المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشكلة الغلاء ... سببها وعلاجها



فياض العبسو
06-Sep-2008, 10:58 PM
سألت سماحة العلامة الفقيه الشيخ الدكتور إبراهيم محمد سلقيني ، مفتي محافظة حلب ، حفظه الله تعالى ورعاه ، عن مشكلة الغلاء, ما سببها؟ وما علاجها؟ وبماذا تنصحون التجار ؟

فأجاب بما يلي:

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:

فسبب هذه المصيبة أراه واضحاً ومجسَّداً في القرآن العظيم, يقول الله تعالى: { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون}.
وضَّح لنا ربنا في هذه الآية الكريمة بأنه أسبغ علينا نعمتين من أعظم نعمه علينا ألا وهما نعمة الرزق والأمن, كما قال تعالى: { لإِيلاَفِ قُرَيْش * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف }, هو الذي أطعمنا من جوع وأمننا من خوف, ولكن جحود النعمة يعرضها للزوال, كما أن الشكر عليها يعقلها ويجلب النعمة المفقودة, كما قال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد }, فالشكر لله على النعم يديمها ويزيدها, أما جحودها فيعرِّضها للزوال, ويعرِّض المنعَم عليه للعقاب وخيبة الأمل, ولسوء الخاتمة والعياذ بالله إذا بقي مصراً على ذلك, فَقَيْدُ النعمة شكرها, ورحم الله من قال:

إذا كنت في نعمةٍ فارْعَها = فإن المعاصي تزيل النِّعم
وحافظ عليها بشكر الإله = فإن الإله شديد النِّقَم

لقد كنا في أمن, ومقومات الحياة متوفرة بحمد الله عز وجل, وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ, عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. غير أننا رأينا من يستخدم تلك النعم ويستغل نعمة الأمن في معصية الله, فانتشر في المجتمع الربا, والزنا, والرشوة, وتطفيف الكيل والميزان, وشهادة الزور, وتبرّج النساء, والأيمان الكاذبة, وأكل الأموال العامة, والسرقة, والقمار, والميسر, وشرب الخمر..... إضافة إلى هذا عدم التراحم بيننا, فالكبير لا يرحم الصغير, والأب لا يرحم الولد, والولد لا يرحم الوالد, والغني لا يرحم الفقير, والقوي لا يرحم الضعيف, والحاكم لا يرحم المحكوم, والمحكوم لا يرحم الحاكم, وتكاد أن تكون الرحمة قد نُزعت.

فما هي نتيجة هذه الأمور؟

بيَّنها ربنا عز وجل بهذه الآية الكريمة بقوله: { فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ }, وإذا قلنا لماذا هذا الغلاء ولماذا هذا الخوف الذي صُبَّ علينا؟ جاء الجواب من الله تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون }, وذلك ليتحقق قوله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى }.
وهذا المبدأ والقانون على المسلمين, لأن سنن الله في خلقه مختلفة, فسنته مع الكافر غير سنته مع المؤمن, ربما أعطى الكافر فوق ما يريد من هذه الحياة الدنيا, لأن سنة الله مع الكافر هكذا, ألم يقل مولانا عز وجل: { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُون * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُون * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين }, أما سنته مع المؤمنين فأن يعجّل لهم العقوبة لعلهم يرجعون إلى الله تعالى.
فهذا البلاء ما نزل إلا بسببنا نحن, وصدق الله القائل: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير}, وصدق إذ يقول: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ }.

فماذا يجب علينا:

أولاً:
علينا أن نجدِّد إيماننا, وأن نرجع إلى رشدنا لنعلم أين يكمن رزقنا, فهل هو بيد الخالق أم بيد المخلوقات؟ يقول تعالى: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين }. ويقول جلَّت قدرته: { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون }. ويقول جل في علاه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين}. فرزقنا بيد خالقنا فلنلتفت إليه, ألا نعتقد أنه لا يضر ولا ينفع, ولا يعطي ولا يمنع, ولا يخفض ولا يرفع إلا الله؟ فمن عرف الله أنه هو الرازق التفت إليه لا إلى غيره.
ثانياً:
أن نعلم بأن رزقنا مقسوم, كما جاء في الحديث: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ). وهذا الرزق المقسوم سيأتينا على ضعفنا, ولو اجتمعت الإنس والجن على منع لقمة واحدة مقدَّرة لنا فإنهم لا يستطيعون, وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وإن روح القدس نفث في روعي، وأخبرني أنها لا تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، وإن أبطأ عنها، فيا أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء رزقه أن يخرج إلى ما حرم الله عليه, فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته ) رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق واللفظ له.
ثالثاً:
أن نتوب إلى الله تعالى من الظلم الذي تفشى فينا بكل صوره, وأن نقرَّ بذلك ونعيد الحقوق لأصحابها, فإذا عرفنا بأن الله مالكنا وأمرنا بيده توجّهنا إليه, واعترفنا بظلمنا, وأعدنا الحقوق لأصحابها, خرجنا من المحنة بإذن الله بسلامة, وعلينا أن نتذكر قصة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام الذي وقع في الضيق فتوجّه إلى الله تعالى, واعترف بتقصيره, فنجَّاه الله تعالى, ووعد الله كل مؤمن بمثل هذا إذا فعل كما فعل سيدنا يونس عليه السلام, قال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين }.
رابعاً:
أن نعلم علم اليقين بأن لله في كل فتنة ومصيبة ومحنة حكمةٌ ماضيةٌ ورحمةٌ كامنة, ورحم الله تعالى ابن عطاء الله السكندري إذ يقول: ( من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره ).
من فوائد هذه المحن أنها تجعلنا على باب مولانا, وهي من النعم الخفية التي جاءت في ثوب مصيبة, قال تعالى: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً }, فهذه المحن من النعم الباطنة المجسّدة بقوله صلى الله عليه وسلم: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) رواه مسلم.

كيفية معالجة داء الغلاء:

أولاً:
الاقتصاد في العيش والإنفاق. وذلك لقول الله عز وجل: { وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين }. ولقوله تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا }. ولمدحه تبارك وتعالى عباده بقوله عنهم: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا }.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى البخاري: ( إِنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ, وَإِضَاعَةَ الْمَالِ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ). وجاء في الحديث: ( ما خاب من استخار, ولا ندم من استشار, ولا عال من اقتصد ) رواه الطبراني في الأوسط.
لقد أصبح الإسرافُ رائدَنا, إسراف في الطعام والشراب واللباس, إسراف في الحفلات, إسراف في الماء والكهرباء والهاتف, وكل هذا مساهم في رفع الأسعار.
قيل للعارف بالله إبراهيم بن أدهم: إن اللحم قد غلا, فقال: أرخصوه بالترك.
ويقول صدِّيق هذه الأمة رضي الله عنه: ( إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد ).
والله ما تنفقه في غير ضرورة رياءً وسمعةً وشهرةً ليكفي أسراً فقيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى, ولكن انفتحت شهيتنا على الإسراف واليوم نحصد نتائج هذا الإسراف.
ثانياً:
الإكثار من الاستغفار, فإن كثرة الاستغفار تزيد في الرزق, وذلك لقوله تعالى: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى }. ومن لوازم المتاع الحسن الرزق الوفير.
أين استغفارنا وتوبتنا؟ الآمر ضامن, أين نحن من الأمر؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ الله لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا, وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا, وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) رواه أبو داود.
فهل نستغفر استغفاراً حقيقياً؟ وهل نتوب توبة صادقة؟ هل نقر بظلمنا لأنفسنا ولغيرنا؟ أصاب الناس قحط في عهد عمر رضي الله عنه فصعد عمر المنبر فاستسقى فلم يزد على الاستغفار حتى نزل, فقالوا له: ما سمعناك يا أمير المؤمنين استسقيت. فقال: لقد طلبت الغيث بمفاتيح السماء التي بها يستنزل المطر. ثم قرأ هذه الآية: { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا }. وقوله: { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِين }.
لقد أصبح استغفارنا يحتاج إلى استغفار, ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه عز وجل [رواه الديلمي في مسند الفردوس].
ثالثاً:
عدم الاحتكار. اسمع أيها المحتكر ماذا يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ ) رواه مسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ ) رواه أحمد والحاكم. ويقول أيضاً: ( المحتكر ملعون ) رواه الحاكم.
ويقول أيضاً: ( مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَاماً ضَرَبَهُ اللهُ بِالْجُذَامِ وَالإِفْلَاسِ ) رواه ابن ماجه.
فالاحتكار كبيرة من الكبائر, والاحتكار ظلم, والله تبارك وتعالى يقول: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار } فالاحتكار حرام.
يا أيها المحتكر ما أنت قائل لربك يوم القيامة؟ تحتكر ليكثر مالك ولو مات الناس, تحتكر لتكدس أموالك في البنوك الربوية وأنت ترى ما حلَّ بالمجتمع, هل نزعت الرحمة من قلبك؟ أم أصبح الدينار والدرهم معبودك؟ باحتكارك زادت الأسعار وصرت ملعوناً ـ لا قدر الله ـ وهل تعلم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( المحتكر ملعون )؟ يعني مطرود من رحمة الله, فإياك والاحتكار رحمة بك قبل أن تكون رحمة بالآخرين.
رابعاً:
أن نأخذ بوصية ربنا عز وجل حيث يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين }. استعينوا على الغلاء بالصبر والصلاة, وخاصة صلاة الليل, قوموا بالأسحار, صلوا بالليل والناس نيام, وقولوا يا الله يا رحمن يا رحيم, يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, يا من يبارك في القليل, أغننا بحلالك عن حرامك, وبطاعتك عن معصيتك, وبفضلك عمن سواك.
استعينوا على الغلاء بالصبر والصلاة في جوف الليل, وناجوه بالأسحار وأنتم في حالة السجود بين يدي الله تعالى, قال صلى الله عليه وسلم: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ) [رواه مسلم], وقال صلى الله عليه وسلم: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ, فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُن ْ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقولوا: يا رب لقد بلغنا عن نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) رواه البخاري ومسلم. سلوه ونسأله جميعاً, فرزقنا بيده, وهو القابض الباسط الرزاق المسعِّر.
وأخيراً:
لنعترف بظلمنا, ولنعد الحقوق لأصحابها, ثم لنتوجه إلى مولانا الأوحد, ونناجيه كما ناجاه سيدنا يونس عليه السلام عندما كان في ضيق ما بعده ضيق, عندما كان في بطن الحوت, في ظلمة البحر وظلمة الليل, فتوجَّه إلى مولانا الأوحد قائلاً: { لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين }. توجه إلى مولاه وأقرَّ واعترف, فما كانت النتيجة؟ { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين }.
فهذا داؤنا وهذا دواؤنا, ونسأله تعالى أن يوِّفقنا للعودة إليه إذ يقول: { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا }. اللهم أكرمنا بذلك, ونرجوه تعالى أن يرفع البلاء والغلاء والحروب والكروب عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. آمين. هذا, والله تعالى أعلم.

أبوعمار
07-Sep-2008, 12:39 AM
جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم:
عن عبيد الله بن محمد بن يزيد بن حبيش، قال: سمعت أبي يذكر أنه بلغه، عن أبي حازم أنهم أتوه فقالوا له: يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر. فقال: وما يغمكم من ذلك إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء.

عن يزيد بن ميسرة الكندي، أنه كان يقول: ما أحب أن أكون نخاساً، ولأن أكون نخاساً أحب إلي من أن أجمع الطعام بعضه على بعض أتربص به الغلاء على المسليمن.


وكان بشر بن الحارث، يقول: إذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يذهب عنك هم الغلاء

وشكرا لك أخي الفاضل فياض على هذا الطرح الهام

الخنساء
07-Sep-2008, 02:02 AM
استأثر غلاء الأسعارإهتمام كبيرفي كل الأوساط وبات حديث الناس ومشكلتهم الكبرى
واستقطب هذا الموضوع الكثير من الدراسات والبحوث والتعليقات فالموضوع هام ويحتاج لحلول جذرية وسريعة 000أعان الله الناس وخفف عنهم



هناك قصيدة رائعة للشاعر الكبير حافظ إبراهيم تحكي مشكلة الغلاء الذي هو مشكلة في كل زمان ومكان



أَيُّها المُصْلِحُونَ ضاقَ بنا العَيْـ= شُ ولمْ تُحسِنُوا عليه القيامَا
عزت السِّلْعَة ُ الذَّلِيلة ُ حتَّى= باتَ مَسْحُ الحِذاءِ خَطْباً جُساما
وغَدَا القُوتُ في يَدِ النّاسِ كاليا= قُوتِ حتى نَوَى الفَقيرُ الصِّياما
يَقْطَع اليومَ طاوِياً وَلَدَيْه= دُونَ ريحِ القُتارِ ريحُ الخُزامَى
ويخالُ الرَّغيفَ منْ بَعْدِ كَدٍّ= صاحَ : مَن لي بأنْ أُصِيبَ الإداما
أيّها المُصْلِحُونَ أصْلَحْتُمُ الأرْ= ضَ وبِتُّمْ عن النُّفوسِ نيامَا
أصْلِحوا أنفُسَا أضرَّ بِهَا الفقْ= رُ وأحْيا بمَوتِها الآثاما
ليس في طَوقِها الرَّحيلُ ولا الجِـ= ـدُّ ولا أن تُواصلَ الإقْداما
تُؤثِرُ الموتَ في رُبَا النِّيلِ جُوعاً= وتَرَى العارَ أنْ تَعافَ المُقاما
ورِجالُ الشَّآمِ في كُرَة ِ الأرْ= ضِ يُبارُونَ في المسيرِ الغَماما
رَكِبُوا البَحْرَ ، جَاوَزُوا القُطْبَ ، فاتُوا= ويَظُنُّ اللُّحُومَ صَيْداً حَراما
يَمْتطُون الخُطُوبَ في طَلَبِ العَيـ= شِ ويبرونَ للنضالِ السهامَا
وبَنُو مِصْرَ في حِمَى النِّيلِ صَرْعَى= يَرْقُبونَ القَضاءَ عاماً فَعاما
أيهَا النِّيلُ كيفَ نُمسِي عِطاشاً= في بلادٍ روِّيتَ فيهَا الأوامَا
إنَّ لِينَ الطِّباعِ أورثنَا الذُّ= لَّ وأغرَى بِنا الجُناة َ الطَّغاما
إنَّ طِيبَ المُناخِ جرَّعلينَا= في سَبيلِ الحَياة ِ ذاكَ الزِّحاما
أيُّها المُصْلِحُونَ رِفْقاً بقَومٍ= قَيَّدَ العَجْزُ شَيْخَهُمْ والغُلاما
وأغيثُوا منَ الغَلاءِ نفوساً= قد تمنَّتْ مع الغَلاءِ الحِمامَا
أَوْشَكَتْ تأكُلُ الهَبِيدَ مِنَ الفَقْـ= رِ وكادتْ تذُودُ عنه النَّعامَا
فأعيدُوا لنَا المُكُوسَ فإنَّا= قد رأَيْنا المُكُوسَ أرْخَى زِماما
ضاقَ في مصرَ قِسْمُنَا فاعذرُونَا= إنْ حَسَدْنَا علَى الجَلاَءِ الشَّآمَا
قد شَقِينا - ونحنُ كرَّمنا اللّـ= هُ بعَصْرٍ يُكَرِّمُ الأنعامَا

أحمد صابوني
07-Sep-2008, 02:03 AM
أدام الله لنا هذه الفحول من أهل العقول
فهم دلبل الوصول إلى المطلوب و المأمول
جمعنا الله بهم تحت لواء الرسول (صلى الله عليه وسلم)

فياض العبسو
07-Sep-2008, 12:55 PM
الأخت الخنساء ... شكرا على الإضافة الإثرائية .
الأخ أحمد الصابوني ... شكرا على هذه الكلمات الجميلة .
ونؤمن على دعائك ... وهذا رجاؤنا منكم ... دعوة صالحة في الأوقات المباركة ... فلا تحرمونا منها ... فنحن بأشد الحاجة إليها ... ولكم مثل ذلك ... وشكرا .

أبوأيمن
07-Sep-2008, 06:17 PM
http://www.m7tarf.net/uploads/47adf90fc2.gif (http://www.m7tarf.net)

الدين الإسلامي عالج مشكلة الغلاء، وتنوعت في علاجها أساليبه وخطاباته. من ذلك وجوب إنظار المعسرين والترغيب في التصدق عليهم. قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:280}.

ومنه حث الشارع الحكيم على السماحة في البيع والاشتراء والاقتضاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى". والحديث في صحيح البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

ومنه النهي عن الاحتكار وتربص أوقات الغلاء، فقد جاء في صحيح مسلم: أن معمرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر فهو خاطئ. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم (من احتكر فهو خاطئ) وفي رواية(لا يحتكر إلا خاطئ) قال أهل اللغة الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم. وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار. قال أصحابنا الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه. اهـ

فياض العبسو
08-Sep-2008, 06:19 PM
شكرا أخي أبا أيمن على المرور الكريم والإضافة ...
وأسألكم الدعاء لفضيلة العلامة الدكتور حفظه الله وعافاه ومد في عمره ...