المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطورة التكفير وأسباب انتشاره /يوسف القرضاوي



Omarofarabia
23-Mar-2010, 09:42 PM
خطورة التكفير وأسباب انتشاره

--------------------------------------------------------------------------------

يوسف القرضاوي


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

كلمة التكفير كلمة خطيرة يجب على المسلم أن يتريث كثيرا ويتوقف طويلا قبل أن ينطق بهذه الكلمة - إن كان مؤهلا لأن يطلقها على أحد - نظرا لخطورة هذه الكلمة على قائلها وعلى الموصوف بها في الدنيا والآخرة.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

الذي ينبغي أن نؤصله هنا هو أن الحكم بالكفر على إنسان ما، حكم جد خطير، لما يترتب عليه من آثار هي غاية في الخطر، منها:

1 ـ لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقن.

2ـ أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليهم بكفره، وبخاصة أن عودهم طري. وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.

3ـ أنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي، بعد أن مرق منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والردة البواح، ولهذا يجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.


4ـ أنه يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي، لينفذ فيه حكم المرتد، بعد أن يستتيبه ويزيل من ذهنه الشبهات، ويقيم عليه الحجة.
5ـ أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.

6ـ أنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم.

وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول.

وجوب الرجوع إلى القرآن والسنة:
ومن هنا يجب أن نرجع إلى النصوص من القرآن والسنة، لنقرر في ضوئها القواعد أو الحقائق الشرعية التي يجب الاحتكام إليها في مثل هذا الموضوع الخطير في دين الله، وفي حياة الناس.

واعتمادنا الكلي إنما هو على النصوص الثابتة المعصومة من كتاب الله وسنة رسوله، فهي وحدها الحجة والعمدة بلا نزاع.

وإذا استشهدنا بأقوال بعض العلماء، فليس ذلك لاعتبار أقوالهم حجة بنفسها، ولكن لنستأنس بفهمهم للنصوص، حتى لا نتيه في المتشابهات، أو نضرب الآيات والأحاديث بعضها ببعض. مع تأكيد أصل مهم هنا، وهو أن سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان هم أهدى هذه الأمة سبيلا، وأصحها أفهاما، وأقومها طريقا، وأفقهها لروح الإسلام، وأحرصها على اتباعه. فما وجدنا لهم هديا معروفا لم نعدل عنه إلى ابتداعات من بعدهم، فهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير القرون.

والدارس المتتبع لأسباب هذه الظاهرة يجد أنها تتمثل في أمور:
1.انتشار الكفر والردة الحقيقية جهرة في مجتمعاتنا الإسلامية، واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم، واستخدامهم أجهزة الإعلام وغيرها لنشر كفرياتهم على جماهير المسلمين دون أن يجدوا من يزجرهم أو يردهم عن ضلالهم وغيهم.

2ـ تساهل بعض العلماء في شأن هؤلاء الكفرة الحقيقيين وعدهم في زمرة المسلمين، والإسلام منهم براء.

3ـ اضطهاد حملة الفكر الإسلامي السليم، والدعوة الإسلامية الملتزمة بالقرآن والسنة، والتضييق عليهم في أنفسهم ودعوتهم. والاضطهاد والتضييق لأصحاب الفكر الحر، لا يولد إلا اتجاهات منحرفة، تعمل تحت الأرض، في جو مغلق بعيدا عن النور والحوار المفتوح.

4 ـ قلة بضاعة هؤلاء الشبان الغيورين من فقه الإسلام وأصوله، وعدم تعمقهم في العلوم الإسلامية واللغوية. الأمر الذي جعلهم يأخذون ببعض النصوص دون بعض، أو يأخذون بالمتشابهات، وينسون المحكمات، أو يأخذون بالجزئيات ويغفلون القواعد الكلية، أو يفهمون بعض النصوص فهما سطحيا سريعا، إلى غير ذلك من الأمور اللازمة لمن يتصدر للفتوى في هذه الأمور الخطيرة، دون أهلية كافية. فالإخلاص وحده لا يكفي، ما لم يسنده فقه عميق لشريعة الله وأحكامه، وإلا وقع صاحبه فيما وقع فيه الخوارج من قبل، الذين صحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد. هذا مع شدة حرصهم على العقيدة والتنسك.

ولهذا كان أئمة السلف يوصون بطلب العلم قبل التعبد والجهاد، حتى لا ينحرف عن طريق الله من حيث لا يدري.
وقد قال الحسن البصري: العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم، ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا.

والله أعلم.

Omarofarabia
23-Mar-2010, 09:47 PM
حكم التكفير وخطره

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فلا يجوز التعجل بتكفير الناس والمجتمع إلا بعد اليقين الجازم من وجود أسباب الكفر وموجباته ، لكن الإيمان والكفر محلهما القلب ، ولم يأمرنا الله سبحانه بالبحث عن نوايا الناس وضمائرهم ، وإنما بتفويض أمرهم إليه تعالى .

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق في كتاب "بيان للناس" :
التكفير هو الحكم على الإنسان بالكفر ، وهذا الحكم خطير لخطورة آثاره ، ولذلك نهى الإسلام عن التعجل به وعن تقريره إلا بعد التأكد من وجود أسبابه تأكدًا ليس فيه أدنى شبهة ، ولأن يُخطئَ الإنسان في العفو خير من أن يُخطئَ في العقوبة ، والكافر إذا أفلت من عقوبة الدنيا فلن يُفلت من عقوبة الآخرة .

ذلك أن الإيمان والكفر محلهما القلب ، ولا يطَّلع على ما في القلوب غير الله سبحانه ، وليست كل القرائن الظاهرة تدل يقينًا على ما في القلب ، فأكثر دلالتها ظنية ، والإسلام نهى عن اتباع الظن في أكثر من نص في القرآن والسنة ، وطَلَبَ الحجةَ والبرهان على الدعوى وبخاصة في العقائد ، وتطبيقًا لذلك نَعَى على أسامة بن زيد قَتْلَه لرجل ألقَى إليه السلام .

وأمَر بالتبين فقال سبحانه : (يا أيها الذين آمَنوا إذا ضرَبتم في سبيلِ اللهِ فتَبَيَّنوا ولا تقولوا لِمن أَلقَى إليكم السلامَ لستَ مؤمِنًا تَبتَغُون عَرَضَ الحياةِ الدنيا فعندَ اللهِ مَغانمُ كثيرةٌ كذلك كنتم مِن قبلُ فَمَنَّ اللهُ عليكم فتَبَيَّنوا إن اللهَ كان بما تعملون خبيرًا) (النساء: 94) فقد كرر الأمر بالتبيُّن لأهميته . ولم يقبل الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ اعتذار أسامة وقال له: "هَلاّ شَقَقتَ عن قلبه" ، هذا : وموقف النبي من ذلك موضَّح في "شرح النووي على صحيح مسلم" (ج 2 ص 106) بخصوص القصاص والدية والكفارة .

وقال تعالى في حادثة أخرى : (يا أيها الذين آمَنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فَتَبَيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجَهَالةٍ فتُصبِحوا على ما فعَلتم نادمين) (الحجرات: 6) ونزلت ، كما رواه أحمد وغيره بسند جيد ، في الوليد بن عقبة الذي أرسله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقبض الزكاة من الحارث بن ضِرَار ، الذي استَبطَأ وصولَ عامل الرسول ليقبضها فسار هو وجماعة بها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقابلهم الوليد ولم يتبين أمرهم ، فرجع وأخبر الرسول بأن الحارث منعه الزكاة وأراد قتله ، فأمر الرسول بتوجيه جيش إليه ، ولما علموا حقيقة الأمر عاد الجميع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبروه ، فنزلت الآية .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا كفَّر الرجلُ أخاه فقد باء بها أحدُهما" وفي رواية : "أيُّما امرئ قال لأخيه : يا كافر . باء بها أحدهما ، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه" وفي رواية : "من دعا رجلاً بالكفر أو قال : عدوَّ الله . وليس كذلك إلا حار عليه" أي رجع (رواها مسلم) ويقول أيضًا : "ثلاثٌ من أصل الإيمان ؛ الكَفُّ عمن قال : لا إله إلا الله . لا نُكفِّرُه بذنب ولا نُخرِجُه من الإسلام بجهل.." (رواه أبو داود، وحكاه أحمد في رواية ابنه عبد الله . قال الشوكاني : سكت عنه أبو داود والمنذري ، وفي إسناده مجهول ، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور ، وفيه ضعف وله شواهد. ج 7 ص 255 "نيل الأوطار") .

إن الكافر الحقيقيَّ انعقد قلبه على الكفر واقتَنَع به ولا شبهةَ له ، فقد قال الله فيه : (ولكنْ مَن شرَح بالكفرِ صَدرًا) (النحل: 106) أي اقتَنَع به واستراح له .

إن الحدود تُدرَأُ بالشبهات، ومنها عقوبات لا تصل إلى درجة القتل، فكيف نتعجل بالحكم على رجل بالكفر دون أن نتأكد منه؟

نُسب إلى الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : من صدَر عنه ما يَحتمل الكفرَ من تسعة وتسعين وجهًا ويَحتمل الإيمانَ من وجه حُمل على الإيمان (فقه السنة جـ 2 ص 453) ورُوي عنه أنه قال : إنما كَفَّ رسولُ الله عن المنافقين ليبيِّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه .

وعمر ـ رضي الله عنه ـ قال : إن ناسًا كانوا يُؤخَذون بالوحي في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن الوحي قد انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهَرَ لنا خيرًا أَمِنَّاه وقَرَّبناه ، وليس لنا في سَريرته شيء ، الله يحاسبه في سَريرته ، ومن أَظهَرَ لنا سُوءًا لم نَأمَنْهُ ولم نُصَدِّقْه وإن قال إن سَريرته حسنة (رواه البخاري) .

وعن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليٌّ وهو باليمن إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذُهَبية ، فقسمها بين أربعة ، فقال رجل : يا رسول الله اتق الله . فقال : "ويلك ، أو لستُ أحقَّ أهل الأرض أن يَتقيَ اللهَ!" ثم ولَّى الرجل ، فقال خالد بن الوليد : ألاَ أضرب عنقه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "لا ، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد : وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه يا رسول الله ! فقال له صلى الله عليه وسلم : "إني لم أُومَرُ أن أَنقِّبَ عن قلوب الناس ولا أَشُقَّ بطونَهم" مختصر من حديث متفق عليه (نيل الأوطار جـ 1 ص 367)

لقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأخذ بظواهر المسلمين وحسن الظن بهم : "من شَهِد أن لا إله إلا الله ، واستقبَل قبلتَنا ، وصلَّى صلاتَنا ، وأكَل ذبيحتَنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" (رواه البخاري) .

ونهى عن قتال مَن لهم مسجد أو يؤذَّن فيهم ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غزا قومًا لم يَغْزُ حتى يُصبِحَ ، فإذا سَمِعَ أذانًا أَمسَكَ ، وإذا لم يَسمَعْ أذانًا أغار بعد ما يُصبِحُ (رواه البخاري) وفي رواية : وسمع رجلاً يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال : "على الفطرة" ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال : "خرَجتَ من النارِ" (رواه مسلم) وعن عصام المُزَني قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا بعث السرية يقول : إذا رأيتم أو سمعتم مناديًا فلا تقتلوا أحدًا" (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) .

يقول الشوكاني : فيه دليل على جواز الحكم بالدليل ، لكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كَفَّ عن القتال بمجرد سماع الأذان ، وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء ، لأنه كَفَّ عنهم في تلك الحال مع احتمال ألاّ يكون على الحقيقة (نيل الأوطار جـ 7 ص 258) .

فهل غابت هذه النصوص عمن يسارعون إلى الحكم بالكفر على الناس بالرغم من وجود الظواهر التي تجعل الإنسان على الأقل يتحرج عن إساءة الظن بهم ويرمي مجتمعهم كله بالكفر ، وفيه المساجد مفتوحة والأذان مرفوع بأعلى الأصوات ؟ هدانا الله جميعًا سواء السبيل .
والله أعلم .

Omarofarabia
23-Mar-2010, 09:51 PM
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فالتكفير عاقبته وخيمة حذرنا منه النبي صلى عليه وسلم فقال (أيما امرئ قال لأخيه "كافر" فقد باء بها أحدهما: إن كان كما قال، وإلا رجعت إليه) رواه مسلم. فعلى المسلم أن يحذر من التساهل في النطق بهذه الكلمة وأن نشغل أنفسنا بما فيه الخير لديننا وأنفسنا وألا نقع فريسة سهلة لأعداء الله تعالى الذين يعملون على غرس بذور الشقاق والعداوة بين الجماعة المسلمة.

وإليك فتوى فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق –رحمه الله- شيخ الأزهر السابق:

للإجابة على هذا نذكر أولًا بيان حقيقة الإيمان والإسلام، وبيان معنى الكفر. وذلك كما يلي:

أ ـ الإيمان وحَقيقته:

الإيمان لغةً هو التصديق مُطلقًا.
وفي الشرْع: هو التصديق بالله وبرسله وبكُتبه وبملائكته وباليوم الآخر وبالقضاء والقدَر.

قال ـ تعالى ـ: (ءَامَنَ الرسول بما أُنزل إليه مِن رَبِّهِ والمُؤمنونَ كلٌّ ءَامَنَ باللهِ ومَلائكتِهِ وكُتبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بيْنَ أحدٍ مِن رُسُلِهِ). (مِن الآية: 285 من سورة البقرة).
والإيمان بهذا تصديقٌ قلبيٌّ بما وجب الإيمان به، وهو عقيدةٌ تملأ النفس بمعرفة الله وطاعته في دِينه، ويُؤيد هذا دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "اللهم ثبِّت قلبي على دِينك". وقوله لأُسامة ـ وقد قتَل مَن قال: لا إله إلا الله ـ "هلَّا شَقَقْتَ قَلْبَهُ". (رواه البخاري ومسلم).

ب ـ الإسلام وحَقيقته:

يُقال في اللغة: أسلم: دخل في دين الإسلام.
وفي الشرع: كما جاء في الحديث الشريف (رواه البخاري ومسلم) "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتَحُجَّ البيت إنْ استطعتَ إليه سبيلًا".

فالإسلام: هو العمل بالقيام بفَرائض الله مِن النطق بالشهادتين، وأداء الفروض والانتهاء عمَّا حرَّم الله ـ سبحانه ـ ورسوله.

فالإيمان تصديق قلبيٌّ، فمَن أنكر وجحَد شيئا مما وجب الإيمان به فقد خرج من الإسلام. قال ـ تعالى ـ: (ومَن يَكْفُرُ باللهِ وملائكتِه وكُتبه ورُسلِه واليومِ الأخِرِ فقد ضلَّ ضلالًا بَعيدًا). (من الآية: 136 من سورة النساء).

أما الإسلام فهو العمل والقول، عملٌ بالجوارح ونطق باللسان، ويدلُّ على المُغايرة بينهما قول الله ـ سبحانه: (من الآية 14 من سورة الحجرات): (قالتِ الأعْرابُ ءامَنَّا قُلْ لم تُؤمنوا ولكنْ قُولوا أسْلَمْنَا ولمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُمْ).

وقد حدَّد هذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صفات المسلم في الحديث الذي رواه البخاري في قوله: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على الله".

هذا هو المسلم، ومن ارتكب ذنبا وهو يعلم أنه مذنب معرض لغضب الله وعقابه لم يخرج من ربقة الإيمان ولم يزل عنه وصف الإسلام.

قال ـ سبحانه وتعالى ـ: (إنَّ اللهَ لا يَغفرُ أنْ يُشْرَكَ بهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلكَ لمَنْ يَشاءُ). (من الآية 116 من سورة النساء).
فالكفر لغةً: كفر الشيء: غطَّاه وستَره.

وشرعًا: أن يجحد الإنسان شيئًا مما أوجب الله الإيمان به بعد إبلاغه إليه، وقيام الحُجة عليه.

وقد شاع الكفر في مُقابلة الإيمان؛ لأن الكفر فيه ستر الحق، بمعنى إخفائه وطمْس معالمه، ويأتي هذا اللفظ بمعنى كُفْر النعمة، وأعظمُ الكُفر جحود وحدانية الله باتخاذ شريك له و جحده نبوة رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشريعته.
والكافر مُتعارَف فيمَن يجحد كل ذلك.

وإذا كان ذلك هو معنى الإيمان والإسلام والكُفر مُستفادًا من نصوص القرآن والسنة كان المسلم الذي ارتكب ذنْبًا، وهو يعلم أنه مُذنب عاصيًا لله ـ سبحانه وتعالى ـ مُعرِّضًا نفسه لغضبه وعِقابه، لكنه لم يخرج بما ارتكبه عن ربْقة الإيمان وحقيقته ولم يَزُل عنه وصف الإسلام وحقيقته وحقوقه.

وأيًّا كانت هذه الذنوب التي يقترفها المسلم خطأً وخطيئة، كبائر أو صغائر، فإنه لا يخرج بها عن الإسلام ولا مِن عداد المؤمنين، ذلك مصداقه قول الله ـ سبحانه ـ: (إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ بهِ ويَغفر ما دُون ذلك لمَن يَشاء).

تكفير مرتكب الكبيرة

ولا يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه، أو تكفير المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه، قال الله ـ سبحانه ـ: (ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقَى إليكمُ السَّلَامَ لستَ مُؤمنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياةِ الدنيا فعِندَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرةٌ). (من الآية 94 من سورة النساء).

وفي حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رواه أبو داود أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "ثلاثٌ مِن أصل الإيمان، وعَدَّ منها: الكفَّ عمَّن قال: لا إله إلا الله، لا نُكفره بذنب، ولا نُخرجه من الإسلام بعمل...".

وما رواه الإمام أحمد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالفِسْق، أو يرميه بالكُفر إلا ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحب ذلك".

فهذه النصوص توضح أنه لا يحلُّ تكفير مسلم بذنب اقترفه، سواء كان الذنب ترك واجب مفروض، أو فعْل محرم منهيٍّ عنه، وأن مَن يُكفِّر مسلمًا، أو يصفه بالفسوق، يرتدُّ عليه هذا الوصف، إنْ لم يكن صاحبه على ما وصف.

والتدين حق للمسلمين جميعا ولكن عند النزاع يرد الأمر إلى الله ورسوله ويتولى الفصل وبيان الأحكام أهل الاختصاص وهم العلماء بالكتاب والسنة.

قال الله ـ تعالى ـ: (فإنْ تَنَازَعْتُمْ في شيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ). (من الآية: 59 من سورة النساء).

وقال ـ سبحانه ـ: (فلولَا نَفَرَ مِن كلِّ فِرْقةٍ منهم طائفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَومَهمْ إذَا رَجَعُوا إليهمْ). (من الآية: 122 من سورة التوبة).

وقوله في سورة الأنبياء: (فَاسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنتمْ لا تَعْلَمُونَ). (من الآية: 7).

وفي حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رواه الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سمِع النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قومًا يتمارَوْنَ في القرآن ـ يعني يتجادلون في بعض آياته ـ فقال: إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا، ضرَبوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يُصدِّق بعضُه بعضًا ولا يُكذب بعضُه بعضًا، فما علمتم منه فقُولوا، وما جهلتم منه فكِلُوهُ إلى عالِمِه".

هذا هو القرآن، وهذه هي السُّنة، كلاهما يأمر بأن النزاع في أمر من أمور الدين يجب أن يُردَّ إلى الله ورسوله، وأن من يتولى الفصل، وبيان الحكم هم العلماء بالكتاب وبالسنة، فليس لمسلم أن يحكم بالكفر أو الفسق على مسلم، وهو لا يعلم ما هو الكفر ولا ما يَصير به المسلم مرتدًّا كافرًا بالإسلام، أو عاصيًا مُفارقًا لأوامر الله؛ إذ الإسلام عقيدة وشريعة له عُلماؤه الذين تخصصوا في علومه؛ تنفيذًا لأمر الله ورسوله فالتديُّن للمسلمين جميعًا، ولكن الدين وبيان أحكامه وحلاله وحرامه لأهل الاختصاص به وهم العلماء قضاءً من الله ورسوله.

هذا: ولا ينبغي اتخاذ المذاهب الفقهية الإسلامية وَسيلة لكسبٍ سياسيٍّ أو تأييدًا لدولة أو فئة من الناس، وأَولَى بالمسلم بدَلَ أن يدعو أخاه المسلم إلى مذهبه ـ والمذاهب الصحيحة كلها من رسول الله ملتمسة ـ أن يَنشر الإسلام وفضائله، عقيدةً وشريعة بين غير المسلمين.

والأزهر يُنكر على هؤلاء الذين يُجاهدون في غير عدوٍّ صفتهم. فليس للمسلم الشيعي أن يطلب إلى المسلم السُّنِّي ترك مذهبه الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي، ليُتابعه على المذهب الشيعي، وليس للسني ـ أيضًاـ ذلك الصنيع، وما دام الكل من المسلمين فعليهم أن يكونوا إخوةً وأن يعملوا على نشر الإسلام بين غير المسلمين، ويكفُّوا عن توسيع شُقَّة الخلاف والفُرْقة بين صفوف الأمة وعن اتِّخاذ المذاهب الإسلامية الفقهية، مذاهب سياسية للدول، فإن المسلمين الأوائل لم يفعلوا ذلك؛ لأنه يتناقض مع قوله ـ تعالى ـ: (وإنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أمةً واحدةً وأنَا ربُّكمْ فاتَّقُونَ). (الآية: 52 من سورة المؤمنون) .أ.هـ

والله أعلم

اسلام اونلاين

فياض العبسو
23-Mar-2010, 11:18 PM
جزيت خيرا أخي الكريم ، وشكرا لك على هذا النقل الموفق ...
وللعلم فإن هناك كتاب للدكتور القرضاوي حفظه الله ، وهو بعنوان: الغلو في التكفير ...

ونحن لا نكفر أحدا من أهل القبلة ...
ومن كفر مسلما فقد كفر ...
ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ... فإن كان كذلك وإلا حارت عليه ...

أبو اللجين
24-Mar-2010, 04:06 PM
بارك الله فيك على هذا العرض
الشيخ القرضاوي عالم جليل إلا أن فضيلة الشيخ محمود الحوت وعلى المنبر كان يحذرنا من بعض فتاواه مسمياً إياها
فتاوى قرضاوية ولقد رأيته في برنامج الشريعة والحياة اللذي عرض مؤخراً ينكر على أهل الصوفية بعض الحقائق اللتي
يتمسكون ويؤمنون بها ومنها ما أقرها السيد النبهان
ولذا ينبغي أن نضع التكفير في ميزان الشريعة فحسب
ولك مني جزيل الشكر

أم عبد العزيز
24-Mar-2010, 11:49 PM
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الوسطية والاعتدال . وأن يهدي شباب المسلمين أجمعين .

ابراهيم ابومحمد
25-Mar-2010, 09:02 PM
أخي الفاضل شكرا على هذا الموضوع القيم

د.محمد نور العلي
26-Mar-2010, 05:37 PM
بعيدا عن المساجلات والمماحكات فإن كل من يتعجل بالتكفير والتبديع والتضليل للآخرين ممن لا يتفق معه فكرا أو منهجا أو مشربا فهو جاهل يدعي العلم وهو ضيق الأفق لا يستطيع أن يتسع فكره لغير ما حشي فيه , وربما هو ضائق ذرعا بنفسه وذاته , وهؤلا مما ابتلي بهم الإسلام الحنيف قديما وحديثا , , فالابتعاد عنهم رحمة ومجادلتهم تنغيص ونقمة ومن أراد كدرا لحياته فليناقش هؤلاء , ولا أعني طرفا بعينه بل هناك في كل المدارس الإسلامية والمشارب الفكرية والمجامع الفقهية من أنماط هؤلاء نسأل الله العافية والسلامة