المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرق بين التمذهب والتعصب



المعتصم بالله
13-Jan-2011, 05:47 PM
الفرق بين التمذهب والتعصب


كتبه:

الشيخ سيف بن علي العصري

التمذهب هو أن يقلد العامي مذهبَ إمامٍ مجتهدٍ، سواء التزم مذهب إمام واحدٍ، أم تنقل بين المذاهب.
والمقصود بالعامي في كلامنا السابق ، كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد، وهذا هو مصطلح الأصوليين، فهم يطلقون العامي على غير المجتهد.
وعليه فقد يكون العامي ممن له اشتغال بالفقه، أو بعلوم اللغة، أو له اشتغال بطلب الحديث وتعلم أسانيده، وحفظها، ومعرفة الرجال، وغير ذلك، ولكنه لم يبلغ درجة الاجتهاد والنظر في نصوص الشرع، فهو في اصطلاح الفقهاء والأصوليين عاميٌّ، فلا يقبل قوله في الفقهِ، وتخريجِ الأحكامِ .

قال الإمام السرخسي الحنفي في كتاب الأصول (1/312) : وكذلك من يكون محدثاً لا بصر له في وجوه الرأي، وطرق المقاييس الشرعية، لا يعتد بقوله في الإجماع، لأن هذا فيما يبني عليه حكمَ الشرعِ بمنزلةِ العاميِّ، ولا يُعتدُّ بقول العامي في إجماع علماء العصر، لأنه لا هداية له في الحكم المُحْتَاجِ إلى معرفته. اهـ

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الفتاوى الفقهية الكبرى (2/251) : والمراد بالعامي في عرف الأصوليين غير المجتهد المطلق، فالمقلدون كلهم عوام عندهم، وإن جلت مراتبهم وفي عرف الفقهاء من يعرف الظاهر من الأحكام الغالبة بين الناس دون الأحكام الخفية ودقائقها والأحكام النادرة. اهـ

تعريف المذهب لغةً واصطلاحاً:
المذهب لغة: اسم لمكان الذهاب.
واصطلاحاً: حقيقة عرفية تطلق على الأحكام التي استخرجها إمام مجتهدٌ أو خرجت على قواعده وأصوله من قِبَلِ أصحابه المجتهدين التابعين لأصوله في التخريج.

والتمذهب بهذا المعنى، جادةٌ مسلوكةٌ، وطريقٌ سابلةٌ، سار عليها العلماء ، من المحدثين والفقهاء والمفسرين واللغويين، ولم ينكرها أحدٌ ممن يعتد به، فتجد العلماء كلٌ يعمل بالمذهب الذي ارتضاه لنفسه، ويفتي به الناس ويقضي.

قال العلامة محمد الخضر الشنقيطي في "قمع أهل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الاجتهاد" (ص75) : وأما وجوب التقليد من العامي للعالم فعليه الكتاب والسنة، وإجماع أهل القرون الثلاثة المشهود لهم من الصادق المصدوق بالخيرية، وإجماع من بعدهم، إلا ما شذَّ من خلاف معتزلة بغداد. اهـ

وقد كان التقليد معروفاً في زمن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، ولم ينكره أحدُ منهم، فهذا الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني يذكر لنا في الإصابة في تمييز الصحابة (4/148) عن طاووس رحمه الله أنه قال:رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا تدارءوا في أمرٍ صاروا إلى قول بن عباس رضي الله عنه .

فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى تقليد ابن عباس فيما لا يعلمونه من أحكام الشرع.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون على مائة ألف، بينما ( الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسا ) كما ذكر ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين (1/10).


وهذا إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، يقلِّدُ الشافعيَ رحمه الله، أورد ذلك الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق (51/351)، والحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (9/25) عن حميد بن أحمد البصري، قال: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة. فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله لا يصح فيه حديث، فقال : إن لم يصح فيه حديث، ففيه قول الشافعي، وحجته أثبت شيء فيه.


وعلى هذا المنوال سار العلماء قاطبة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وليس في هذا ما ينكر، وإليك نبذاً من ذلك .

من أعلام المذهب الحنفي :وقد كان العلماء صغارهم وكبارهم متمذهبين بمذاهب أهل السنة التي حفظت، فالإمام أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وعبد الله بن المبارك وزفر والطحاوي والسرخسي والنسفي و أحمد بن محمد البخاري والزيلعي وابن الهمام وابن نجيم وابن عابدين وألوفٌ غيرهم ممن ضمتهم كتب التراجم الخاصة بطبقات الحنفية، ومعظم علماء بلاد الهند والسند وأفغانستان وبلاد الشام على مذهب الإمام أبي حنيفة.

من أعلام المذهب المالكي:
والإمام ابن القاسم وأشهب وسحنون وأسد بن الفرات وأصبغ وابن عبد البر والقاضي عياض وابن العربي وأبو بكر الطرطوشي وابن الحاجب وابن المنير وابن رشد والباقلاني والباجي والقرطبي والقرافي والشاطبي وابن خلدون وألوفٌ ممن ضمتهم كتب التراجم الخاصة بطبقات المالكية ، هم على مذهب الإمام مالك رحمه الله ، ولك أن تقول إن كل أو معظم علماء بلاد المغرب من القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا مالكية.

من أعلام المذهب الشافعي:
والإمام المزني والبويطي وابن المنذر ومحمد بن جرير الطبري وابن سريج وابن خزيمة والقفال والبيهقي والخطابي وأبو إسحاق الإسفرايني وأبو إسحاق الشيرازي والماوردي وأبو الطيب الصعلوكي وأبو بكر الإسماعلي وإمام الحرمين الجويني وحجة الإسلام الغزالي والبغوي والرافعي وأبو شامة وابن الرفعة وابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد والمزي وتقي الدين السبكي والذهبي والعراقي والزركشي وابن حجر العسقلاني والسيوطي وزكريا الأنصاري وألوفٌ غيرهم ممن عجزت الكتب أن تستوعب أسماءهم، كلهم شافعية، والذين في كتاب طبقات الشافعية فقط ألف وأربع مائة وتسعة عشر إماماً شافعياً .

من أعلام المذهب الحنبلي :
والآجري وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو بكر النجار وأبو يعلى والأثرم وابن أبي موسى وابن الصيرفي وابن هبيرة وابن الجوزي وابن تيمية وابن رجب وابن رزين وغيرهم كثير ، والذين في المقصد الأرشد فقط ألف وثلاث مائة وخمسة عشر إماماً حنبلياً.

وقد أطبقت أمة الإسلام قرناً بعد قرن، وأمةً بعد أمة على تقليد أئمة الاجتهاد، وليس في هذا تعصب ولا تحزُّبٌ، بل كانت أخوة الدين تجمعهم، وحِلَقٌ العلم تضمهم، يتعلم بعضهم من بعض، ويثني بعضهم على بعض، ولا تكاد تطالع ترجمة إمام حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي إلا وتجد أنه قد تتلمذ ودرس على علماء غير مذهبه.

فإذا كان مجردُ سَيْرِ المسلم على مذهبٍ ، يُعَدُّ تعصباً، فهو تعصبٌ محمود لا مذموم.

قال العلامة الشيخ سعيد حوى في كتابه النافع "جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما" (ص119) : وأما التعصب لهم – أئمة الاجتهاد – أو لمذاهبهم فنقول فيه:
التعصب المذهبي إن كان كأثر عن قناعة مطلقة في قضية بأنها الحق، وبالتالي أن يتمسك بها صاحبها قولاً وعملاً، ويدافع عنها بمنطق الحق والعدل، لا بمنطق الهوى، وبمنطق الإخلاص لا بدافع دنيوي، وبروح الأخوة الإسلامية لا بروح الفرقة الكافرة، فذلك لا حرج فيه، بل ذلك الذي عليه الصحابة، ولكن أن يضيِّق الإنسان واسعاً؛ بأن يسفه من ليس على رأيه، ويضللهم ، ويجهلهم في قضيةٍ للاجتهاد فيها محل، فذلك الخطأ كل الخطأ، فإن الشافعي قال: أجمع العلماء على أن الله لا يعذب فيما اختلف فيه العلماء.
والتعصب للمذهب كأثر من آثار الثقةِ بعلمائه، وقواعده في الاستنباط، وكأثر من آثار الثقة بهذه الأمة التي أجمعت خلال العصور على احترام المذاهب الأربعة، واحترام أئمتها، هذا التعصب الذي لا يرافقه كراهية لمذهب آخر، ولا سوء أدبٍ معه، بل الاحترام والتقدير، لا حرج فيه.
وأن يأخذ الإنسان بوجهة نظر لغير مذهبه كأثر من آثار تحقيقه هو، أو تحقيق من يثق به، فهذا كذلك لا حرج فيه. اهـ

وأما التعصب المذموم فهو أن يعتقد المسلم أن المذهب الذي سلكه هو المذهب الحق، وأن المذاهب الأخرى باطلة، وهذا التعصب هو الذي ذمه العلماء من المذاهب الأربعة كلها، وقرروا أن المذاهب السُّنيَّة الأربعة كلها على هدى.

فهذا إمام الشافعية في القرن العاشر العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله يقول كما في الفتوى الفقهية الكبرى (4/326) : الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله، وحشرنا في زمرتهم. وإذا كانوا كلهم على هدى من الله سبحانه وتعالى، فلا حرج على من أرشد غيره إلى التمسك بأي مذهب من المذاهب الأربعة وإن خالف مذهبه واعتقاده، لأنه أرشده إلى حق وهدى.اهـ