المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرحمة المهداة الإنسان الكامل صل الله عليه وآله وصحبه وسلم



Omarofarabia
16-Feb-2011, 04:37 AM
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ



اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ، اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم .



المدخل القرآني :



قال الله تعالى : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } المتأمل لهذه الآية الكريمة لايشك أنها نزلت في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد وردت كلمة (( أنفسكم )) بضم الفاء ، وبفتح الفاء ونورد بعض ما ذكره أهل التفاسير في هذه الآية :



1- [ ذكر بن كثير :" لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام: " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم " وقال تعالى : " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم " وقال تعالى : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " أي منكم وبلغتكم... ]



2- [ ذكر القرطبي : وقرأ عبد الله بن قسيط المكي من " أنفسكم " بفتح الفاء من النفاسة ; ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك : شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه . وقيل : من أنفسكم أي أكثركم طاعة .]



وروى بن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفَسِكُمْ } وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أنا أنفسكم نسباً ، وصهراً ، وحسباً ، وليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح )) . وعن الإمام علي عليه السلام.قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يصبني من نكاح الجاهلية شيء ماولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام )) . رواه العدني في مسنده والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر .



ورحم الله القائل :

من عهد آدم لم يزل تحمي له … في نسلها الأصلابُ والأرحامُ


حتى تنقل في نكــاحٍ طاهرٍ … ما ضم مجتمعين فيه حـرامُ


فبدا كبدر التم ليـلة وضـعه… ما شان مطلعه المنيـر قتـامُ


فانجـابت الظلماء من أنواره… والنور لا يبقى عليــه ظلامُ


شكراً لمُهديه إلين نعــمةً … ليست تحيط بكنهها الأوهــامُ




أما قوله تعالى : {عِزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ، فقد بسط العلماء الكلام في هذا المعنى ، فالحبيب صلى الله عليه وآله وسلم حريص على أمته محباً لهم ، ليس له هم إلا أمته ، نعم وهو الذي يقول في ذلك اليوم العصيب(( أمتي أمتي )) ، قال الله تعالى في كتابه العزيز : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ذكر العلامة السيد محمد بن علوي المالكي - رحمه الله - في كتابه محمد الإنسان الكامل : أنه صلى الله عليه وآله وسلم ، رحمة لجميع العالمين ، رحمة للمؤمنين ، و رحمة للكافرين ، و رحمة للمنافقين ، و رحمة لجميع بني الإنسان الرجال والنساء والصبيان ، ورحمة للطير والحيوان فهو رحمة لجميع خلق الله تعالى … قاله بعضهم : من فضله صلى الله عليه وآله وسلم:أن الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه فقال بالمؤمنين رؤوف رحيم .



* صور من رحمته ورفقه صلى الله عليه وآله وسلم :



أ - رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين:



- روى بن المنكدر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( أن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فقال أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم)) ، قالت أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها : (( ما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما )) .



- وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إنكم تقبلون الصبيان وما نقبّلهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك ؟! )) ، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقبل سبطيه الحسن والحسين عليها السلام ويلاعبهما ويعطف عليهما ، وقد حزن ودمعة عينه على موت ابنه إبراهيم عليه السلام وقال صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك : (( العين تدمع ، والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون )) . وما ذكرته ماهو إلا قطرة من بحر هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم .



ب - رحمته صلى الله عليه وآله وسلم بالكفار والمنافقين :



- رحمته صلى الله عليه وآله وسلم العامة رحمته للمنافقين بالأمان من القتل والسبي نظراً لظاهر إسلامهم في الدنيا.
- ومن رحمته صلى الله عليه وآله وسلم العامة رحمته بالكفار برفع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا وذلك أن الأمم السابقة كانت إذا رسل الله تعالى فيهم رسولاً فكذبوه وكفروا به جاءهم العذاب ، فعمهم ، كما قص الله تعالى من أخبار قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم كيف أحاط بهم العذاب وحاق بهم كانوا يستهزئون.



ج - رحمته صلى الله عليه وآله وسلم ورفقه بالحيوان :



- منها حين مر ببعير تعب من شدة الجوع فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( اتقوا الله في هذه البهائم فاركبوها صالحة وكلوها صالحة )) .
- نهيه عن قتل الطير عبثاً لا لمنفعة أكل و أو دفع ضرر بقتله قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : يَا رَبِّ إِنَّ فُلانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ)) .
- أمرة بالرفق والإحسان في ذبح الحيوان قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن اضجع شاة وهو يحد شفرته : (( أتريد أن تميتها موتتين ؟ هلا حددث شفرتك قبل أن تضجعها ! )) .



وقد لفت نظري ما ذكره الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتابه وحي القلم ج 2 وكان عنوان مقاله ( سمو الفقر ) وذكر أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكن من أهل الترف ولا البذخ وذكر عبارات جميلة أضع فقرة مما قاله : "إن فقره صلى الله عليه وآله وسلم كان من أنه يتسع في الكون لا في المال , فهو فقرٌ يُعد من معجزاته الكبرى التي لم ينتبه إليها أحد إلى الآن , وهو خاصٌ به ومن أين تدبرته رأيت في حقيقته معجزةً تواضعت وغيرت اسمها ؛ معجزة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى , وقد سبقت زمنَها بأربعة عشر قرناً , وهي اليوم تُثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في صفة نفسه : (( إنما أنا رحمةٌ مهداة))."



* الإنسان الكامل صلى الله عليه وآله وسلم :



رحم الله الإمام شرف الدين البوصيري القائل:




فمبلغُ العلمِ فيهِ أنهُ بشرٌ .. وأنهُ خيرُ خلقِ اللهِ كلهمِ




وقول الإمام علي بن محمد الحبشي العلوي رحمه الله :




لاحظته العيون فيما اجتلته .. بشراً كاملاً يزيح الضلالا


وهو من فوق علم ماقد رأيته .. رفعةً في شؤونه وكمـالا




*صور من كماله صلى الله عليه وآله وسلم :



1-ولادته صلى الله عليه وآله وسلم مختوناً:



عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( من كرامتي على ربي أني ولدت مختوناً ولم يرى أحد سواتي)) . رواه الطبراني وابونعيم وابن عساكرمن طرق .


*فـائدة :
ذكـر العلماء أنه ولد من الأنبياء سبعة عشر نبي وذكر في ذلك نظماً منهم الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في قلائد الفوائد :




وسبعةٌ مع عشرٍ قد روي خلقوا .. وهم ختانٌ فخذ لا زلت مأنوسا


محمد آدم إدريس شيث ونـــو .. حٌ سام هود شعيب يوسف موسى


لوط سليما يحي صالح زكـــر .. يا و حنظلة الرسيُّ مع عيسى




وقال العلامة القاضي عبد الباسط البلقيني رحمه الله تعالى :

وفي الرسل مختونا لعمرك خلقةً .. ثمانٍ و تسعٌ طيبون أكارمُ


وهم زكريا شيث إدريس يوسفُ .. وحنظلة عيسى موسى وآدمُ


ونوح شعيب سام لوطٌ صالحٌ .. سليمان يحيى هود ياسينُ خاتمُ




2-شق صدره ونزع حظ الشيطان منه صلى الله عليه وآله وسلم:



وفي صحيح مسلم : ((فأتاه جبريل فأخذه فصرَعه فشق عن قلبه واستخرج القلب , ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال : هذا حظ الشيطان منك ياحبيب الله . ثم حشاه بشيء كان معه ورده مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد بَرد الخاتم في عروقي ومفاصلي. وقام الثالث فقال تنحيا فقد أنجزتما ما أمركما الله تعالى به. ثم دنا مني فأمرَّ يده في مَفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بإذن الله تعالى)) . وقد حصل شق الصدر للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بني سعد مع مرضعته سيدتنا حليمة السعدية رضي الله عنها .



وما أجمل ما نثرة الإمام الديبعي رحمه الله في هذا الأمر قال : " فبينما هو ذات يوم ناءٍ عن الأوطان ، إذ أقبل عليه ثلاثة نفرٍ كأن وجوههم الشمس والقمر ، فانطلق الصبيان هربا، ووقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعجبا ، فاضجعوه على الأرض ضجعاً خفيفا ، وشقوا بطنه شقاً لطيفا ، ثم أخرجوا قلب سيد ولد عدنان ، وشرحوه بسكين الإحسان ، ونزعوا منه حظ الشيطان ، وملؤوه بالحلم واليقين والرضوان ، وأعادوه إلى مكانه فقام الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم سوياً كما كان ."



قال الشرف البوصيري في همزيته والتي شرحها الحافظ ابن حجر الهيتمي المكي وعدد من العلماء رحمهم الله :




إذ أحاطت به ملائكة اللـ ….. ـه فظنت بأنهم قرناءُ


شق عن صدره واخرج منه .. مضغة عند غسله سـوداءُ


ختمته يمنـى الأمين وقد أُو .. دِعَ مالم يذَع له الأنبيــاءُ


صان أسراره الختام فلا الـ .. ـفض ملم به ولا الإفضاءُ


ألف النسك والعبــادة والـ .. ـخلوة طفلاً وهكذا النجباءُ


وإذا حلَّتِ الهداية قلباً .. نشِطت في العبـــادة الأعضـاءُ




فائدة وتنبيه مهم :



ذكر الإمام الصالحي في سيرته :" قال الخيضري : فإن قيل في ولادته صلى الله عليه وآله وسلم مختوناً بعض نقص في حق من يوجد كذلك . فيقال : هذا في حقه صلى الله عليه وآله وسلم غاية الكمال لأن القلفة ربما تمنع من تكميل النظافة والطهارة ، وتمنع كمال لذة الجماع فأوجد الله تعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مختوناً مسروراً مكملاً سالماً من سائر النقائص والمعايب فإن قيل : إذا كان كذلك فلم شق صدره صلى الله عليه وسلم واستخرج منه العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان ، ولو كان كما ذكرت لخلقه سالماً منها ؟
قلت : لاسواء لأن الختان والإسرار من الأمور الظاهرة التي تحتاج إلى فعل الآدمي ، فخلقه الله تعالى سليماً منها لئلا يكون لأحد عليه منّة ، كما في كمال الطهارة ، وأما إخراج العلقة التي هي حظ الشيطان فمحلها القلب ولا إطلاع للآدمي عليها ، ولو خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سليماً منها لم يكن للآدميين إطلاع على حقيقته ، فأظهره الله تعالى لعباده على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه كما برز لهم مكمل الظاهر انتهى . وهو مأخوذ من كلام السبكي يأتي ذكره في باب شرح صدره صلى الله عليه وآله وسلم .
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلا رحمه الله تعالى أن آمنة قالت : وضعته نظيفاً ، ما ولدته كما يولد السخل ، مابه قذر ، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيديه ."



وفي الختام أسأل الله الرحيم الرحمن ، إن ينفعنا بقراءة سيرة سيد ولد عدنان - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ويجعلنا من أهل الإيمان و الإحسان ، ويؤمنا من نوائب الحدثان ، ويكفينا شر فتن آخر الزمان ، بلا محنة ولا امتحان ، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبدالله خيرة الأكوان وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان .. والحمد لله العظيم المنان.




كتبه الفقير إلى رب العباد :


رضا بن عبدالقادر بن أحمد مشهور الحداد آل أبي علوي الحسيني