المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رد العلامة الشيخ يوسف الدجوي على الشوكاني في مسألة تقليد المذاهب



أبوأيمن
22-May-2010, 06:06 PM
رد العلامة الشيخ يوسف الدجوي

على الشوكاني في مسألة تقليد المذاهب


جاء هذا الرد ضمن مقالات الشيخ رحمه الله المنشورة في مجلة ( الأزهر )، حيث ورده سؤال حول كلام للشوكاني يذم فيه من يقلدون المذاهب

وقد جاء من ضمن السؤال نقل عن كلام الشوكاني جاء فيه:

((ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله بهما وطلبه منهم للعمل بما دلاّ عليه وأفاداه، فعملتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين.. فدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي أقوال إمامكم وإمامهم وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم.)) اه.

فكان جواب الشيخ الدجوي ما يلي:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه.وبعد:

فهذا كلام لا يصدر إلا ممن غلظ فهمه وجمدت عواطفه وقسا قلبه وقل احتياطه، فاستهان بإجماع العلماء وكلام أئمة الهدى الذين لا يقولون في الدين بشيء إلا إذا كان لهم مستند من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، كما سنبينه.

وذلك منه اغترارا بما زعمه لنفسه من زعامة كاذبة واجتهاد باطل، ولو احتاط في أمر الدماء وتحرج من خطر التكفير، أو احترم اتفاق المسلمين وكلام غيره من العلماء المبرزين، لم يجازف بإلقاء القول على عواهنه ضد أمة بأسرها، وفيها من العلماء والفضلاء والأولياء والمحدثين والمفسرين وعلماء التوحيد والفلسفة ما أدهش التاريخ وأنطق أعداء الإسلام بفضل الإسلام.

و ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا)).

وكل من قدس نفسه واتبع هواه فلا بد أن يضل عن سبيل الله، وكل من امتلأ أنانية وكبرا فلا بد أن يحتقر المسلمين ولا يحترم العلماء السابقين( إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير).

هؤلاء إذا حللنا نفوسهم وجدناها مملوءة قسوة لا تقل عن قسوة قطاع الطريق، الذين يستهزئون بسفك الدماء وقتل الأبرياء، غير أن أولئك يسفكونه ليلا وهؤلاء يسفكونه نهارا لو قدروا، وأولئك يسفكونه خائفين وجلين، وهؤلاء يسفكونه فرحين متبجحين وأولئك لا يصفون بألسنتهم الكذب ولا يتقولون على الله، وربما رجعوا إليه نادمين مستغفرين، وهؤلاء يلصقون ذلك بدين الله مفترين على الله الكذب قائلين: هذا حلال وهذا حرام، هذا كفر وذاك إسلام.

فجدير بهم أن يغلق باب التوبة في وجوههم، فإنهم من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكيف يتوبون أو يستغفرون (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).

هذه النَّزعة، نزعة تكفير المسلمين والاستهانة بدمائهم، هي نزعة الخوارج الذين هم شر الطوائف، حتى ذهب كثير من العلماء – وتشهد لهم الأحاديث الصحيحة – إلى تكفيرهم، وما نرى طائفة على نقيض ما جاء به الأنبياء من الشفقة والرحمة والمحبة والوئام وعدم الانقسام مثل هذه الطائفة.
وبعد فالقول بوجوب الاجتهاد وتحريم التقليد على كل واحد يجافي المعقول قبل أن يخالف المنقول، فما أدري بأي قلم يكتبون وبأي عقل يتفكرون، فإن الناس خلقوا على درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الله (وإنما العلم بالتعلم) ومبنى هذا الوجود على أن الصغير يرجع إلى الكبير، والجاهل يرجع إلى العالم، والضعيف يرجع إلى القوي.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ( قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العَي السؤال )

قال ذلك في قوم أفتوا مجروحا أن يغتسل ويغسل جرحه ولا يتيمم، فمات. رواه أبو داود وابن ماجه .

وقال تعالى: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )

وقال: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )

فعِلَّة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، ومعلوم أن العلماء لم يزالوا يُستفتون فيفتون ويتبعهم الناس من غير إبداء المستند، ثقةً بدينهم وأمانتهم ومزيد معرفتهم، حتى شاع وملأ البقاع ولم ينكره أحد، فكان إجماعا.

ولو أوجبنا على كل أحد أن يؤهل نفسه للأخذ من الكتاب والسنة وما يجب لذلك لأدى الأمر إلى إبطال المعايش والصنائع، ولكان تكليفا بما لا يطاق.

ولا يمكننا أن نطيل في النصوص الآن، ولا فيما ورد من خطر تكفير المسلم وعدم احترام دمه وماله وعرضه، ولكن نقول: إن سنة الله في البشر أن يرجع الناس في كل شيء إلى العارفين به المبرزين فيه، ولو لم يفعلوا ذلك لاختلّت أمورهم وفسد نظامهم، ولأصبح العالم فوضى، ولكان الهلاك أسرع إليه من السلامة.

وانظر لو اجتهد كل إنسان برأيه في الطب، أو ذهب المريض إلى من لا يحسن علاجه، فماذا تكون النتيجة، وكيف يكون الحال إذا ألقينا بقيادة الحروب إلى الجهال الأغرار أو الجبناء الأغمار، أو خولنا كل أحد حرية الرأس ورسم الخطط في مجالدة الأعداء والذود عن بيضة الإسلام، أفلا تكون النتيجة خراب البلاد وهلاك العباد !.

وقل مثل ذلك في التجارة والزراعة وكل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع، وها أنت ترانا إذا أردنا طبيبا لمرض من الأمراض لم يقنعنا أن نذهب لطبيب عام بل إلى الطبيب المختص بذلك الفرع الذي وجه كل عنايته إليه، علما منا بسعة العلم وأن الأمور تشتبه وأن الجهل غريزة في البشر، والضعف طبيعة في الإنسان، وشعورا بأنه لا يكاد يخلص من سلطان الوهم وظلمات المشكلات والمتشابهات إلا من قتل العلم بحثا، وأحاط بمناحي التفكير خبرا، وعرف ضعف نفسه فلم يسارع إلى أول رأي فطير ولا أسبق خيال طائش.

هذا كله مركوز في الطباع، يعرفه الجاهل والعالم والصغير والكبير والرجل والمرأة، فليت شعري هل أصبحت الشريعة أهون من ذلك كله مع ما فيها من الأسرار الدقيقة والمشكلات الخفية والمتعارضات القوية والمرجحات المختلفة والمنسوخات المتروكة والمطقات المقيدة والعمومات المخصصة والمفاهيم المعطلة والمجملات التي قد يخفى بيانها والظواهر التي لا يراد ظاهرها والمجازات التي تدق قرينتها والكنايات التي تخفى إشارتها وتبعد غايتها ومواقع الإجماع والاختلاف ومباحث القياس المتشعبة ومسالك العلل الخفية وقوادحها المترامية، إلى أقوال الصحابة المختلفة وآرائهم المتباينة، وما يحتاج إليه ذلك كله من دقة الفهم وإصابة الرأي وأهلية الحكم وسعة الاطلاع وطول الباع، بعد معرفة اللغة العربية وفنونها، إلى آخر ما ذكره الأصوليون في مباحثهم الطويلة العريضة، خصوصا شروط الاجتهاد المبينة هناك، حتى قال كثير منهم: إن الاجتهاد لا يتجزأ لجواز أن يكون لبعض الأبواب علاقة بغيره، إلى آخر ما قالوا.

فلا بد إذن من الرسوخ في جميع الأبواب والإحاطة بمظانها وما عسى أن يكون فيها من مقيد ومخصص ومعارض ومرجح، إلى غير ذلك، وهذا بحر لا ساحل له، ومَهَامِهُ فيحاءَ يضل فيها الخِرِّيت، ولذلك كان كثير من السلف الصالح يتحرجون من الفتيا غاية التحرج (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار).

وقد عرض الخليفة المنصور العباسي وحفيده هارون الرشيد على الإمام مالك أن يحملا الناسَ على الموطإ فأبى، وإذا حَلَّلْتَ ذلك الإباء وبحثت عن سره وجدته الإخلاص البالغ والدين القيم، واتهام النفس وعدم تقديسها، فهو يجوِّز على نفسه أن يكون مخطئا وأن يكون الحق مع غيره، تاليا قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) وقوله عز وجل: (وخلق الإنسان ضعيفا) (إنه كان ظلوما جهولا).

وإن أول شروط الاجتهاد عندي نور البصيرة وصفاء الذوق وقوة الإخلاص وشدة المراقبة واتهام النفس الباعث على شدة التحري ومزيد الاحتياط، ولا يكفي في ذلك سعة العلم ولا كثر الاطلاع.

وكم قد رأينا من كبار الحفاظ من هو أكثر حديثا من بعض المجتهدين، ولكن لم يسمح له دينه أن يدعي الاجتهاد، علما منه بأنه لم يخلق له ولا وجد فيه استعداده الذي يعرف به روح الشريعة في كل شيء وذوقها في أحكامها ومراميها، وقد قالوا: إن المحدث كالصيدلي والمجتهد كالطبيب.
ولا بأس أن أفكهك بشيء طريف له مغزى شريف عن بعض هؤلاء المجتهدين العصريين، ثم نردفهم برؤسائهم المتقدمين الذين كانوا من سعة العلم بالذروة العليا، ولكن ليس فيهم أناة الأئمة ولا تحريهم ولا رزانتهم ووقارهم، بل كانوا أنانيين متبجحين، وقلما يأتي المتبجح بخير أو يهدي إلى صواب، وقد قال تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

أما هؤلاء الطائشون فلا يعرفون الصبر ولا الإيقان، وعلى الجملة فالأمانة تحتاج إلى استعداد خاص في طينة النفس وتكوينها (والناس معادن كمعادن الذهب والفضة) والنحاس لا يكون ذهبا أبدا، وإن راقتك صفرته وخفيت عنك حقيقته.

وقد شط بنا القلم، فلنعد إلى تلك الفكاهة:
سئل بعض مجتهدي العصر عن قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) هل يبقى التحريم في لحم الخنزير إذا أوصلناه من الغليان إلى درجة تقتل كل ما فيه من الديدان التي اكتشفوها الآن ؟

فأجاب مجتهدنا الظريف بأنه لا وجه للتحريم حينئذ، ويمكننا أن نستنبط ذلك من آخر الآية حيث تقول: (إلا ما ذكيتم) والتذكية هي التطهير، فحيث طهر لحم الخنزير مما فيه كان حلالا داخلا في هذا الاستثناء.

ولم يفرق حضرته بين التذكية – بالذال – وهي الذبح، وبين التزكية – بالزاي – وهي التطهير (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولا حقق ما يرجع إليه الاستثناء في الآية، وهذا من البدهيات التي يعرفها صغار الطلبة، فماذا تقول في هذا الاجتهاد وذك التجديد العصري ؟

أليس هذا أشبه شيء بقول من قالت: إن النساء أفضل من الرجال بنص القرآن، ثم استدلت بقوله تعالى: (أصطفى البنات على البنين) غير مفرقة بين همزة الوصل وهمزة الإنكار، فظنت أنه إخبار عن فضلهن ؟

فلا أكثرَ اللهُ من هؤلاء المجتهدين ولا هؤلاء المجتهدات !


(( لون آخر ))


جاء في تفسير ابن كثير هذا الحديث الذي رواه الحاكم عن عبادة بن الصامت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (أيكم يتابعني على ثلاث ؟) ثم قرأ قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..) الخ الآيات، ثم قال: ( فمن وفَّى فأجره على الله..) الحديث.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.

فعلق عليه ذلك المجتهد بقوله: لكنه غير صحيح المعنى، فإن الوصايا خمس لا ثلاث، ولم يبين حضرته في الحديث علة تقدح في صحته غير ما أبداه من فهمه السقيم، فإنه فهم أن الثلاث هي الوصايا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد بها الآيات لا الوصايا، والآيات ثلاث بلا شك، وقد جاء التصريح بذلك في رواية غير الحاكم، فقد رواه الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، وفيه: (أيكم يتابعني على الآيات)، ثم تلا (قل تعالوا..) إلى ثلاث آيات.

فانظر إلى تسرع الشيخ واجتهاده الذي يبنيه دائما على شفا جرف هار، وكم لهؤلاء من أمثال هذه التعليقات الحمقاء، فرحم الله امرءا عرف قدره فلم يتعد طوره.
ولنترك هذه الطبقة المتفيهقة المتشدقة على ما بهم من جهل وسخافة ولنرجع إلى من قبلهم من رؤسائهم وأئمتهم لنرى إمامهم ابن تيمية الذي قدموه على جميع الأئمة، وهم في تلك النزعات الخبيثة على الرغم من دعوى الاجتهاد، مقلدون له فانون في تقليده، كيف منع من شد الرحال لزيارته – صلى الله عليه وسلم – وجعل السفر للزيارة سفر معصية لا يصح فيه قصر الصلاة، خارقا بذلك إجماع المسلمين، غير مستحي من سيد المرسلين !

ودليله الذي استند إليه واستنبط منه ما لم يستنبطه أحد من الأولين والآخرين هو منعه – صلى الله عليه وسلم – من شد الرحال إلا لأحد المساجد الثلاثة، ففهِم من ذلك النهي أن الرحال لا تشد للزيارة، بناء على خيال قام برأسه أن القصر حقيقي لا إضافي، ولو كان كما فهم ذلك المجتهد الكبير لكان شد الرحل لصلة الرحم أو زيارة الأخوان أو التجارة أو غير ذلك محرما، فإذن تقف مصالح العالم وتتعطل أمور الدين والدنيا !

ولو تبصر قليلا لعلم ما أراد – صلى الله عليه وسلم – من أن المساجد متساوية في الفضل فكلها سواء إلا هذه المساجد الثلاثة، وذلك ظاهر لا خفاء فيه، فإن الأصل أن الشيء يستثنى من جنسه القريب، فإذا قلنا: ما مات إلا زيد، كان معناه: ما مات إنسان إلا زيد، وليس معناه: ما مات حيوان إلا زيد، ومن فهم ذلك كان من الحيوان لا من الإنسان.

على أننا لو جعلنا القصر حقيقيا لفسدت أمور العالم كما قلنا، والشريعة إنما جاءت بالصلاح لا بالفساد.

ويلتحق بذلك ما رأيناه في ( فتح الباري ) من قول ابن تيمية المذكور: إنه لم يجمع بين قول إبراهيم وآل إبراهيم في رواية من الروايات التي وردت في تعليم الصلاة عليه – صلى الله عليه وسلم – حين سئل عن ذلك، مع أن الجمع بينهما وارد في البخاري، وهو لدى الحفاظ بمنزلة الآجرومية في النحو، إلى غير ذلك مما هو معروف عنه.

وهو من كبار – أو كبير – أولئك المجتهدين، ولو لم يكن له إلا ما هو معروف عنه وعن تلميذه ابن القيم خصوصا في نونيته من إثبات الجهة لله تعالى أخذا بالمتشابهات واغترارا بظواهر الآيات لكان كافيا لكل منصف في تقدير ما لهم من علم وعقل ثم انظر بعد ذلك كله إلى كلام الشوكاني(1) الذي ذكره السائل(2) وإلى فهمه الكاسد وقياسه الفاسد، وهو من كبار هؤلاء أيضا.

فإن الأحبار والرهبان كانوا يحللون ويحرمون من عند أنفسهم قائلين: ما حللناه في الأرض فهو محلول في السماء وما ربطناه في الأرض فهو مربوط في السماء، كما هو معروف عنهم ومسطر في كتبهم المقدسة، فضلا عن تاريخ الكنيسة أو التاريخ العام.

وأما أئمة المسلمين فلم يدعوا لأنفسهم ذلك المنصب الذي لا ينبغي أن يكون إلا لله، وحاشاهم أن يقولوا ذلك أو يصدروا عن غير قول المعصوم وسنته التي هم أعرف الناس بها وأحرصهم عليها.

وقد صرحوا بذلك فقالوا: إذا خالفنا الحديث الصحيح فاضربوا بقولنا عرض الحائط، فكيف يحل له بعد ذلك أن يقول: إنكم اتبعتم آراءهم ولم تتبعوا الكتاب والسنة، وكل إنسان يعلم أنهم لم يقولوا من عند أنفسهم، وإنما يقولون: هذا قول رسول الله وذاك فعله وتلك سنته، وهم أعرف الناس بذلك وأقدرهم على تعرف ما جاء فيه.

وقد وثق الناس بهم فلم يتهموهم في دينهم ولا علمهم ولا أمانتهم بعدما عرفوا أنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحاشاهم أن يشرعوا من عند أنفسهم وهم خير القرون، فإن لم يجدوا شيئا في كتاب الله ولا سنة رسوله، اجتهدوا ما استطاعوا، وهم أعرف بروح الشريعة ومقاصدها ومناط أحكامها، ولو لم يفعلوا ما فعلوا لكانت الشريعة الآن لعبة بيد الجهال كما رأيت فيما تلوناه عليك.

وبالجملة فهؤلاء الأئمة قد نظروا في الشريعة نظر العالم المدقق والأمين الحذر، فما وجدوه مجمعا عليه عضّوا عليه بالنواجذ، وما كان فيه اختلاف أخذوا منه الأقوى والأرجح، لكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج صحيح من الكتاب والسنة.

وقد كان هذا ميسرا للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهد قريبا والعلوم غير متشعبة ومذاهب الصحابة والتابعين معروفة، على أنه لم ينتشر ذلك أيضا إلا لنفوس قليلة، ومع ذلك فقد كانوا مقتدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفهم في العلم صاروا مستقلين.

وكيف يقيس عاقل هؤلاء الأئمة على أولئك الرهبان الذين لم يدعوا لأنفسهم منصب النبوة فحسب، بل تخطوا ذلك إلى منصب الإلهية، فإن النبي يقول من عند نفسه (وما ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحى) ولذلك قالت الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) كما المسيح ابن مريم، فسوت بينهما وقالت في آخرها (سبحانه وتعالى عما يشركون).

فهل ترانا أشركنا الأئمة بالله تعالى، أم ذلك كلام من يرسل لقلمه العنان بما يوجب سخط الله والملائكة والناس أجمعين ؟.

وقد استتبع ذلك ما لا يحصى من المفاسد التي يرتكبها هؤلاء الجهلة ويتشدق بها أغمار من ينتسبون إلى العلم من زعانف القوم وأراذلهم، وقد جرّ ذلك إلى استباحة الأعراض، بل الأموال والدماء، فهي من السيئات الباقيات التي عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

فإن تشبثوا بالقياس والاستنباط، قلنا: ذلك لا بد منه على رغم أنوفهم بمقتضى الدلائل العقلية، حتى قال بعضهم: إن من لا يقول بالقياس لا يعد من العلماء ولا يعتبر من أهل الإجماع.

وإجمال القول أنهم إذا قالوا: إن كل إنسان يأخذ من الكتاب والسنة ولو لم يعرف الفاعل من المفعول، فضلا عن دلالة الإيماء والاقتضاء ومسالك العلة وقوادحها ومعرفة المنطوق والمفهوم وما فيه من جدل وكبير عمل، ومعرفة ما صح وما يعمل به في فضائل الأعمال، وما يحتج به في الحلال والحرام، وما قيل في المرسل والمسند، إلى غير ذلك، فضلا عما قيل في الرجال من تعديل وجرح، وهو بحر لا ساحل له، وما عسى أن يكون في الحديث من علة خفية، مع معرفة تاريخ الأحاديث ليتميز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة المرجحات عند التعارض ومواقع الاختلاف والاتفاق، حتى لا يخرقوا الإجماع..الخ.

نقول: إذا أباحوا للناس أن يأخذوا من الكتاب والسنة مع الجهل بذلك كله، فقد عرضوا الدين للضياع والشريعة للهزء والسخرية، وكان ذلك منهم جنونا أو فوق الجنون، وإن قالوا إنه يقل العالم في ذلك كله فقد هدموا ما بنوا وقوضوا ما شيدوا فأين يذهبون.

"وهل هذا إلا رجوع للتقليد الذي منعوه وتفسير للماء بعد الجهد بالماء (1)".

وبعد فإني أعجب كيف يكلفون أرباب الحرف والصناع وعامة السوقة المشتغلين بمعاشهم وعيالهم أن يأخذوا من الكتاب والسنة، وليس ذلك في وسعهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ؟.

ولا أراني محتاجا بعد ذلك للإضافة في الدلائل النقلية والكلام عليها، فإن الأمر أوضح من الشمس وأبين من الحس، ولولا ظهور تلك الطائفة التي اقتدت بأسلافها من الخوارج الذين هم أسرع إلى تكفير المسلمين واستباحة دمائهم من الفَراش إلى النار، لما تحرك به قلم ولا تفكر فيه أحد.

ولنختم كلمتنا هذه بتلك الحكاية التي تخفف عنك ما لاقيت من تلك الترهات التي يخجل منها العلم ويبكي لها الدين.

قال مولانا الشيخ محمد عليش – رحمه الله – في فتاويه: إن ابن حزم كان له مناظرات مع الباجي، وهو من كبار علماء المالكية، فلقي أخاه إبراهيم بن خلف الباجي يوما فقال له: ما قرأت على أخيك ؟
فقال: قرأت عليه كثيرا
فقال له: هلا اختصر لك العلم فأقرأك العلم في سنة ؟
فقال: أنا أحب ذلك
فقال له: أو في شهر ؟
فقال له: ذلك أشهى إلي
فقال له: أو في جمعة أو دفعة ؟
فقال: هذا أحب إلي من كل شيء
فقال له: إذا أوردت عليك مسألة فاعرضها على الكتاب، فإن وجدتها فيه وإلا فاعرضها على السنة، فإن وجدت ذلك فيها وإلا فاعرضها على مسائل الإجماع، فإن وجدتها وإلا فالأصل الإباحة فافعلها.

فقال له إبراهيم الباجي: أرشدني إلى ما يفتقر إلى عمر طويل وعلم جليل، لأنه يفتقر إلى فهم الكتاب ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومؤوله وظاهره، ومنصوصه ومقيده وعمومه وخصوصه إلى غير ذلك من أحكام، ويفتقر أيضا إلى حفظ الأحاديث ومعرفة صحيحها من سقيمها ومرسلها ومعضلها وتأويل مشتبهها وتاريخ المتقدم والمتأخر منها، إلى غير ذلك، ويفتقر إلى معرفة مسائل الإجماع وتتبعها في جميع أقطار الإسلام، وقل من يحيط بهذا. اه.

وقد قال الإمام أبو بكر بن العربي في حق هذه الطائفة في القواصم والعواصم: إنها أمة سخيفة تسورت مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكم علي – رضي الله عنه – يوم صفين، فقالوا: لا حكم إلا لله، وما أدري أيهما أجهل وأخطر: أطائفة الباطنية، أو طائفة الظاهرية ؟

هذا وإني ألفت نظرك إلى ما أتى به الخوارج والروافض والمعتزلة والظاهرية والوهابية مما تقشعر منه الأبدان بناء على اجتهادهم المبني على الوهم دون الفهم.

ولنقهر القلم على ترك الجولان في هذا الميدان، إشفاقا على القارئ، وربما عدنا إليه مرة أخرى

ابومحمد
22-May-2010, 08:27 PM
ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله بهما وطلبه

بارك الله فيك اخي ابا ايمن

ارى ان هذه العبارة كانت تحتاج الى رد اكثر من الشيخ لانها عبارة مغالطة

ومسألة التقليد اخي كما تعلم بين موجب لها وبين مجوز لها وبين محرم لها

قال صاحب الجوهرة

فواجت تقليد حبر منهم *** كذا حكى القوم بلفظ يفهم

فمن يدعي وجوب التمسك باحد المذاهب وعدم الاخذ من غيره فهذا يحتاج لدليل


حتى انهم يحرمون تقليد الصحابة مع انهم يقولون بأن قول الصحابي حجة في التشريع

وقد قرأت من فترة في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة للجزيري

ان من كان يقلد مذهبا ثم بان له بأن مذهبا آخر اقوى من حيث ا لحجة فانه لايجوز ان يبقى على مذهبه

ووجب عليه ان ينتقل الى المذهب الآخر


وبين عدم صحة صلاة الحنفي وراء الشافعي الذي بطلت صلاته على مذهب الحنفي


مثــــــــــــال : شافعي خرج منه دم ثم ذهب الى الصلاة وصلى اماما بالناس واقتدى به حنفي

فان صلاته باطلة ان علم بهذا الامر والعكس صحيح ايضا

وهذه المسألة تجدها في الفقه على المذاهب الاربعة للجزيري

وبين محرم وهذا من التنطع الزائد كما ذكر ابن القيم في اعلام الموقعين فقد ساق مايقرب من خمسين دليل على حرمة التقليد

وبين مجوز ومفصل كما تجد في كتاب اصول الفقه للزحيلي ومقدمة الفقه الاسلامي للمؤلف ذاته


اشكرك اخي وبوركت

الشافعي
22-May-2010, 09:07 PM
بارك الله بيديك الكريمتين التي سطرت هذه الكلمات الذهبية

وحبذا لو تكرمنا برد البحر العلامة الشيخ يوسف الدجوى على من قسم التوحيد الى ثلاثة اقسام

أبوأيمن
23-May-2010, 01:38 PM
فمن يدعي وجوب التمسك باحد المذاهب وعدم الاخذ من غيره فهذا يحتاج لدليل


حتى انهم يحرمون تقليد الصحابة مع انهم يقولون بأن قول الصحابي حجة في التشريع

[/size]

أخي أبو محمد : كلنا يعلم أن القول الذي استقر عند علماء أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو التالي :

وجوب تقيد غالب الناس بالمذاهب الأربعة، وليس لأحد أن يتخير من مذاهب غيرهم إلا أن يكون عالما متبحرا وصل إلى رتبتهم، وهذا النوع نادر ويكاد ألا يوجد.
لا يسوغ تقليد غير الأئمة الأربعة لأنها لم تشتهر ولم تنضبط.

ولقد ألفت عدة كتب في هذا ككتاب ابن رجب رحمه الله "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة"

وكتاب الشيخ محمد الحامد الذي هو بعنوان : لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسما للفوضى الدينية.

إذن:

قال الشيخ الصاوي رحمه الله في "شرح الجوهرة"( 342) :

"فيجب عند الجمهور على كل من لم يكن فيه أهلية الاجتهاد المطلق الأخذ بمذهب عالم من هؤلاء الأربعة ، ولا يجوز تقليد غيرهم بعد عقد الإجماع عليهم لأن مذاهب الغير لم تدون ولم تضبط بخلاف هؤلاء فإنهم أحاطوا علما بأقوال جميع الصحابة أو غالبها وعرفت قواعد مذهبهم ودونت مذاهبهم وخدمها تابعوهم وحرروها وصارت متواترة ، ليخرج في الأحكام الفرعية من عهدة التكليف بهذا التقليد لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها"ا.هـ

يقول الإمام بدر الدين الزركشي _رحمه الله_ في : "البحر المحيط" (6/209):

" وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب(_أي المذاهب الأربعة_) وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها" ا.هـ