المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقليد مذهب من المذاهب الأربعة



المعتصم بالله
13-Jul-2010, 05:13 PM
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


تعريف بالمذاهب الأربعة :

أولاً: المذهب الحنفي:

نسبة إلى التابعي الجليل الإمام أبي حنيفة وهو النعمان بن ثابت الكوفي المولود سنة (80 هـ) بالكوفة إحدى مدن العراق، وبها كانت أكثر إقامته رضي الله عنه حتى توفي ببغداد سنة (150هـ) وكان عمره حينئذ سبعين عاما.

أدرك ستة من الصحابة، وقيل أربعة، منهم أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة رضي الله عنهم، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وقيل: إنه رأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وقال القاضي أبو يوسف: (كان أبو حنيفة يختم القرآن كل ليلة في ركعة). وقال علي بن عاصم: (لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه، لرجح عليهم). وقال الشافعي: (الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة).

الثاني: المذهب المالكي:

نسبة إلى الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل الحميري ثم الأصبحي، ولد سنة (93هـ)، على الصحيح في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة (179هـ).

قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم؛ وقال أيضاً: مالك حجة الله على خلقه، وقال أيضاً: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.

الثالث: المذهب الشافعي:

نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف ابن قصي، القرشي المطلبي، الشافعي، الحجازي، المكي، يلتقي مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في عبد مناف. وقد ولد سنة 150 هجرية. وتوفي سنة 204 هجرية.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبه، أي رجل كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو منهما عوض.

الرابع: المذهب الحنبلي:

وهو نسبة إلى الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل الذهلي، الشيباني، المروزي، ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام؛ المولود في 164هـ، والمتوفىسنة 241هـ.

قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه، ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

وإذا تأملنا وجدنا أن الصلة العلمية والقلبية كبيرة بين هؤلاء الأئمة الأربعة، فالإمام أبو حنيفة حدث اللقاء بينه وبين الإمام مالك، قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً، لقام بحجته.

وأما مالك فهو شيخ الشافعي وشيخ شيخ الإمام أحمد، وأما الشافعي فقد أخذ علم أبي حنيفة من تلميذه الكبير الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وأخذ العلم عن مالك مباشرة، وأما الإمام أحمد فهو تلميذ الإمام الشافعي.

وقد كان كلٌ منهم يدعو للآخر، ويثني عليه، ولم يختلفوا إلا حيث لم يسعهم الاتفاق، قال الإمام السيوطي رحمه الله في رسالته: جزيل المواهب في اختلاف المذاهب: (اعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سرٌ لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين جاءت المذاهب الأربعة؟!.

ومن العجب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، وصارت عصبية وحمية جاهلية، والعلماء منـزهون عن ذلك.

وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحداً، ولا عادى أحدٌ أحداً، ولا نسب أحدٌ أحداً إلى خطأ ولا قصور... فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصلة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة).

والأئمة الأربعة كلهم على خير وهدى، وهم من كبار أئمة السلف، قال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله: (الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد، وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم؛ فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله، وحشرنا في زمرتهم.

وإذا كانوا كلهم على هدى من الله سبحانه وتعالى، فلا حرج على من أرشد غيره إلى التمسك بأي مذهب من المذاهب الأربعة وإن خالف مذهبه واعتقاده، لأنه أرشده إلى حق وهدى).

وأما حكم تقليد مذهب من المذاهب الأربعة، ففيه تفصيل:

فإن كان الشخص إماماً مجتهداً فلا يجوز له أن يقلد أحداً، بل عليه أن يأخذ بالكتاب والسنة، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.
وأما غير المجتهد فالواجب في حقه التقليد، وليس له أن يتجاسر على نصوص الشرع باجتهاده، بل يلزمه الأخذ بأقوال أهل العلم، لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، والأولى للعامي ولا شك أن يلتزم بمذهب من المذاهب الأربعة، فإن ذلك أولى من التشتت الذي قد يحصل إذا ما سأل في كل حادثة عالماً قد يخالف وقد يوافق من استفتاهم من قبل، وأيضاً لو جاز للعامي اتباع أي مذهب شاء لأفضى به ذلك إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعاً هواه، ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز، وذلك يؤدى إلى الانحلال من ربقة التكليف، ولكن هل يلزمه الأخذ بمذهب إمام معين يأخذ برخصه وعزائمه، ولا يخرج عن قوله، في ذلك خلافٌ بين العلماء:
القول الأول: أنه لا يلزمه ورجح هذا الإمام ابن برهان والنووي، قال الإمام النووي في الروضة: (والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء أو من اتفق لكن من غير تلقط للرخص).
القول الثاني: أنه يلزم العامي وكل من لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يأخذ بمذهب من المذاهب الأربعة لا يخرج عنه في رخصة ولا في عزيمة إلا ما لحقه بالتزامه ضرر أو مشقة، ورجح هذا كثيرٌ من العلماء، منهم الإمام القفال الشاشي، قال الإمام جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوِيًا).
وقال العلامة عليش المالكي في كتابه فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: (وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي لَمْ يَصِلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْعَامِّيُّ الْمَحْضُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوٍ).
فإن قيل: كيف يقال بضرورة التزام العامي لمذهب معين ولم يكن هذا معروفاً في الزمن الأول؟

قلنا: هناك فرق واضح وهو أن المذاهب في ذلك العصر لم تكن قد دونت وعرفت، ولذا قال الإمام ابن المنير رحمه الله كما نقل عنه ذلك الإمام بدر الدين الزركشي في البحر المحيط: (الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا قَبْلَهُمْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الناس كَانُوا قبل الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لم يُدَوِّنُوا مَذَاهِبَهُمْ وَلَا كَثُرَتْ الْوَقَائِعُ عليهم حتى عُرِفَ مَذْهَبُ كل وَاحِدٍ منهم في كل الْوَقَائِعِ وفي أَكْثَرِهَا، وكان الذي يَسْتَفْتِي الشَّافِعِيَّ مَثَلًا لَا عِلْمَ له بِمَا يَقُولُهُ الْمُفْتِي لِأَنَّهُ لم يَشْتَهِرْ مَذْهَبُهُ في تِلْكَ الْوَاقِعِة، أو لِأَنَّهَا ما وَقَعَتْ له قبل ذلك فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَضِّدَهُ إلَّا سِرٌّ خَاصٌّ، وَأَمَّا بَعْدَ أَنْ فُهِمَتْ الْمَذَاهِبُ وَدُوِّنَتْ وَاشْتُهِرَتْ وَعُرِفَ الْمُرَخِّصُ من الْمُشَدِّدِ في كل وَاقِعَةٍ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْمُسْتَفْتِي وَالْحَالَةُ هذه من مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ إلَّا رُكُونًا إلَى الِانْحِلَالِ وَالِاسْتِسْهَالِ).

وأما سؤالك عن المذهب الذي ننصح باتباعه، فإننا ننصح بأن يتبع المسلم المذهب الذي ينتشر في بلده، لأن في ذلك مجموعة مصالح معتبرة:

أولها: وفرة العلماء المتمكنين في ذلك المذهب، فلو كان الشخص يعيش في الإمارات أو المغرب أو الجزائر أو تونس أو ليبيا أو موريتانيا مثلاً وتمذهب بمذهب الإمام مالك فسيجد من علماء المالكية من يفتيه فيما يحتاجه من المسائل، بخلاف ما إذا سلك مذهباً آخر في هذه البلاد فقد لا يجد من يفتيه في ذلك المذهب.

ثانياً: تحقيق وحدة فكرية وفقهية في المجتمع، وتجنيب الناس الخلافات والنـزاعات، فهذا إمام الحنابلة في عصره الإمام المجتهد القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله يأتيه شخص من بلاد (ميافارقين) وتقع الآن في تركيا تقريباً، ليدرس عليه الفقه الحنبلي، فأرشده أن يذهب إلى غيره حتى لا يعود هذا الرجل إلى بلده فيفتي بخلاف ما يفتي به علماء بلده، فتحدث الخصومة والنـزاع وتفرق الكلمة، ذكر ذلك الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام (32/157) بسنده إلى القاضي أنه قال للرجل: أنت شافعيٌّ، وأهل بلدك شافعيّة، فكيف تشتغل بمذهب أحمد قال: قد أحببته لأجلك؛ فقال: يا ولدي ما هو مصلحة، تبقى وحدك في بلدك ما لك من تذاكره، ولا تذكر له درساً، وتقع بينكم خصومات، وأنت وحيد لا يطيب عيشك؛ فقال: إنّما أحببته وطلبته لما ظهر من دينك وعلمك؛ قال: أنا أدلّك على من هو خيرٌ منّي، الشّيخ أبو إسحاق؛ فقال: يا سيدّي، إنّي لا أعرفه؛ فقال: أنا أمضي معك إليه.

ثالثاً: حياة العلم مدارسته، فلو كان الشخص قد درس المذهب المنتشر في بلده فسيجد من طلاب العلم الذين هم على مذهبه من يدارسهم ويناقشهم، وتزول عنه الوحدة، وتنقشع عنه الغمة.

واعلم أخي أن الأئمة الأربعة يطلبون مراد الله تعالى، ويجتهدون في جمع نصوص الشرع وفهمها وقد يتفقون وقد يختلفون، وليس هناك واحد منهم إلا وأوصله اجتهاده إلى مسائل هي في مذهبه أيسر من المذاهب الأخرى، وأوصله اجتهاده أيضاً إلى مسائل هي في مذهبه أشد وأعسر من المذاهب الأخرى، لأنهم رضي الله عنهم ورحمهم وضعوا لأنفسهم قواعد يجتهدوا من خلالها، وطلب اليسر والسماحة هو واحدٌ من تلك القواعد والأصول التي اتفقوا عليها لكون الشرع قد أمر بالتيسير والسماحة، وجاء بذمِّ التكلف والتشدد، ولكنَّ هذه القاعدة لم تمنع من وجود بعض الفوارق في الأحكام بين يسير وأيسر؛ وهم في جميع ذلك دائرون في فلك النصوص الشرعية ومقاصدها الكلية التي تعتبر حاكمة وضابطة لاجتهاداتهم واستنباطاتهم، والله تعالى أعلم.

المصدر موقع الهيئة العامة للآوقاف بأبوظبي