المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفة الاستواء على العرش.



ابومحمد
22-Mar-2008, 11:48 PM
الإمام الكمال ابن الهمام وصفة الاستواء
قال الكمال بن الهمام: في [المسايرة في علم الكلام ص 17] "الأصل الثامن" "إنه تعالى استوى على العرش، مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام، من التمكّن والمماسة والمحاذاة، بل بمعنىً يليقُ به هو سبحانه.
وحاصله وجوب الإِيمان بأنه استوى على العرش، مع نفي التّشبيه، فأما كونُ المراد أنه استيلاؤه على العرش، فأمر جائز الإِرادة، إِذ لا دليل على إرادته عيْناً، فالواجب عينا ما ذكرنا". أهـ.‏
الإمام عبد الرحمن الدهلي وصفه الاستواء
أجاب الشيخ عبد الرحمن الهندي الدّهلي: في كتابه [روضُ المجال في الرّد على أهل الضلال ص 18] عن سؤال في بيان التأويل فقال: "الجواب" عن "الرحمنُ على العَرشِ اسْتوى".
قال الأستاذ أبو منصور الماتُريدي البغدادي رضي اللَّه عنه: ذهب الأكثرون إِلى أن الاستواء. هو القهر والغلبة أي الرحمنُ غلب العرش وقهره وخصّه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، ثم قال: وهل يُطلق الاستواءُ ويراد منه القهر في اللغة؟ أجاب: نعم، يُطلق ويراد منه القهر، مثل قولك: الملك استوى على البلدة الفلانية. بمعنى قهرها، وخلاّها تحت حكمه. ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق، واستيلاء الخالق سبحانه وتعالى. لأن استيلاء الخالق على جميع المخلوقات قديم، واستيلاءٌ كليٌّ من كل الوجوه، بخلاف استيلاء الملك فإِنه استيلاء حادث، واستيلاءٌ ظاهر لا حقيقي، فإِن الاستيلاء الحقيقي ثابت لله تعالى". أهـ.

الإمام مالك والإمام الشافعي رضي اللَّه عنهما وصفة الاستواء
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 17] (فصل) "واعلموا أن الباري لا مكان له، والدليل عليه هو أن اللَّه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته، والتبديل في صفاته، ولأنَّ ماله مكان وله تحتٌ متناهي الذات محدود، والمحدود مخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة، والولدُ في حقه تعالى محال: "فإِن قيل" قال اللَّه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
يقال له: إِن هذه الآية من المتشابه التي يُحار في الجواب عنها، وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم، أي يمر بها كما جاءت، ولا يبحث عنها، ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة، والورطة إذا لم يكن راسخاً في العلم، ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه، وأنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
ويخلص عن هذه المهالك، ولهذا زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال: "الاستواء مذكورٌ، وكيفيته مجهولة، والإِيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، ثم قال: فإِن عدت إلى مسألتك أمرتُ بضرب رقبتك، أعاذنا اللَّه تعالى وإِيّاكم من التّشبيه". أهـ. وقوله: "الاستواء مذكور" أي في القرآن الكريم.
وبذا يُفصحُ لنا الإِمامان الجليلان عن صفاء عقيدتيْهما السلفيّة النقيّة من كل شائبة تشبيه أو تجسيم، فيجب اعتناقها والإِيمان بها لأنها هي الطريقة الصحيحة التي درج عليها السلف الصالح. اقتداء برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وإِنا على نهجهم لسائرون وبهم مقتدون - إن شاء اللَّه تعالى -.‏
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الحد والنهاية عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: [في كتابه: الفقه الأكبر ص 8] "واعلموا أن الحدّ والنهاية لا يجوز على اللَّه تعالى، ومعنى الحد: هو طرف الشيء ونهايته، والدليل عليه، هو أن من لا يكون محدود البداية، لا يكون محدود الذات. ومعناه من لا يكون لوجوده ابتداء لا يكون لذاته انتهاء، ولأن ما كان محدوداً متناهياً، صحّ أن يتوهم فيه الزيادة والنقصان، وأن يوجد مثله، فكان لاختصاصه نوع من النهاية، والتحديد الذي يصح أن يكون أكبر منه، أو أصغر، يقتضي أن يكون له مخصّص يخصّصه على حدّ ونهاية، وخلقه على قدر، وذلك دلالة الحدوث، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً" أهـ.‏
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي التشبيه
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في الفقه الأكبر ص 8 "فصل" "واعلموا أن خالق العالم لا يشبه شيئاً من المخلوقات، والدليل عليه أن التشبيه يوجب الاستغراق في جميع الصفات، والأحكام، لأن حقيقة المشتبهين هما الغيّران بالذات، يجوز على كل واحد منهما، جميع ما جاز على صاحبه، فيقوم مقامه، ويسدّ مسدّه، فلو كان الباري مشبهاً لخلقه، لكان يجوز عليه صفات خلقه، وذلك محال، لأنه يقتضي جواز كونه محدثاً، ولأنه يتناقض، فثبت أن الباري لا يشبهه خلقه، ولا يشبه هو خلقه، قال اللَّه تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ومعناه ليس كهو شيء" أهـ.‏
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه وكلام اللَّه تعالى
قال الإمام الشافعي في كتابه [الفقه الأكبر ص 15] "فصل" "واعلموا أن كلام الباري سبحانه قديم أزليّ موجود بذاته، ليس بمخلوق ولا محدث، ومن قال: إِنه مخلوق فهو كافر لا محالة، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، متلوٌّ في محاربنا، مسموع بإسماعنا، ليس بكتابة، ولا حفظ ولا قراءة، ولا تلاوة، ولا سمع لأن ذلك محدث عن عدم، وكلام اللَّه قديم. كما أن الباري سبحانه مكتوب في كتبنا، معلوم في قلوبنا، مذكور بألسنتنا، وليس ذات الباري سبحانه كتابة، ولا ذكراً، والدليل على أن كلامه قديم قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فأثبت أن المخلوق مقول له {كُنْ} فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له {كُنْ} وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول، فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث، ولأن الحيّ الذي لا يصح عليه الكلام، لا يصح أن يعرى عن الآفات المانعة عن الكلام كواحد منا، والباري سبحانه حيّ يصح أن يكون متكلماً، والآفات المانعة من الكلام عليه محال، فثبت أنه لم يزل متكلماً وكلامه قديم" أهـ.
إذن فلا يليق بمن يدعو إِلى السلفيّة أن يقول: "وعلى التحقيق إِن اللَّه تعالى تكلّم القرآن بالحروف والصوت" لأنه لم يقل أحدٌ مثل هذا لا من السلف، ولا من الخلف. لأن القول به: موجب القول بخلق القرآن لا محالة، وقد كفر الشافعي - كما سمعت - من قال به. وقد نفى ذلك الشافعي رضي اللَّه عنه بقوله: "فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له كن، وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول" أهـ.
أي قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ (كُنْ) فَيَكُونُ} فافهم هذا هُديت إِلى الصّواب ولذا قال رضي اللَّه عنه: "فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث" أهـ.‏
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الجسمية والجوهر والعرض عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 9] "فصل" "واعلموا أن اللَّه تعالى ليس بجوهر، ولا بجسم، ولا عرض، والدليل عليه: هو أن الجوهر أصل الشيء، وهو ما يتركب منه الجسم، ومنه يقال: ثوب جوهريّ، إِذا كان أصليّا، والباري محال أن يتركب منه شيء، حتى يكون جوهراً، لأن الجواهر لا تنفك عن الحوادث، والحركة، والسكون، والألوان، والطعوم، والروائح، وغير ذلك. والقديم سبحانه يستحيل عليه، الحوادث، فبان أنه ليس بجوهر، ومحال أيضاً أن يكون جسماً، لأن الجسم هو المجتمع المؤلف، ومنه قول أهل اللغة: هذا جسم، وذلك أجسم منه، فيصفونه بالمبالغة إِذا كثُر تأليفه، واجتماعه، ويجري هذا مجرى قولهم: عالم وعليم وأعلم منه، إِذا زاد تعلق علمه بالمعلومات، ومعلوم أن العالم في الأصل إِنما كان عالماً للعلم، فكذلك القول في الجسم، وتحقيق ذلك، هو أن الوصف إِذا استحق المبالغة منه بزيادة معنىً، استحق الأصل الوصف لأجل ذلك المعنى، كالطويل وأطول، والعالم وأعلم، ونحو ذلك، وقد نبهنا اللَّه تعالى على هذا المعنى بقوله: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي في عظم الجثة، والشخص. والباري تعالى ليس بذي أجزاء، وأبعاض، بل هو واحد كما قال اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ} والمجتمع المؤلّف لا يكون واحداً، ومحال أن يكون عرضاً، لأن العرض ما يستحيل عليه البقاء، أو يقل بقاؤه، ولهذا المعنى : {تريدون عرض الحياة الدنيا} لقلة بقائها، والباري سبحانه واجب البقاء، دائم الوجود، مستحيل العدم. قال اللَّه عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ} أهـ.‏
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الصور والتركيب عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 10] "فصل" "واعلموا أن الصور والتركيب تستحيل على اللَّه تعالى للمعنى الذي ذكرنا في الجسم، ولأن ذا الصورة لا يختص بصورة دون صورة، إِلا بمخصّص هو فاعله، وخالقه، ومن يكون له صورة أيضاً مخلوق لا إِشكال فيه، ولأن الصورة لا تشبه المصوّر، واللَّه تعالى خالق الصور، وصورته {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقال اللَّه تعالى {هُوَ اللَّه الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} أهـ.‏
مخالفة صريحة في هذا الخصوص لابن تيمية رحمه اللَّه لعلَّةٍ ما
قال ابن تيميّه رحمه اللَّه: في ردّه على [أساس التقديس] للرازي "فمن المعلوم أن الكتاب والسّنة، والاجماع لم تنطق بأن الأجسام كلها محدثة، وأن اللَّه ليس بجسم، ولا قال ذلك إِمام من أئمة المسلمين، فليس في تركي لهذا القول خروج عن الفطرة، ولا عن الشريعة" أهـ. وكلامه هذا تراه في مكتبة الظاهريّة، الدمشقية، طي الكواكب الدراري، لابن زكنون الحنبلي، ويكون بقولته هذه، قد أنكر آيات التنزيه، مثل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}.
ومما قاله ابن تيمية في ردّه على الرازي: "قُلتم ليس هو بجسم، ولا جوهر، ولا متحيّز، ولا جهة له، ولا يشار إِليه بحسّ، ولا يتميّز منه شيء من شيء، وعبرتم عن ذلك بأنه تعالى ليس بمنقسم ولا مركب، له قدر لا يتناهى، فكيف ساغ لكم النفي بلا كتاب ولا سنّة" أهـ.
وفي كتاب النقض لعثمان بن سعيد السجزي تجد الكثير من التصريحات بالتجسيم - والعياذ باللَّه - مثل إِثبات الحركة لله تعالى، والثقل والجلوس، والمسافة، والاستقرار على العرش. وقوله: "يكون من على رأس الجبل أقرب إلى اللَّه" وقوله: "لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة، فأستقلت به قدرته، ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم" أهـ. وقد صرح بمثل هذا الداعين للسلفية الحديثة، في بلادنا الشامية، إِذ قال بعضهم: إِن من كان على رأس مئذنة أقرب إِلى اللَّه مما هو في أسفلها.‏
الإمام البيهقي والاستواء
جاء في تفسير الخازن (جـ 4 ص 196) وروى البيهقي بسنده عن ابن عُيينة قال: "كلُّ ما وصف اللَّه تعالى به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عنه".
وقال البيهقي: "والآثارُ عن السلف في مثل هذا كثير، وعلى هذه الطريقة يدلُّ مذهب الشافعي رضي اللَّه عنه، وإليه ذهب أحمد بن حنبل والحسن بن الفضل البجلي، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي". أهـ.
وقال البغوي: "أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش، صفة بلا كيف يجب على الرجل الإِيمانُ به، ويكل العلم إِلى اللَّه عزّ وجل" أهـ. وذكر حديث مالك بن أنس مع الرجل الذي سأله عن الاستواء: كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علته الرّحضاء (العرق) ثم قال: "الاستواء غيرُ مجهولُ.والكيف غير معقول. والإِيمانُ به واجبٌ، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج". أهـ.
وروي عن سفيان الثوري، والأوازعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدّ اللَّه بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة "إِقرؤها كما جاءت بلا كيف".
وقال الإِمام الرازي: "إِنه لا يمكن حمل قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.
على الجلوس، والاستقرار، وثقل المكان والحيز، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهباً: القطعُ بكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة، ولا نخوضُ في تأويلها على التّفصيل، بل نفّوض علمها إلى اللَّه تعالى، وهو الذي قررناه في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}
(قلتُ): وهذا المذهب هو الذي نختاره، وندعو إِليه، ونقول به، ونعتمد عليه، وذكر هناك الخازن كلاماً كثيراً وفنّد مذاهب متعدّدة، فمن أحب الاطلاع عليها فليرجع إِليها، فأنها لا تخلو من فائدة.‏
البغوي والاستواء
وجاء في تفسير أبي محمد حسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي المسمى (معالم التنزيل في التفسير): {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. قال الكلبي ومقاتل: استقرّ، قال أبو عبيد: صَعَدَ، وأوّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء. فأما أهل السنة. يقولون: الاستواء على العرش صفة اللَّه تعالى بلا كيف.... الخ...." ما تقدم عن الأئمة.‏
الحافظ ابن كثير رضي اللَّه عنه والاستواء
ذكر الإِمامّ الحافظ إسماعيل بن كثير القرشي في تفسيره {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.
"وللناس في هذا المقام مقالات كثيرةٌ جداً ليس هذا موضع بسطها، وإِنا نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح. مالك والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، واسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إِمْرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين، منفي عن اللَّه، لا يشبهه شيء من خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
بل الأمر كما قال الأئمة: منهم بِقُمُ بن حماد الخزّاعي، شيخ البخاري، قال: "من شبّه اللَّه بخلقه كفر، ومن جحد ما وصفَ اللَّه به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف اللَّه به نفسه، ولا رسوله تشبيهٌ، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والآثار الصحيحة على الوجه الذي يليقُ بجلال اللَّه، ونفى عن اللَّه تعالى النقائصَ، فقد سلك سبيل الهدى". أهـ.‏
الإمام الخطيب الشربيني والاستواء
ذكر الخطيب في تفسيره عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. قال: استوى أمره، وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة اللَّه بلا كيف يجب الإِيمان به، ونكل فيه العلم إِلى اللَّه تعالى. والمعنى: "إِن اللَّه سبحانه وتعالى استوى على العرش على الوجه الذي تمناهُ، منزه عن الاستقرار والتمكّن".
ورُوي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت بها الصفات المتشابهة "أمّروها كما جاءت". "واجماع السلف منعقدٌ على أن لا يزيدوا على قراءة الآية". أهـ.‏
الإمام الغزالي والاستواء
قال رضي اللَّه عنه: في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) [الدعوى الثالثة] ندّعي أن اللَّه تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش فإن كل متمكن على جسم ومستقرّ عليه مقدورٌ عليه لا محالة، فإنه إِما أن يكون أكبر منه أو أصغر، أو مساوياً وكُلّ ذلك لا يخلو عن التقدير، وأنه لو جاز أن يَماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يَماسه من سائر الجهات فيصير محاطاً به، والخصم لا يعتقد ذلك بحال، وهو لازم على مذهبه بالضرورة، وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا جسم، ولا يحل فيه إلا عرض، وقد بان أنه تعالى ليس بجسم، ولا عرض، فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوى بإقامة البرهان. فإِن قيل ما معنى قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
وما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "يَنزلُ اللَّه كلَّ ليلَةٍ إلى سماءِ الدّنيَا".
قلنا: الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل ولكن نذكر منهجاً في هذين الظاهرين يُرشد إِلى ما عداه، وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان، عوام وعلماء. والذي نراه اللائق بعوام الخلق ألا يُخاض بهم في هذه التأويلات، بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبه، ويدلّ على الحدوث. وتُحقق عندهم أنه موجود. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.
وإِذا سألوا عن معاني هذه الآيات زُجروا عنها، وقيل ليس هذا بِعُشِّكُمْ فادْرُجو، فلكل علم رجال، ويُجاب بما أجاب به مالك بن أنس رضي اللَّه عنه حيث سئل عن الاستواء... وهذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات. ولا إِحاطتهم باللّغات، ولا تتّسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات.
وأما العلماء، فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه، ولستُ أقول: إِن ذلك فرض عين إِذ لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل تشبيه بغيره" أهـ.‏
سعد الدين التفتزاني والاستواء
أورد سعد الدين التفتزاني في مؤلفه [العقائد النسفيّة ص 41] قول الخصم "واحتج المخالف بالنصوص الظاهرة" مثل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله: {يَدُ اللَّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}.
في الجهة والجسمية، والصورة والجوارح، وبأنّ كل موجودين فرضاً لابُدّ أن يكون أحدهما متصلاً بالآخر مُماسّاً له، أو منُفصلاً عنه مبايناً في الجهة، فيتحيّز فيكون جسماً أو جزء جسم مصوّراً متناهياً" (الجواب) "إِنّ ذلك وهم محض. وحكم على غير المحسوس بأحكام المحسوس، والأدلة القطعية قائمة على التنزيهات، فيجب أن يفوّض على النصوص - أي المار ذكرها ونحوها - إِلى اللَّه تعالى على ما هو دأبُ السلف إِيثاراً للطريق الأسلم، أو مؤَّلةَ تأويلات صحيحة على ما اختاره المتأخرون، دفعاً لمطاعن الجاهلين، وجذْباً بضبع القاصرين سلوكاً للسبيل الأحكم، ولا يشبهُه شيء" أهـ.‏
المجد بن تيمية والاستواء
ذكر ابن تيمية في كتابه (درء تعارض العقل والنقل ص 278) "والآيات التي ذكر اللَّه فيها أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إِلا اللَّه. إِننا ننفي عن غيره علم تأويلها لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنه سئل مالك رضي اللَّه عنه قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم. والكيف مجهول. والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" وكذلك ربيعة قبله. فبين مالك أن معنى الاستواء معلوم وأن كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو التأويل الذي لا يعلمه إِلا اللَّه. وأما ما يعلم من الاستواء وغيره فهو في التفسير الذي بينه اللَّه ورسوله" أهـ.
والمجد ابن تيمية هذا ليس هو أحمد بن تيمية وإِنما هذا عمه ولد سنة 590 وتوفي 652 هـ.‏
أبو الحسن الأشعري والاستواء
نقل البيهقي عن أبي الحسن الأشعري رضي اللَّه عنه: "أن اللَّه فعل في العرش فعلاً سمّاه استواءً، كما فعل في غيره فعلاً سماه رزْقاً ونعمةً، وغيرهما من أفعاله، ثم لم يكيّف الاستواء إِلا أنه جعله من صفات الفعل لقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. وثُمَّ للتراخي، والتراخي إِنما يكون في الأفعال، وأفعال اللَّه تعالى توجد بلا مباشرة عنه إِياها ولا حركة. وحكى الأستاذ أبو بكر بن فروّك عن بعض أصحابنا أنه قال: "استوى بمعنى علا من العلو. قال: ولا يُريدُ بذلك علو المسافة والتحيّز، والسكون في المكان متمكنّاً فيه. ولكن يريد معنى نفي التحيز عنه، وأنه ليس مما يحويه طبق، أو يحيط به قطر، ووصْفُ اللَّه بذلك طريقةُ الخبر، ولا يتعدى ما ورد به الخبر" أهـ.‏
الصاوي والاستواء
قال الصاوي في الجزء الثالث (ص 38) على قول الجلال المحلي في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. استواء يليق به ما نصّه: "هذه طريقةُ السلف الذين يفوّضون علم المتشابه لله تعالى، ومن ذلك جواب الإِمام مالك رضي اللَّه عنه عن الاستواء على العرش.. حيث قال: الاستواء معلوم... وأما الخلف وهم من بعد الخمسمائة فإِنهم يؤّولون بمعنى صحيح لائق به سبحانه وتعالى. فيقولون: إِن المراد بالاستواء: الاستيلاء بالتصرف والقهر. وكلا المعنيين، وارد في اللغة يقال استوى السلطان على الكرسي. بمعنى: جلس، واستوى على الأقطاب، بمعنى ملك وقهر. ومن الثاني قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق: وحينئذ؛ فالمعين إِطلاقه عليه تعالى بهذا المعنى الثاني" أهـ فأنت ترى أنْ قد أبان لنا الصّاوي في كلامه هذا: أن السلف والخلف متفقون على أن الاستواء في الآية مصروف عن ظاهره، وليس المراد الجلوس، والاستقرار. فمن قال: إِن المراد به الجلوس فقد خالف السلف والخلف، وخرج عن إِجماع الأمة، وذلك هو الضلال المبين.‏
ابن جماعة والاستواء
ذكر بدر الدين بن جماعة في كتابه [إِيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل] المخطوط بدار الكتب الملكية ما نصّه: قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. ورد في خمس آيات. وفي سادسة في [طه]: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. والقرآنُ نزل بلغة العرب. ومعاني كلامهم، وما كانوا يتعقّلون من خطابهم، أمّا العرش لغة فهو سرير الملك، وسقف البيت، والعرش سقفُ العالم بأسره، وسنبيّن أن إِرادة حقيقة السرير في الآيات محال. وأما الاستواء فله في اللغة معان (الأول) تمام الشيء، ومنه: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ}.{سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ}. {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}.
(الثاني) القصدُ ومنه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}. أي قصد خلقها (الثالث) الاعتدال ومنه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. {لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ}. (الرابع) القهر والاستيلاء ومنه: قد استوى بشر على العراق.
ثم قال: واتفق السلف، وأهل التأويل - أي من الخلف - على أنّ ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاستيلاء. فسكت السلف عنه، وأوله المتأولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عزّ وجل عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان ، وكذلك لا يوصف أو سكون، أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات، وعروض الأعراض. والرب تعالى مقدس عنه ، فقوله تعالى{اسْتَوَى} يتعين فيه معنى الاستيلاء والقهر، لا القعود والاستقرار، إِذ لو كان وجوده مكانياً، أو زمانياً للزم حاجاته إلى المكان، وهو الغني المطلق المستغني عما سواه، كان اللَّه ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان" أهـ.‏
القرطبي والاستواء
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام. والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إِذا وجب تنزيه الباري تعالى عن الجهة، والتحيّز فمن ضرورة ذلك عند عامة العلماء تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، وليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم ذلك أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيّز، ويلزم من المكان والحيّز الحركة، والسكون للتحيّز والتغيير والحدوث. هذا قول المتكلمين.
وحكى أبو عمرو بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
قال: علا، وقال الشاعر:
فأوردتهم ماءً نقيعاً قعرهُ *** وقد حلَّق النجمُ اليماني واستْوى
أي: علا وارتفع، قال القرطبي: قلت: فعلوا اللَّه تعالى وارتفاعه عبارة عن علوّ مجده وصفاته وملكوته، أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلوّ مشتركاً بينه وبينه لكنه العلى بالاطلاق سبحانه وتعالى. أهـ. باختصار.‏

أيمن السيد
23-Mar-2008, 02:15 AM
العرش بالرحمن إستوى

د.أبوأسامة
23-Mar-2008, 03:29 PM
الأخ الفاضل أبو محمد
بارك الله فيكم على هذا النقل القيم
لقد ورد في القرآن الكريم استواء الرحمن على العرش في سبع آيات منها :
قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) سورة طه : 5.
وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله: (ثم استوى على العرش)، قالت :
الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.

وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال سئل ربيعة عن قوله: (استوى على العرش)، كيف استوى؟، قال :
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.

قال الحافظ الذهبي في العلو : (قال ابن منده : أنبأ محمد بن يعقوب الشيباني حدثنا محمد بن عمرو ابن النضر حدثنا يحيي بن يحيي قال : كنت عند مالك فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى ) فأطرق ثم قال :
الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب،والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ مبتدعاً. فأمر به أن يُخرج ).

الخنساء
24-Mar-2008, 01:12 AM
الأخ الفاضل أبو محمد

بارك الله فيكم
يقول الشيخ محمد بن العلوي المالكي رحمه الله
في قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) ما قاله السلف الصالح رضي الله عنهم : (آمنّا بالله ، وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ، ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) ) هذه هي عقيدة السلف ، وهذا هو الذي يجب أن نواجه به النصوص الواردة في الكتاب والسنة المطهرة دون زيادة أو نقصان ، وهذا القدر من الإيمان لا يخالف فيه أحد ولا يجوز أن يزيد عليه مجتهد ، إذ لا اجتهاد في العقيدة ، ومن زاد على هذا النص ألفاظاً أخرى فهو من فهمه الخاص الزائد على النص ، مثل زيادة لفظ (الذات ) على قوله : ( استوى ) فيقول : استوى بذاته ، أو زيادة لفظ (حقيقة) فيقول : استوى بذاته حقيقة ، أو تفسير الاستواء بالإستقرار ، فيقول : استوى يعني استقر بذاته على العرش حقيقة ، أو زيادة لفظ ( فوق ) فيقول : استوى أي جلس فوق عرشه بذاته حقيقة ، فكل ذلك زيادة على النص الوارد ، واجتهاد في صفات الله تعالى ، وهو مرفوض في هذا الباب .
الحاصل أنه لا يصح الزيادة على صفة الاستواء باجتهاد أو استنباط ، بل يجب الاكتفاء بما ورد في النص دون زيادة أو نقص ، لأن الموضوع لا يدخل فيه العقل و النظر ، وإنما موقف العقل هو التسليم والإيمان بما جاء كما جاء ، كما قال الإمام الشافعي – وهو من كبار أئمة السلف - : آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله ، من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف ، ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) .
قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى : أجمع المسلمون على منع تقدير صفة مجتهَد فيها لله عز وجل لا يتوصل فيها إلى قطع بعقل أو سمع ، وأجمع المحققون على أن الظواهر يصح تخصيصها أو تركها بما لا يقطع به من أخبار الآحاد و الأقيسة ، وما يترك بما لا يقطع به كيف يُقطع به .اه
__________
روى البيهقي بسنده قال جاء رجل الى الإمام مالك فقال : يا أبا عبد الله كيف الإستواء ؟
فاطرق الامام مالك راسه حتى علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة , وما أراك الا مبتدعاً ... ثم أمر به أن يُخرج .

وقد سُئلت أم سلمة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) فقالت : الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والايمان به واجب والجحود له كفر .
وسُئل جعفر بن نصير عن قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى )
فقال : استوى علمه بكل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ .

.