المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طروق الرجل أهله ليلاً



د.أبوأسامة
28-Dec-2008, 09:07 AM
طروق الرجل أهله ليلاً

عَنْ جَابِرٍ قَالَ {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلا، يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ}، وعَنْ الشَّعْبِيِّ {أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا}.
وفي رواية عَنْ جَابِرٍ قَالَ {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلا فَلا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا، حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ} .
(أخرجه مسلم (كتاب الإمارة: بَاب كَرَاهَةِ الطُّرُوقِ وَهُوَ الدُّخُولُ لَيْلا لِمَنْ وَرَدَ مِنْ سَفَرٍ)، رقم 715، ص797، والبخاري في صحيحه (كتاب النكاح: بَاب طَلَبِ الْوَلَدِ)، رقم 5246، ص1037، وأحمد في مسنده (مسند جابر بن عبد الله الأنصاري)، رقم 14233، ص972).

قال أهل اللغة: الطروق بالضم المجيءُ بالليل من سفر أو غيره على غفلة، ويقال لكل آتٍ بالليل طارقٌ ولا يقال بالنهار إلا مجازا. وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفعُ والضربُ وبذلك سميت الطريقُ لأن المارّة تدُقُّها بأَرْجُلِها، وسمي الآتي بالليل طارقًا لأنه يحتاج غالبا إلى دَقِّ الباب. وقيل أصل الطروق السكونُ ومنه أَطْرَقَ رَأْسَه فلما كان الليل يُسْكَنُ فيه سمي الآتي فيه طارقًا، انتهى (ابن حجر العسقلاني (773هـ-852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري (الرياض: دار السلام، ط3، 1421هـ\2000م)، جـ9، ص422).

ومعنى {يَتَخَوَّنَهُمْ}: يَظُنّ خيانَتهم، ويَكْشِف أستارهمْ، ويَكْشِف هل خانوا أم لا؟

وقوله {عَثَرَاتهمْ} بفتحِ المُهْمَلَة والْمُثَلَّثَة جمع عَثْرَة وهي الزَّلَّة.


ومعنى {تَسْتَحِدّ الْمُغِيبَة}: أي تُزِيل وتحلق شَعْر عَانَتهَا، والاستحداد: استفعال من استعمال الحديدة وهي المُوسَى، يعني الاستحلاق بها، والمراد إزالته كيف كان.

والمُغِيبَة التي غابَ زوجها .

وقال النووي: معنى هذه الروايات كلها أنه يُكرَه لمن طال سفرُه، أن يَقدُمَ على امرأته ليلاً بغتَةً، فأما من كان سفره قريباً تَتوقَّعُ امرأتُه إتيانَه ليلاً فلا بأس .اهـ
(النووي (676هـ)، صحيح مسلم بشرح الإمام محي الدين النووي المسمى المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، جـ13، ص74 ) .

وقال ابن حجر: التقييد فيه بطُول الغَيْبَة يُشير إلى أن عِلة النهي إنما تُوجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا ويرجع ليلاً لا يتأتى له ما يحذر من الذي يُطِيل الغَيْبَة، كان طُول الغَيْبَة مَظِنَّة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يَهْجُم بعد طول الْغَيْبَة غالبا ما يُكْرَه، إما أن يجد أهله على غير أُهْبَة من التنظُّف والتزيُّن المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النَّفْرَة بينهما. وقد أشار إلى ذلك بقوله {كَيْ تَسْتَحِدّ الْمُغِيبَة، وَتَمْتَشِط الشَّعِثَة}، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظِّفَة لئلا يطَّلع منها على ما يكون سببا لنَفْرَته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مُرْضِيَّة والشرع مُحَرِّض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله {أَنْ يَتَخَوّنَهُم وَيَتَطَلَّب عَثَرَاتهمْ}، فعلى هذا من أَعْلَمَ أهلَه بوصوله وأنه يقدُم في وقت كذا مثلا لا يتناوله هذا النهي اهـ
(ابن حجر العسقلاني (773هـ-852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، جـ9، ص422 ) .

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن محمد عن إبراهيم التيمي أن ابن رواحة كان في سرية، فقفل، فأتى بيته متوشحاً السيف، فإذا هو بالمصباح، فارتاب فتسور، فإذا امرأته على سرير مضجعة إلى جنبها -فيما يرى- رجلاً ثائر شعر الرأس، فهم أن يضربه، ثم أدركه الورع، فغمز امرأته فاستيقظت، فقالت: وراءك وراءك! قال: ويلك من هذا؟ قالت: هذه أختي ظلت عندي فغسلت رأسها، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن طروق النساء، فعصاه رجلان، فطرقا أهليهما، فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلا، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ألم أنهكم عن طروق النساء
(أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (باب الطروق)، رقم 14019، ص216. انظر أيضا ابن حجر العسقلاني (773هـ-852هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، جـ9، ص422).

فبين النبي، عليه الصلاة والسلام، بهذا اللفظ المعنى الذي من أجله نهى عن أن يطرق أهله ليلاً. فإن قيل: وكيف يكون طروقه أهله ليلاً سببًا لتخونهم؟

قيل: معنى ذلك، والله أعلم، أن طروقه إياهم ليلاً هو وقت خلوة وانقطاع مراقبة الناس بعضهم بعضًا، فكان ذلك سببًا لسوء ظن أهله به، وكأنه إنما قصدهم ليلاً ليجدهم على ريبة حين توخى وقت غرتهم وغفلتهم. ومعنى الحديث النهي عن التجسس على أهله، ولا تحمله غيرته على تهمتها إذا لم يأنس منها إلا الخير(ابن بطال، شرح ابن بطال للبخاري).

وقال الشيخ القرضاوي معلقاً لهذه القضية:

"إذا جاء الرجل من السفر فلا يصح أن يفاجئ أهله في منتصف الليل، وهذا كان لأنه لم يكن في مقدور المرء أن يخبر أهله بقدومه. فنهاه النبي عن المجيء في وقت مفاجئ، وكأن المرء يتهم أهل بيته ويجري عليهم تفتيشا فجائيا، إضافة إلى أنه ينبغي على المرأة أن تتهيأ للقاء زوجها بالتجميل والتزين.

فجاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا تطرقهم ليلا، وذلك كان في عصر لا يستطيع المرء فيه الاتصال بأهله، لكن الآن يستطيع المرء أن يستخدم الفاكس، والهاتف والموبايل ليخبر أهله بقدومه في وقت محدد، فهذا من القدرات التي تغيرت، والتي يجب أن نأخذ بمقصد الحديث الشريف. فالمنع من طرق الأهل ليلا ليس المقصود منه المنع ذاته، إنما لمنع المفاجأة وإساءة الظن، والوصول في وقت ليسوا مهيئين فيه لاستقباله ونحو ذلك، ولكن طالما أن القدرة على هذا الأمر تغيرت، فالمفهوم والحكم يتغير أيضا"( القرضاوي، يوسف، موجبات تغير الفتوى في الإسلام (بيروت: مؤسسة الإيمان) ص339).

وأدرج الشيخ القرضاوي هذا المثال تحت تغير الفتوى بتغير القدرات والإمكانات، وتغير القدرات والإمكانات يعني تغير الاستطاعة، أي كون الأشياء الآن في متناول الناس بسهولة بعد أن كانت شاقة وصعبة أو معدومة من قبل. وكأن الأحاديث المذكورة معلقة بعدم قدرة الإعلام للزوجة، فإذا قدر إعلامها فلا حرج بالطروق على أهله ليلا -والله أعلم بالصواب-، ولذلك قال الإمام النووي: وإذا كان في قَفْلٍ عظيمٍ أو عَسْكَرٍ ونحوِهم واشْتُهِر قدومُهم ووصولُهم وعلمت امرأتُه وأهلُه أنه قادمٌ معهم وأنهم الآن داخلون، فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نُهِيَ بسببه، فإن المراد أن يتأهَّبوا وقد حصل ذلك ولم يقْدُمْ بغتةً (النووي (676هـ)، صحيح مسلم بشرح الإمام محي الدين النووي المسمى المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، جـ13، ص74).

أبوأيمن
28-Dec-2008, 12:17 PM
طروق الرجل أهله ليلاً

فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا،

هذه هي النتيجة طبعاً بعد شكرنا لك أخي الدكتور فلم يتغير الحكم بتغير الأزمان فالحكم وضع علة له وهي

تسري على جميع الأزمان والله أعلم

د.أبوأسامة
29-Dec-2008, 06:41 AM
الأخ أبو أيمن

مرور لطيف جزاك الله خيراً

الأحاديث المذكورة معلقة بعدم قدرة الإعلام للزوجة، فإذا قدر إعلامها فلا حرج بالطروق على أهله ليلاً ، فاستخدام الموبايل مثلاً من القدرات التي تغيرت، والتي يجب أن نأخذ بمقصد الحديث الشريف ، وطالما أن القدرة على هذا الأمر تغيرت، فالمفهوم يتغير أيضاً ولو لم يتغير الحكم كما في هذه المسألة، ولكن ربما يتغير الحكم أيضاً بحسب المفهوم المتغيركمسألة التبغ مثلاً فإن المفهوم والحكم تغيرا .

عندما ظهر التبغ اختلف العلماء، فهناك من كرهه، وهناك من حرمه، وهناك من أباحه، وهناك من قال: تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة. لكن المعلومات الجديدة في عصرنا، والتي أجمع فيها الأطباء على أن التدخين ضار بالصحة، وأنه يؤدي إلى سرطان الرئة، وإلى كذا وكذا من الأمراض. وأصبح هذا معلوما بالضرورة لكل الناس، هنا تغيرت المعلومات، ويجب أن تبنى فتوى المفتي على تقرير الطبيب.
فإذا قال الطبيب: هذا ضار، يجب أن يقول المفتي: هذا حرام. فإن الله تعالى يقول :
﴿ وَلا تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيْمًا ﴾، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :{لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ}، فكيف يضر المرء نفسه باختياره، بل كيف يشتري الضرر بماله؟!!