المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حلاوة الطاعة وشؤم المعصية



أبوعمار
08-Oct-2008, 11:33 AM
يقول العلامة ابن الجوزي رحمه الله يصف حلاوة الطاعة وشؤم المعصية

كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا فهو أنموذج في الآخرة،
وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة.
فأما المخلوق منها فقال ابن عباس رضي الله عنهما:
(ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء.)
وهذا لأن الله تعالى شوق بنعيم وخوف بعذاب من عذاب.
فأما ما يجري في الدنيا فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل،
وكذلك كل مذنب ذنباً،
وهو معنى قوله تعالى: " مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ " .
وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة.
وقد قال الحكماء:
المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
وربما كان العقاب العاجل معنوياً كما قال بعض أحبار بني إسرائيل:
يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ؟.
فمن تأمل هذا الجنس من المعاقبة وجده بالمرصاد،
حتى قال وهب بن الورد وقد سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي ؟ فقال: ولا من هم.
فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته،
أو لسانه فحرمه الله صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره،
وحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك.
وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفس،
وعلى ضده يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلاً،
كما في حديث أبي أمامة:
عن النبي صلى الله عليه وسلم
يقول الله تعالى:
(النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي آتيته إيماناً يجد حلاوته في قلبه.
فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها.)
فأما المقابلة الصريحة في الظاهر فقل أن تحتبس،
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(الصبحة تمنع الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.)
وقد روى المفسرون:
أن كل شخص من الأسباط جاء باثني عشر ولداً،
وجاء يوسف بأحد عشر بالهمة،
ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة رأى الجزاء وفهم
كما قال الفضيل:
( إني لأعصي الله عز وجل فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي.)
وعن عثمان النيسابوري:
أنه انقطع شسع نعله في مضيه إلى الجمعة فتعوق لإصلاحه ساعة،
ثم قال: ما انقطع إلا لأني ما اغتسلت غسل الجمعة.
ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف:
" وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ " امتدت أكفهم بين يديه بالطلب، يقولون: " وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " .ولما صبر هو يوم الهمة ملك المرأة حلالاً،
ولما بغت عليه بدعواها: " مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا " ، نطقها الحق بقولها: " أَنَا رَاوَدْتُهُ " .
ولو أن شخصاً ترك معصية لأجل الله تعالى لرأى ثمرة ذلك،
وكذلك إذا فعل طاعة. وفي الحديث: إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة،
أي عاملوه لزيادة الأرباح العاجلة.
ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع، طلباٍ للراحة العاجلة،
فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل، وعكست عليه المقاصد.

المصدر : كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي رحمه الله

فياض العبسو
08-Oct-2008, 12:46 PM
أشكرك أخي أبا عمار على هذه النفحات والكلمات النورانية ... من كلام الصالحين ... كلام حكم وجواهر ودرر ... يتكلم بها من أخلص نيته لله ، وغض عن محارم الله ، وذاق طعم الإيمان وحلاوة العبادة ولذة الطاعة ...
كيف لا ، والناقل لها إمام الواعظين في عصره ، العلامة أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى ، الذي ما رؤي ضاحكا ، وهو الذي أضحك الناس بعدد من مؤلفاته: الأذكياء ، وأخبار الحمقى والمغفلين ، وأخبار الظراف والمتماجنين ... وكان يحضر درسه عشرات الآلاف ... حوالي مئة ألف ... وعندما مات ، سخنوا ماء غسل الجنازة ، من براية أقلامه ... وكتابه: صيد الخاطر ، كتاب قيم ... اهتم العلماء به كثيرا ... فحققه وقدم له كل من:
العلامة الأديب الكبير الشيخ علي الطنطاوي ، وهو أفضلها ... وكتب له مقدمة من ( 100 صفحة ) .
والعلامة الأديب الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي .
والشيخ عبد القادر أحمد عطا ... وغيرهم ، رحمهم الله تعالى جميعا .

أبوأيمن
08-Oct-2008, 04:39 PM
تريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع غير الله هيهات هذا لا يكون أبداً
وقال الواسطي: طرب داوود عليه السلام، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه في أنفاس متصاعدة، وهو في الحالة الثانية أتم منه في وقت ما ستر عليه من أمره.
وقال بعضهم: توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم يعني قوله: " أستغفر الله " .
وقال ابن خنفيق: طول الاستماع إلى الباطل يطفىء حلاوة الطاعة من القلب. ( من الحكم وشرحها لابن عجيبة)

وقال في قوت القلوب : المريد لابدّ له من خصال سبع: الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بدّ له من التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بدّ له من المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بدّ له من مجالسة عالم باللّه وعلامة ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة

وقال بعض السلف: من علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة وبفرح ركوب الذنب الحزن عليه والسرور بحسن الإنابة،

اللهم أذقنا حلاوة طاعتك وألهمنا أن نرى أن الشؤم في معصيتك

الخنساء
09-Oct-2008, 04:06 AM
إختيار جميل بارك الله فيكم


أن حلاوة الطاعة ملاكها في جمع القلب والهم والسر على الله ويفسره ابن القيم قائلاً: هو عكوف القلب بكليته على الله عز وجل، لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه

أم عبد العزيز
07-Jan-2009, 11:37 PM
اللهم ارزقنا لذة الأنس بك ، و صدق التوكل عليك ، وحسن الالتجاء إليك .
جزاكم الله خيراً ، موضوع رائع جداً .