المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدكتور عبد الملك السعدي يناقش رأي مَن جوَّز تأجيل الحج بسبب انفلونزا الخنازير



أبوأيمن
09-Aug-2009, 03:15 PM
مناقشة رأي مَن جوَّز تأجيل الحج بسبب انفلونزا الخنازير

مع فضيلة الدكتور : عبد الملك السعدي :

السؤال :

فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الملك السعدي حفظه الله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: .. فأود إحاطتكم علما بأنني أنوي القيام بتحقيق صحفي حول ما دعا إليه مفتي مصر فضيلة الدكتور علي جمعة بشأن الاجتهاد الجماعي بين المجامع الفقهية المعترف بها على مستوى العالم الإسلامي للخروج بفتوى موحدة توضح موقف الشريعة الإسلامية تبحث مدى إمكانية تأجيل أداء الحج والعمرة بسبب انتشار وباء "أنفلونزا الخنازير". ونظرا لأنَّ موضوع التحقيق من صميم اختصاصكم فإنني أمل التكرم بالإجابة على الأسئلة التالية: .. 1. كيف تنظرون إلى هذه الدعوة؟ وهل ترون أنَّ هذا الوباء "أنفلونزا الخنازير" يمكن أن يكون نازلة حقيقية تستدعي اجتهادا فقهيا مناسبا؟ .. 2. ما هو التكييف الفقهي الذي يمكن أن يسوغ تأجيل الحج عن وقته، وهو الأمر المحدد بوقت معلوم "أيام معلومات" كما في الآية الكريمة؟ .. 3. إذا كان كل ذلك يستدعي اجتهادا فقهيا لهذه النازلة، فما هو التصور الفقهي لمسألة تأجيل الحج وكيف سيتم التعامل مع أداء فريضة الحج لهذا العام؟ هل يتم تأجيلها وإلى أي وقت أو يتم إلغاؤها بالكلية لهذا العام؟ .. شاكرا لكم حسن تعاونكم وجزاكم الله خيرا .. بسام ناصر - كاتب صحفي / صحيفة السبيل

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

أمَّا بعد:

فإنَّ جمهور الفقهاء يرون أنَّ وجوب فريضة الحج على الفور، أي بعد حصول الاستطاعة والزاد والراحلة لدى المسلم، يصير الحج واجبا عليه من تلك السنة التي حصلت فيها الاستطاعة.

فإن أخَّر المستطيع الحج إلى سنة أخرى فهو آثم، ويسقط عنه الحج عندما يؤديه.

ولم يحوز التراخي فيه إلاَّ الإمام الشافعي؛ لأنَّه حمل أمر الوجوب على الوجوب الموسَّع، فإن مات قبل الحج آثم في السنة الأخيرة التي مرَّ بها الحج ولم يحج.

واستدل على ذلك بما يأتي:

1. أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا بكر ليحج بالناس في السنة التاسعة من الهجرة ولم يكن مانع شرعي يمنعه من الحج فيها كما تخلف معه أكثر القادرين على الحج.

2. أنَّ من يؤخره ثم يحج من العام اللاحق لم يكن حجه قضاءا له، فلو وجب على الفور لكان من يؤخره قاضيا له والواقع أنَّه مؤدٍّ.

ويجاب عن الأول بما يأتي:

أنَّ تأخيره -صلى الله عليه وسلم- إلى العاشرة كان لعذر، كعدم استطاعته، أو أراد أن لا يرى المشركين يطوفون عراة، إذ قد أمر أبا بكر بأن ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويحتمل أنَّ الله أمره بالتأخير لتكون حجته حجة وداع.

ويجاب عن الثاني:

بأنَّ أفعال الحج تسمَّى قضاءا؛ لقوله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) ولا تلازم بين القول بالفورية وبين كون التأخير يستوجب القضاء، فإنَّ الزكاة تجب على الفور، ومن دفعها متأخرا لا يسمَّى دفعه لها قضاءا، وإنَّ من حكم عليه بالاعدام في أول وقت الظهر ولم يصلها ولم ينفذ فيه الاعدام ثم عفي عنه وصلاها في آخر الوقت، لا يكون قضاءا، مع القول بوجوب أدائها قبل وقت الاعدام.

أمَّا الجمهور: فقد استدلوا بما يأتي:

1. بالآيات التي دلت على وجوب الحج، مثل (ولله على الناس حج البيت) آل عمران (97)، ومثل (وأتموا الحج والعمرة لله) البقرة (196)، فإنَّه لم يرد معها ما يصرفها عن الفورية.

2. قوله -صلى الله عليه وسلم- {ومن أراد الحج فليتعجَّل، فإنَّه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة} وغيره من الأحاديث.

3. أنَّه أحد أركان الإسلام، فكان واجبا كالصوم.

4. القول بالتراخي وأنَّه واجب موسَّع، قد يؤدي إلى تأخيره، فإذا مات لم يأثم؛ لأنَّه فعل ما هو جائز، والواقع أنَّه آثم بالتأخير اتفاقا.

من كل ما تقدم يتضح وجوب الحج على الفور بعد الاستطاعة، ومن يؤخره بدون عذر مُبرِّر شرعا فهو آثم.

أمَّا القول بتأخير الحج خشية إصابة الحجاج بداء انفلونزا الخنازير، فهو قول مردود لما يأتي:

1. فيه صدٌّ عن بيت الله، والصد عن بيت الله خصلة أهل الكفر؛ لقوله تعالى (إنَّ الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) الحج (25).

2. حدثت أمراض معدية في عصر عمر -رضي الله عنه- مثل الطاعون، ولم يُنقل أنَّه أخَّر السفر إلى الحج من أجله، وحدثت في عصور أخرى ولم يُنقل تأخير الحج.

3. إن لم يحج المسلمون من خارج المملكة العربية السعودية، فإنَّ من بداخلها سيجتمعون في المشاعر للحج، وقد يكون معهم مصاب فتحصل العدوى، فما ذنب من هو خارجها؟!!

4. إذا قلنا بتأخير الحج فينبغي أن نمنع السفر إلى بيت الله للعمرة، ولاسيما في رمضان فإنَّ التجمع فيه يشبه تجمع الحج، فما الفرق إذن؟!!

5. بإمكان الدول العربية والإسلامية والدول التي فيها الجاليات الإسلامية، أن تقوم بفحص الحجاج قبل السفر بكل جِدٍّ ودِقة، ويؤخر من هو مصاب بذلك فقط.

6. أيضا بإمكان السلطات السعودية أن لا تسمح لأي مصاب بالدخول إلى المملكة وتُجري الفحص الدقيق على الحجاج في سفاراتها قبل منح التأشيرة، فتمنع المصاب.

7. إن حصل اختراق، فبإمكان السلطات السعودية حصرهم وحجرهم في أماكن معيَّنة أو أزمنة معيَّنة لأداء المناسك فيها بمعزل عن الأصحاء.

وبناءا على ذلك: فإنَّ أي اجتهاد يحصل لتأخير الحج فإنَّه اجتهاد باطل؛ لأنَّه في معرض النصوص التي لا مساغ للاجتهاد معها، فلا إلغاء ولا تأجيل.

وإن كان من يفتي بذلك أو يقترح ذلك لظروف سياسية وتستوجبها ظروف بلده الاقتصادية، فإنَّ هذا أمر غير مقبول ولا يمكن أن يُعمَّ كل الدول، فالسياسة لا تسيطر على شؤون الدين ولا على العبادة، بل الدين هو الذي يسيطر على السياسة.

والله ولي التوفيق


2/جمادى الثانية/1430هـ - 27/5/2009م

فياض العبسو
09-Aug-2009, 10:58 PM
وبناءا على ذلك: فإنَّ أي اجتهاد يحصل لتأخير الحج فإنَّه اجتهاد باطل؛ لأنَّه في معرض النصوص التي لا مساغ للاجتهاد معها، فلا إلغاء ولا تأجيل.كلام جميل وفتوى دقيقة من عالم فقيه ... وقد أفتى العلامة القرضاوي بمثل ذلك أيضا ، فقال بأنه لا يوجد مسوغ ولا مبرر لتأجيل الحج أو منعه ، وكان قد اتصل بمنظمة الصحة العالمية ، وسألهم عن هذه الأنفلونزة المزعومة ... فقالوا له: لا تعدوا أن تكون مثل الأنفلونزة العادية ، وربما أقل منها ، فقال لهم: إذن لماذا رفعتموها للدرجة السادسة ؟ فقالوا: هذا من حيث الجغرافية ، وليس من حيث قوة المرض ... فعقد اجتماعا مع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، والذي يرأسه هو ، وتشاور معهم ، وأصدر الفتوى التي ذكرت فحواها آنفا ... وشكرا لكم .

أم عبد العزيز
10-Aug-2009, 06:58 AM
كلام جميل ، و استنباط دقيق ، بارك الله فيه وفي أمثاله ، ونفع به الأمة الإسلامية آمين

ابو عوف الراوي
11-Aug-2009, 05:57 PM
جزاك الله يا اخ ابو ايمن على الموضوع وجزى شيخنا الجليل الشيخ عبدالملك على هذه الفتوى الدقيقة وحفظه الله لنا