المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القطع بالكفر والخسران لمن دان بغير دين الإسلام بقلم الشيخ سيف بن علي العصري



المعتصم بالله
26-Nov-2010, 06:11 AM
القطع بالكفر والخسران لمن دان بغير دين الإسلام

بقلم

سيف بن علي العصري


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن من قواطع الدين، وما اتفق عليه أئمة المسلمين، الحكم بكفر من دان بغير الإسلام، والقطع بعدم دخولهم جنة السلام، فمن شك في كفرهم، أو حكم بكفرهم ولم يقطع لهم بخسران الجنة والقرار في النار، فقد خالفَ صريح القرآن، وإجماعَ أُمة الإسلام، وقد دلَّ على ما ذكرنا الكتاب والسنة والإجماع.
أما القرآن:
فيقول الله عز وجل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران : 85].
فحكم في هذه الآية بحكمين:
الأول: عدم قبول ما هم عليه.
والثاني: الخسارة في الآخرة.
وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة : 72].
وفي هذه الآية القطع بتحريم الجنة على من دان بغير الإسلام.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (150) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:150-151].
فمن فرق بين رسل الله فآمن بموسى أو بعيسى وكفر بمحمد - صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء وسلم تسليما كثيرا – فهو بنص الآية كافرٌ حقاً، وأن له العذاب المهين.
وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:170] .
وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [المائدة : 48].
وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [هود : 17]


وأما السنة ففي أحاديث كثيرة منها:
ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
قال الإمام النووي في شرح مسلم: (وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة" أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته. وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى).
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ).
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مصير ذلك الشاب لو لم يستجب النار.


وأما الإجماع فقد حكاه غير واحدٍ من الأئمة:
قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد: (محال غير جائز أن يُغفر للذين يموتون وهم كفار لأن الله عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا وهذا ما لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل القبلة).
وقال الإمام القرطبي في تفسيره: ("إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ". وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. "وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ" من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه).
ويقول الإمام أبو حيان في تفسيره: (وأجمع المسلمون على تخليد من مات كافراً في النار).
وقال الإمام القاضي عياض المالكي في الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (وَلِهَذَا نُكَفِّرُ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمِلَلِ، أَوْ وَقَفَ فِيهِمْ أَوْ شَكَّ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ، وَإِنْ أَظْهَرَ مَعَ ذَلِكَ الْإِسْلَامَ).
وقال الإمام النووي رحمه الله في روضة الطالبين: (وأنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دانَ بغيرِ الإسْلامِ كالنصارى، أو شكَّ في تَكْفِيْرِهِم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده).
وقال الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير: ("إن الله لا يغفر أن يشرك به" فحرم المغفرة على من مات مشركا وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة).
وقال الإمام الشربيني في مغني المحتاج وهو يعدد المكفرات: (أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ).
وقال أيضاً في زاد المسير: (والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه وفي قوله لمن يشاء نعمة عظيمة من وجهين أحدهما أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب).
وعليه فمن مات على الشرك فيقطع له بالنار للنصوص القاطعة بذلك.
وقال الإمام الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: (قوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء" دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن كفرهما شرك). وعليه فيقطع بمصيرهم وأنهم إلى النار.
وقال الإمام الرازي أيضاً في مفاتيح الغيب عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}: (واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر، فان العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء" .
وقال الإمام الرازي أيضاً في مفاتيح الغيب: (اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك بل هو سبحانه قد يعفو عنها).
وقال الإمام البيضاوي في تفسيره: ("إن الله لا يغفر أن يشرك به" لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره).
وقال الإمام ابن عطية المالكي في تفسيره المحرر الوجيز: (الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره فهذا مخلد في النار بإجماع ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهذا في الجنة محتوم عليه حسب الخبر من الله تعالى بإجماع ...).
وقال أبو السعود في تفسيره: (والمرادُ بالشرك مُطلقُ الكفرِ المنتظمِ لكفر اليهودِ انتظاماً أولياً فإن الشرْعَ قد نص على إشراك أهلِ الكتابِ قاطبةً وقضى بخلود أصنافِ الكفرةِ في النار).
وقال منصور بن يونس البهوتي الحنبلي في دقائق أولي النهى: (وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ أَوْ حُدُوثَ الصَّانِعِ أَوْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ).
وفي هذا مَقْنَعٌ وكفاية.
ولا أشك أنَّ الكلام السابق في حق من بلغته دعوة الإسلام، وأما من لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله تعالى.

معيار بلوغ الدعوة

وأما معيار بلوغ الدعوة أو عدم بلوغها فأمر آخر، وقد قسم طائفة من العلماء الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من بلغتهم الدعوة واضحة جلية، فهؤلاء يقطع لهم بالنار.
القسم الثاني: من لم تبلغهم الدعوة، وهؤلاء أمرهم إلى الله.
القسم الثالث: من بلغتهم الدعوة مشوهة، وهذا فيه التفصيل الذي سنذكره.

قال الإمام حجة الإسلام الغزالي في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: (بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى: أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:
صنف: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون.
وصنف: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.
وصنف: ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع، ادعى أن الله بعثه وتحدى بالنبوة كاذباً. فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب ...
وأما من سائر الأمم فمن كذبه بعدما قرع سمعه بالتواتر عن خروجه، وصفته، ومعجزاته الخارقة للعادة، كشق القمر، وتسبيح الحصا، ونبع الماء من بين أصابعه، والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة وعجزوا عنه فإذا قرع ذلك سمعه، فأعرض عنه، وتولى ولم ينظر فيه ولا يتأمل، ولم يبادر إلى التصديق، فهذا هو الجاحد الكاذب، وهو الكافر، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد المسلمين.
بل أقول: من قرع سمعه هذا، فلا بد أن تنبعث فيه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
فإن لم تنبعث فيه هذه الداعية، فذلك لركونه إلى الدنيا، وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين وذلك كفر، وإن انبعثت الداعية، فقصر عن الطلب، فهو أيضاً كفر.
بل ذو الإيمان بالله، واليوم الآخر، من أهل كل ملة، لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة فإن اشتغل بالنظر والطلب، ولم يقصر، فأدركه الموت قبل تمام التحقيق، فهو أيضاً مغفور له ثم له الرحمة الواسعة).
ولا شك أن المقصود بهذا الصنف الثالث من بذل جهده في البحث عن الحق، واستفرغ جهده في طلبه، وإلا لكان من تأثر بتلك الحملة القرشية على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم داخلاً في عموم المعذورين، وهذا لا يقوله عاقل.

وقد أوضح الإمام الغزالي مقصوده في المستصفى فقال: (مَسْأَلَةَ ذَهَبَ الْجَاحِظُ إلَى أَنَّ مُخَالِفَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالدَّهْرِيَّةِ إنْ كَانَ مُعَانِدًا عَلَى خِلَافِ اعْتِقَادِهِ فَهُوَ آثِمٌ ، وَإِنْ نَظَرَ فَعَجَزَ عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ آثِمٍ ، وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوبَ النَّظَرِ فَهُوَ أَيْضًا مَعْذُورٌ .
وَإِنَّمَا الْآثِمُ الْمُعَذَّبُ هُوَ الْمُعَانِدُ فَقَطْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَهَؤُلَاءِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ وَلَزِمُوا عَقَائِدَهُمْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذْ اسْتَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الْمَعْرِفَةِ .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا لَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَهُوَ جَائِزٌ ، وَلَوْ وَرَدَ التَّعَبُّدُ كَذَلِكَ لَوَقَعَ وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ خِلَافُ هَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ ، فَإِنَّا كَمَا نَعْرِفُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ضَرُورَةً فَيُعْلَمُ أَيْضًا ضَرُورَةً أَنَّهُ أَمَرَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَذَمَّهُمْ عَلَى إصْرَارِهِمْ عَلَى عَقَائِدِهِمْ ، وَلِذَلِكَ قَاتَلَ جَمِيعَهُمْ وَكَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرٍ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ وَيَقْتُلُهُ وَيَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمُعَانِدَ الْعَارِفَ مِمَّا يَقِلُّ ، وَإِنَّمَا الْأَكْثَرُ الْمُقَلِّدَةُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا دِينَ آبَائِهِمْ تَقْلِيدًا وَلَمْ يَعْرِفُوا مُعْجِزَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصِدْقَهُ .
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا لَا تُحْصَى ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ } وقَوْله تَعَالَى : { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { إنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ } وَقَوْلِهِ { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ } وقَوْله تَعَالَى : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أَيْ : شَكٌّ وَعَلَى الْجُمْلَةِ ذَمُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ ؟ قُلْنَا : نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ ، أَمَّا أَنَّهُمْ يُطِيقُونَ أَوْ لَا يُطِيقُونَ فَلْنَنْظُرْ فِيهِ ؛ بَلْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ بِمَا رَزَقَهُمْ مِنْ الْعَقْلِ وَنَصَبَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبَعَثَ مِنْ الرُّسُلِ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّذِينَ نَبَّهُوا الْعُقُولَ وَحَرَّكُوا دَوَاعِيَ النَّظَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
وهذا القول عن العنبري غريب مستبعد حتى قال العطار في حاشيته: (وَلَا يُظَنُّ بِهِ طَرْدُ ذَلِكَ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَأَمْثَالِهَا).
وعلى ما سبق فإن كلام الإمام الغزالي في كتابه فيصل التفرقة في عذر أهل الصنف الثالث إنما هو من حيث عدم وقوفهم على الحجج، لا من حيث اجتهادهم في فهم الحجج، لأننا لو اعتبرنا اجتهادهم في فهم الحجج لأدى ذلك إلى تصويب أهل الملل، وفي هذا يقول الإمام الجويني في الورقات: (ولا يجوز كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة والمجوس والكفار والملحدين).

وقال العلامة الحطاب المالكي في شرح الورقات: ("ولا يجوز" أن يقال: "كل مجتهد في الأصول الكلامية" أي العقائد الدينية "مصيب؛ لأن ذلك يؤدى إلى تصويب أهل الضلالة" من النصارى القائلين بالتثليث، "والمجوس" القائلين "بالأصلين" للعالم النور والظلمة، "والكفار" في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والميعاد في الآخرة).
قال العلامة الآلوسي في تفسير قوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف : 30] : (والأول [أي: وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ] لكونه في مقابلة من هداه الله تعالى شامل للمعاند والمخطئ، والثاني [أي قوله: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] مختص بالثاني [أي: المخطئ] وهو صادق على المقصر في النظر والباذل غاية الوسع فيه ، واختلف في توجه الذم على الأخير [أي من بذل غاية الوسع في البحث عن الحق] وخلوده في النار. ومذهب البعض أنه معذور ولم يفرقوا بين من لا عقل له أصلا ومن له عقل لم يدرك به الحق بعد أن لم يدع في القوس منزعا في طلبه فحيث يعذر الأول لعدم قيام الحجة عليه يعذر الثاني لذلك ، ولا يرون مجرد المالكية وإطلاق التصرف حجة ولله تعالى الحجة البالغة، والتزام أن كل كافر معاند بعد البعثة وظهور أمر الحق كنار على علم وأنه ليس في مشارق الأرض ومغاربها اليوم كافر مستدل مما لا يقدم عليه إلا مسلم معاند أو مسلم مستدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت).

ملاحظة: ما بين المعقوفتين [..] من زيادي للتوضيح.

وقال محمد رشيد رضا في المنار: (وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِي حُجِّيَّةِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ كَوْنَهَا عَلَى وَجْهٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْحُجَّةِ يُحَرِّكُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا ، وَإِلَّا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ كُلِّ مَا يَبْلُغُهُ مِنْ أَمْرِ الْأَدْيَانِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا بَلَغَهُ بِصُورَةٍ مُشَوَّهَةٍ تَدْعُو إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَاتِّقَاءِ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ فِي النَّظَرِ فِيهَا، وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا أَجْهَلَهُمْ بِحَالِ الْعَصْرِ وَأَهْلِهِ وَبِالدَّعْوَةِ وَأَدِلَّتِهَا).
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين.

الفقير إلى عفو الله الكريم
سيف بن علي العصري
حرر بتاريخ 26 جمادى الأولى 1431
الموافق 10/5/2010