المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل البصمة وسيلة إثبات شرعاً؟



المعتصم بالله
06-May-2011, 02:03 PM
هل البصمة وسيلة إثبات شرعاً؟

د . عارف الشيخ

يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز الاعتماد على قرينة البصمة في الحدود والقصاص، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، فهي لا تثبت إلا بالشهادة أو الإقرار .

ومتى وجدت بصمة إصبع متهم بالسرقة مثلاً على المكان المسروق منه، فلا يدل ذلك على أنه هو السارق، ومن ثم لا يجوز أن يقام عليه الحد شرعاً، بل يعزّر، وقد ورد في “الأحكام السلطانية” للماوردي قوله: وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ، ضرب ثلاثين سوطاً، فالتعزير هنا كان لمجرد وجوده في مكان لا يجوز له دخوله .

والبصمة الوراثية تاريخها قديم، فالصينيون قديماً اهتموا ببصمات الأصابع، وكانوا يشترطون التوقيع بها على العقود، وفي أوروبا ظهرت أهمية البصمات في البحث الجنائي والكشف عن سوابق المجرمين سنة ،1890 كما هو واضح من أبحاث العالم “فرانسيس جالتون” .

واستخدمت مصر منذ عام 1897 البصمات في التحقق من شخصيات المجرمين، كما يذكر المستشار محمد أنور عاشور في كتابه “المبادئ الأساسية في التحقيق الجنائي العلمي” .

والأهم من ذلك كله أن الشريعة الإسلامية سبقت العلم الحديث في اعتماد البصمة، فالمفسرون يقولون في قوله تعالى: “بلى قادرين على أن نسوي بنانه” (الآية 4 من سورة القيامة) إن الله يريد بالبنان أطراف الأصابع (راجع تفسير ابن كثير ج4) .

واليوم يتعرف المحقق إلى شخصية الجاني بالبصمة، لأن بصمته على المكان دليل على أنه وجد في ذلك المكان وقت الحادث .

وتدل البصمة على أنه تناول الأشياء، ومن خلالها نتعرف إلى شخصية القتيل المجهول في المكان المجهول .

وبالبصمة نصل إلى اسم المتهم في جرائم التزوير، ونتعرف إلى سوابق المتهم .

وبالبصمة نتعرف إلى سن المتهم، لأن بصمة الطفل أصغر حجماً من بصمة رجل كبير . (راجع حجية الدليل المادي في الإثبات في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي للدكتور شحاته عبدالمطلب) .

ويقول الدكتور ناصر بن عبدالله الميمان الأستاذ بجامعة أم القرى، عضو مجلس الشورى بالسعودية: “ومن مسوغات الاعتماد على البصمة الوراثية أن العمل به في المجال الجنائي من باب العمل بالقرائن، والشرع أجاز العمل بالقرائن في الجملة كوسيلة من وسائل الإثبات” .

نعم . . وتحليل البصمة اليوم يوافق مقاصد الشريعة التي تدعو إلى حفظ الكليات الخمس وحفظ الأمن والاستقرار للأفراد والمجتمعات، وهكذا تقرر القاعدة الشرعية التي تدعو إلى جلب المصلحة ودرء المفسدة .

ولو استعرضنا النصوص في ديننا الإسلامي لوجدنا أحاديث مثل حديث أن عمر رضي الله عنه جلد مَن وجد رائحة الخمر تنتشر من فمه، وهذا هو مذهب الإمام مالك الذي يقول بإثبات الحدود بناء على القرائن، ومذهب ابن القيم مثله .

لذلك فإن المجمع الفقهي في دورته السادسة عشرة المنعقدة في مكة في الفترة من 21 26 من شوال عام 1422ه قرر أنه لا مانع شرعاً من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حدّ شرعي ولا قصاص .

إذن، فإن الشريعة الإسلامية لا تمنع الاعتماد على البصمة كوسيلة إثبات، كما لا تمنعها في المعاملات التجارية التي تحتاج إلى التصديق مثل العقود وغيرها .