرها :
فذهب الحنفيّة والحنابلة وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة إلى أنّ سارق المعازف - آلات اللّهو - لا تقطع يده , واختلف تفصيلهم وتعليلهم :
فقال الحنفيّة : لا قطع في جميع آلات اللّهو المحرّمة , لأنّها عند الصّاحبين لا قيمة بها بدليل أنّ متلفها لا يضمنها , ولأنّها عند أبي حنيفة - وإن كان يجب الضّمان على متلفها فهي متقوّمة - لكنّ آخذها يتأوّل الكسر فيها فكان ذلك شبهةً تدرأ حدّ السّرقة وهو القطع . واختلفوا في طبل الغزاة , فقيل : يقطع سارقه لأنّه مال متقوّم ليس موضوعاً للّهو فليس آلة لهوٍ , واختار الصّدر الشّهيد - وهو الأصح - عدم وجوب القطع بسرقته لأنّه يصلح للّهو وإن كان وضعه لغيره , أي أنّه كما يصلح للغزو يصلح للّهو , فصارت صلاحيّته للّهو شبهةً تمكّنت فيه فدرأت القطع .
وقال الحنابلة : لا قطع بسرقة آلة لهوٍ كطنبور ومزمارٍ وشبّابةٍ وإن بلغت قيمة ما ذكر مفصّلاً نصاباً , لأنّه معصية إجماعاً فلم يقطع بسرقته كالخمر , ولا يقطع أيضاً بما على آلة اللّهو من حليٍّ ولو بلغ نصاباً لأنّه متّصل بما لا قطع فيه وتابع له أشبه الخشب .
والقائلون بمقابل الأصحّ من الشّافعيّة علّلوا قولهم بأنّ الشّارع سلّط على كسر ما حرم من آلات اللّهو كالطنبور والمزمار وغيرهما , والتّوصل إلى إزالة المعصية مندوب إليه , فصار ذلك شبهةً دارئةً لحدّ السّرقة .
وذهب المالكيّة وهو الأصح عند الشّافعيّة إلى أنّه لا قطع بسرقة الطنبور والعود والمزامير ونحوها من آلات اللّهو المحرّمة إلا أن تساوي بعد كسرها - أي إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها - نصاباً , لأنّ السّارق عندئذٍ يكون قد سرق نصاباً من حرزه .
لكنّ المالكيّة اختلفوا في الكسر المعتبر في تقويم المسروق , هل يكفي في اعتبار قيمته تقدير كسره وإن لم يكسر بالفعل , أم لا بدّ من كسره بالفعل ولا تعتبر قيمته بتقدير كسره ؟ المعتمد في المذهب أنّه يكفي في اعتبار قيمته تقدير كسره إذ قد تفقد عينه لو كسر بالفعل , وذهب الزرقانيّ إلى أنّه لا قطع في المسروق من هذه المعازف إلا أن يساوي بعد كسره بالفعل نصاباً .


راجع الموسوعة الفقهية الكويتية

صهيب ياس الراوي
18-Nov-2007, 03:47 AM
مشكور اخي العزيز على هذا التفصيل الكريم وجزيت خيرا والجنة

سهاد الليل
18-Nov-2007, 05:09 AM
جزيت خيرا اخ ابو محمد على طرحك المهم
ولكن للأسف هل الايام بعض أهل العلم ؟ يصرحون أمام الناس ويجاهرون بالمعصية
ويقولون احب ان اسمع على مطربنا فلان او المطربة فلانة
وأذا احدا قال لهم لا يجوز يأخذونه باالمسخرة والاستهزاء بأنه متعصب ومو شايف من حياته شيئ

روح وريحان
18-Nov-2007, 05:32 AM
جزاكم الله خيرا على ما تتحفونا به من ابحاث
مفيدة وقيمة جزاكم الله الجنة

زبيدة
18-Nov-2007, 01:46 PM
جزاكم الله خيرا
وجعله الله في صحيفة أعمالكم

ابومحمد
18-Nov-2007, 10:16 PM
شكرا لمروركم الطيب وبوركتم وبارك الله بكم


اما الاخت سهاد الليل فالنبي صلى الله عليه وسلم اخبر انه ستكون فتن كقطع الليل المظلم

ولاتعجبي اختي بارك الله بك

الخنساء
19-Nov-2007, 01:26 AM
بارك الله فيك وبجهودك أخي الفاضل صحيح أختي سهاد الليل ما ذكرت حسبي الله ونعم الوكيل فلقد وصل بنا الزمان والفساد فيه إلى هنا وأضيف لما ذكرت أختي الفاضلة صنف آخر وأنا أراهم الأسوء وهم ممن يدعون أنهم لا يستمعون للغناء بينما هم يحفظون الأغاني ويرددونها لكثرة إستماعهم لها فهؤلاء الصنف يخافون من كلام الناس ولا يحسبون حساب بان الله يعلم ظاهر الأمور وباطنها ويعلم ما يبدو وما يخفى فهؤلاء يرتكبون بدل الإثم إثنين الكذب والإستماع للغناء

ابومحمد
14-May-2010, 09:29 PM
اشكر الاخوة الكرام كلهم على مرورهم الطيب والذي شرفني واسعدني وأسأل الله عزوجل لي ولهم المغفرة

والسداد

وعموم البلوى يقتضي منا رفع الحرج عن الامة قال سفيان الثوري رضي الله عنه

انما الرخصة من فقيه اما العزائم فكلنا يحسنه