تنتسب الطريقة السلوكية الشاذلية للإمام أبي الحسن علي بن عبد الله بن عبد الحميد المغربي الزاهد المتوفى سنة 656هـ، هذا الإمام الذي زكاه عدد من أئمة الإسلام منهم الإمام العز بن عبد السلام والإمام تقي الدين بن دقيق العقيد وغيرهم، وهو أخذ السلوك عن جماعة من الأئمة وينتهي سنده فيها إلى ابن مشيش وأبي مدين وأبي بكر بن العربي المالكي وأبي حامد الغزالي وإمام الحرمين الجويني وغيرهم حتى تنتهي السلسلة إلى عصر السلف الصالح من التابعين الآخذين عن الصحابة الآخذين عن قطب الأقطاب سيدنا محمد رسول الله

انتشرت طريقة الإمام الشاذلي بشهرته وصلاحه وما حباه الله من الفتوح في أيامه، ثم على يد خليفته تلميذه أبي العباس أحمد بن عمر المرسي الأنصاري المتوفى سنة 686هـ.

واشتهر بعد المرسي تلميذه الإمام أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709هـ، وقد ترجم هذا الإمام لشيخه وشيخ شيخه في كتاب (لطائف المنن) وله عدة مصنفات في السلوك.

ثم اشتهر بعد ذلك في سلسلة هذه المدرسة السلوكية الإمام أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي أبو العباس المعروف بزروق المتوفى سنة 899هـ مصنف القواعد والنصيحة الكافية ..

إنتشار سند هذه الطريقة:

وإلى هؤلاء الأقطاب تنتهي كل سلاسل الطريقة الشاذلية، وأكثرها يمر بالإمام زروق، واستمرت هذه المدرسة السلوكية تنتسب إلى شيخها الأول الإمام الشاذلي مع بيان الطريق الذي أوصلهم إليه فيقال مثلا: الزروقية الشاذلية كما يقال رواية حفص عن عاصم كما يقال رواية أبي هريرة من طريق البخاري وفلان وفلان .. وهكذا.

وقد تفرعت المدارس الشاذلية حتى وصلت إلى أسانيد كثيرة نذكر منها الأسانيد التالية:

1 ـ الحنفية الشاذلية.
2 ـ الزروقية الشاذلية.
3 ـ البكرية الشاذلية.
4 ـ الوفائية الشاذلية.
5 ـ الجزولية الشاذلية.
6 ـ الإدريسية الشاذلية.
7 ـ الناصرية الشاذلية.
8 ـ الغازية الشاذلية.
9 ـ الراشدية الشاذلية.
10 ـ العروسية الشاذلية.
11 ـ القاوقجية الشاذلية.
12 ـ القاسمية الشاذلية.
13 ـ الحندوسية الشاذلية.
14 ـ السلامية الشاذلية.
15 ـ العفيفية الشاذلية.
16 ـ المحمدية الشاذلية.
17 ـ الفيضية الشاذلية.
18 ـ الجوهرية الشاذلية.
19 ـ المدنية الشاذلية.
20 ـ الفاسية الشاذلية.
21 ـ الحامدية الشاذلية.

وأغلب هذه الفروع الموجودة في مصر مسجلة رسميا، وبعض هذه الفروع يدخل في بعض، وبعضها تفرع عنها فروع أخرى وأخذت أسماء جديدة ولكنها تعود فتلتقي مع هذه، وكلها تنتهي إلى الأئمة المتقدمين: الشاذلي والمرسي وابن عطاء الله وزروق من جهة الإسناد ..

الأصول المشتركة:

الأصول المشتركة لطريق التصوف عامة ولكل هذه الطرق خاصة هي:

أولا: العقيدة الصحيحة، عقيدة أهل السنة والجماعة المتمثلة في الأشعرية فقد كان الشاذلي أشعريا، وكان كتاب المرسي المفضل في العقيدة هو كتاب (الإرشاد) للإمام الجويني .. ويعتمد كذلك قواعد العقائد للغزالي، ومن طالع كتاب (إزالة الشبهات) للإمام ابن اللبان الأسعردي الشاذلي تلميذ ياقوت العرشي الشاذلي عرف هذا وتحققه.

ثانيا: التزام المذاهب الأربعة، فقد كان الإمام الشاذلي وتلميذه المرسي وتمليذه ابن عطاء الله وكذا زروق مالكية، وكان المرسي يعتمد كتاب تهذيب المدونة للبرادعي ورسالة ابن أبي زيد القيرواني، وفي الشاذلية حنفية ومنهم في المتأخرين شيخنا زكي الدين، ومنهم الشافعية وقليل من الحنابلة ولا يخرجون عن هذا أبدا.

ثالثا: التصوف الجنيدي الموجود في مثل الرسالة القشيرية والإحياء وقوت القلوب فهذه كانت تقرأ على الإمام الشاذلي ويعتمد عليها ويزيد بما فتح الله عليه به.

وعلى هذه الأركان الثلاثة للسادة الشاذلية جرى عمل أهل التصوف عامة وإنما يختلفون في الانتساب إلى قطب الطريقة أو أحد أئمة المذاهب الأربعة، وعلى هذا جرى العمل فترى العلامة ابن عاشر يقول في المرشد المعين:

وبعد فالعون من الله المجيد في نظم أبيات للامي تفيد

في عقد الاشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك

دور الطرق الصوفية في الحفاظ على الإسلام ونشره:

وهذا ما لا يمكن الوفاء بالحديث عنه هنا، فإن من يحاول جمع هذا التاريخ فكأنما يريد عد الأنفاس من الصين إلى فاس ! وعلى الإجمال نقول: أبلى أهل التصوف البلاء المشكور في الأدوار التالية:

1 ـ الجهاد في سبيل الله:

وهذه منقبة معروفة اقرأ إن شئت تاريخ الدولة النورية والأيوبية والمملوكية حين عاش الشاذلي إلى عصر الجزائري والمختار فإن شككت بعد هذا في دور التصوف في هذا الباب سقط الكلام معك لأنه مما تقرر أنه لا يكلم من ينكر الضروريات.

2 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

ظهر الصوفية بهذا منذ عصر الشافعي وعلى مرور الزمن مع الولاة والأمراء والحكام والرعية وهذا أصل وباب من أبواب التصوف.

3 ـ نشر الإسلام:

أكثر أصقاع الأرض بعد جزيرة العرب كالبقاع النائية ما دخلها الإسلام إلا بجهود أبناء الطرق الصوفية ومن شكك في هذا سقطت مكالمته.

4 ـ نشر العلم:

من طالع كتب التراجم للمتقدمين وجد أن الصوفية انقسموا إلى محدثين ومفسرين وقراء ووعاظ ونحويين مبثوثة تراجمهم ورواياتهم في الكتب بحيث أن ديوان الإسلام وهو صحيح البخاري بل وصحيح مسلم بل والكتب الستة يتفرد بروايتها الصوفية بالقراءة والسماع فالصحيح رواه عبد الأول السجزي وأبو المظفر الداوودي وهما صوفيان، وصحيح مسلم يتفرد به الجلودي والفارسي والفراوي وهم صوفية، والمحدث الدوني الصوفي يتفرد بالنسائي .. وهكذا .. وإذا أتيت إلى القراء تجد كبار المقرئين من الصوفية وانظر ترجمة المكين الأسمر عند ابن الجزري وطالع تراجمه في كتابه تجد الصوفية يحتلون مرتبة عالية فيها .. أما بعد عصر الحافظ ابن حجر وفي عهد شيخ الإسلام زكريا فعلماء الأمة قاطبة كانوا من أهل التصوف ومن شك في هذا فهو جاهل فليذهب يتعلم.

سوء الفهم آفة المنكرين:

اعلم أن المنكر إما منكر لمخالفته للصوفية في أصل من أصولهم فهذا لا عبرة به لابتداعه وخروجه عمن يعتد بقوله أصلا، وإما أن يكون من أهل الاستقامة فؤلاء من المنكرين هم الذين يعتبر بإنكارهم إذا كان صحيح المبنى ولكن آفة أغلب المنكرين على المحققين من أهل التصوف هو سوء الظن المنتج لسوء الفهم أو سوء الفهم المؤدي إلى سوء الظن كما رأيناه عيانا وجربناه حتى صار واضحا جليا، وإلا فمن حقق ودقق وتفكر وجد الأدلة والبراهين على صحة أقوال وأفعال المحققين من أهل التصوف.

الأدعياء والمندسون:

هذه الطرق الصوفية عمرها مئات السنين، وقد انتسب إليها أمم لا تحصى ولا تعد من العرب والعجم شرقا وغربا، فلا غرابة أن تجد من بعضهم مخالفات للكتاب والسنة وكما أن مخالفات بعض المنتسبين إلى الإسلام لا يجوز أن يتحمل الإسلام وزرها فكذلك أخطاء بعض المنتسبين إلى التصوف لا يجوز أن يتحمل التصوف وزرها.

العود إلى المنابع الأصلية سمة المجددين:

ليس المجدد من يبتدع في الدين ويحدث طرائق لم يكن عليها من تقدمه، وإنما المجدد من يعود بمريديه إلى المنابع الأولى فيأطرهم على الحق أطرا، ويسلك بهم طرق السلامة عائدا إلى هدي السلف الصالح، ويقوم بتنقية الطريق مما علق به، وتصفيته من الاجتهادات الخاطئة التي ألحقها به من سبقه من شيخ جاهل أو مريد متمشيخ أو حاكم جائر وهكذا حتى يعود الطريق على محجة بيضاء ليلها كنهارها

الصوفية والسماع:

أحببت هنا أن أذكر فصلا يتعلق بنظرة السادة الشاذلية للسماع الذي شاع بين الصوفية بعد القرون الثلاثة الأولى، والسماع عبارة عن مجالس للترويح عن النفس وتهيئتها من جديد لاستقبال العبادة الطويلة وقيام الليل، ويشتمل السماع على قصائد زهدية ترغب وترهب، ثم اشتملت على أشعار غزلية من كلام أهل الجاهلية وغيرهم وقد تلحن بأصوات شجية، فيحرص الصوفية حتى في هذا اللهو المباح أن يحملوا كل الألفاظ التي يسمعونها على معان راقية خاصة فلا يفهمون منها الظواهر بل يربطون كل شيء بالآخرة .. هذا هو الأصل، ولكن لما كانت هذه النوايا تحتاج إلى مجاهدات كبيرة يفتقر إليها كثير من السالكين فقد ينبسط المريد مع هذه الأشعار الملحنة ويفهم منها ظاهرها، وهذا وإن كان لهوا مباحا إلا أنه عند محققي الصوفية مما لا ينبغي الاشتغال به إلا على الصفة التي يرتبط بها بالآخرة كما تقدم، ثم تطور السماع ليشتمل على آلات كالدف وهنا بدأ الخلاف الفقهي في استعماله في غير العرس، وقد تضعف نفس بعض القوم فيقوم ويتحرك في الحلقة ويرقص رقص الرجال كما ترقص الحبشة، وهذا كله لا يخرج عن اللهو المباح ولكنه عند محققي الصوفية مما تركه أولى بالسالكين إن قدروا على تركه وفيما يلي نصوص لبعض أئمة السادة الشاذلية تتعلق بهذا النوع من السماع:

فمنهم العارف عبد السلام بن مشيش وتلميذه الإمام أبو الحسن الشاذلي:

قيل للشيخ أبي الحسن: لم لا تسمع السماع؟ فقال: السماع من الخلق جفاء. [لطائف المنن].
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: ((سألت أستاذي [ابن مشيش] عن السماع فأجابني بقوله تعالى: (إِنَّهُم أَلفَوا ءاباءَهُم ضالِّينَ))) [النصيحة لزروق] [قواعد التصوف].
وكان الشيخ أبو الحسن ليس من طريقه السماع. [تأييد الحقيقة العلية].

ومنهم الإمام أبو العباس المرسي:

قال أبو العباس المرسي رضي الله عنه في قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت):
((نزلت في اليهود، ومن كان من فقراء هذا الزمان مؤثرا للسماع بهواه، آكلا مما حرمه مولاه، فهي نزعة يهودية، لأن القوَّال يذكر العشق وما هو بعاشق، والمحبة وما هو محب، والوجد وما هو متواجد، فالقوَّال يقول الكذب، والمستمع سماع له، ومن أكل من الفقراء طعام الظلمة حين يدعى إلى السماع فهو يصدق عليه قول الله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت))اهـ. [لطائف المنن]و [النصيحة لزروق].

وقال المرسي: ((عبر بعض الصحابة على بعض اليهود فسمعهم يقرؤون التوراة فتخشعوا، فلما دخلوا على رسول الله نزل جبريل عليه السلام فقال: اقرأ، قال وما أقرأ؟ قال اقرأ: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم). فعوتبوا إذ تخشعوا من غيره، وهم إنما يتخشعون من التوراة وهي كلام الله، فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء؟))اهـ. [لطائف المنن].

نصوص من دواوين التصوف:

لما كان الشاذلية يعتمدون كلام قوت القلوب، والرسالةالقشيرية ـ والتي هي دستور الصوفية ـ ، والإحياء، رأينا أن نذكر كلامهم في ذلك :

قال أبو طالب المكي: ((وكانوا يقولون: لا يصحّ السماع إلا لعارف مكين، ولا يصلح لمريد مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له، فقال: ممن؟ فقيل له: فأنت، فقال: مع مَنْ؟ كانوا لا يسمعون إلا من أهله ومع أهله.))اهـ. [قوت القلوب].

وقال القشيري عن شيخه الدقاق: ((كُنت بين يدي الأستاذ الإمام أبي علي رحمه الله يوماً فجرى حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله، وأنه يقوم في السماع موافقة للفقراء، فقال الأستاذ أبو علي: مثله في حاله؛ لعل السكون أولى به))اهـ.[القشيرية].

وقال القشيري: ((آداب المريد في السماع:
فالمريد لا يسلم له الحركة في السماع بالاختيار ألبتة؛ فإن ورد عليه وارد حركه لم يكن فيه فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر فإذا زالت الغلبة يجب عليه القعود والسكون، فإن استدام الحركة مستحلياً للوجد من غير غلبة وضرورة لم يصح، فإن تعود ذلك يبقى متخلفاً لا يكاشف بشيء من الحقائق، فغاية أحواله حينئذ أن يطيب قلبه.
وفي الجملة إن الحركة تأخذ من كل متحرك وتنقص من حاله، مريداً كان أو شيخاً، إلا أن تكون بإشارة من الوقت، أو غلبة تأخذه عن التمييز.))اهـ.[القشيرية].

ويقول الإمام الغزالي: ((فإن قلت: فما بال الطباع تنفر عن الرقص ويسبق إلى الأوهام أنه باطل ولهو ومخالف للدين فلا يراه ذو جد في الدين إلا وينكره؟ فاعلم أن الجد لا يزيد على جد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رأى الحبشة يزفنون في المسجد وما أنكره لما كان في وقت لائق به وهو العيد، ومن شخص لائق به وهم الحبشة. نعم نفرة الطباع عنه، لأنه يرى غالباً مقروناً باللهو واللعب، واللهو واللعب مباح ولكن للعوام من الزنوج والحبشة ومن أشبههم. وهو مكروه لذوي المناصب لأنه لا يليق بهم، وما كره لكونه غير لائق بمنصب ذي المنصب فلا يجوز أن يوصف بالتحريم))اهـ.[الإحياء].

وقال الإمام الغزالي: ((فقد خرج من جملة التفصيل السابق أن السماع قد يكون حراماً محضاً، وقد يكون مباحاً. وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مستحباً.
أما الحرام: فهو لأكثر الناس من الشبان ومن غلبت عليهم شهوة الدنيا فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة.
وأما المكروه: فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكنه يتخذه عادة له في أكثر الأوقات على سبيل اللهو.
وأما المباح: فهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن.
وأما المستحب: فهو لمن غلب عليه حب الله تعالى ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة والحمد الله وحده وصلى الله على محمد وآله))اهـ.[الإحياء]

وقال محي الدين بن عربي: ((الباب الثالث والثمانون ومائة
في معرفة مقام ترك السماع

الله الله لا عقل يصوره والوهم يعبده في صورة البشر

فالشرع يطلقه وقتاً ويحصره والكون يثبته في سائر الصور

ترك السماع مقام ليس يدركه ألا القوي من الأقوام في الخبر

أن قال كن فلمن والعين واحدة ولم يكن غيره في العين والأثر

فما لكن عند هذا القول من أثر بل عين كن لم تكن أن كنت ذا نظر

ولم يقل بسماع القول غير فتى متيم بمعاني الآى والصور

لولا الكلام لما كان السماع وقد جاء الكلام فكن منه على حذر

السماع المطلق لا يمكن تركه والذي يتركه الأكابر أنما هوالسماع المقيد المتعارف وهو الغناء قيل لسيدنا أبي السعود ابن الشبلي البغدادي ما تقول في السماع فقال هو على المبتدئ حرام والمنتهى لا يحتاج إليه فقيل له فلمن فقال لقوم متوسطين أصحاب قلوب وجاءت أمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أني نذرت أن أضرب بين يديك بالدف فقال لها أن كنت نذرت وألا فلا فهو وأن كان مباحاً فالتنزيه عنه عند الأكابر أولى وكان أبو يزيد البسطامي يكرهه ولا يقول به وقيل لابن جريج فيه فقال ليتني أخرج منه رأساً برأس لا على ولا لي وأما مذهبنا فيه فإن الرجل المتمكن من نفسه لا يستدعيه وإذا حضر لا يخرج بسببه وهو عندنا مباح على الأطلاق لأنه لم يثبت في تحريمه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان الرجل ممن لا يجد قلبه مع ربه ألا فيه فواجب عليه تركه أصلاً فإنه مكر ألهي خفي ثم أن كان يجد قلبه فيه وفي غيره وعلى كل حال ولكنه يجده في النغمات أكثر فحرام عليه حضوره ولا أعني بالنغمات المسموعة في الشعر فقط وأنما أعني بوجود النغمة في الشعر وفي غيره حتى في القرآن إذا وجد قلبه فيه لحسن صوت القارئ ولا يجد قلبه فيه عندما يسمعه من قارئ غير طيب الصوت فلا يعول على ذلك الوجد ولا على ما يجد فيه من الرقة في الجناب الإلهي فإنه معلوم وتلك رقة الطبيعة فإن كان عارفاً بالتفصيل ويفرق بين سماعه الألهي والروحاني والطبيعي ما يلتبس عليه ولا يخلط ولا يقول في سماع الطبيعة أنه سماعه بالله فمثل هذا لا يحجر عليه وتركه أولى ولا سيما أن كان ممن يقتدى به من المشايخ فيستتر به المدعي الكاذب أو الجاهل بحاله وأن لم يقصد الكذب))اهـ [الفتوحات].

وقال محي الدين ابن العربي: السماع في هذا الزمان لا يحل أن يقول به مسلم.
وقال أيضا: السماع كله بطر، وما سمع الشيوخ الأتقياء إلا تنازلا، لإصلاح أبدانهم لألاّ تنتهك، أو لإخوانهم، حتى يلقوا إليهم الحق في قالب الباطل، مع أنه لا نص من الشارع، بجواز ولا منع، عند توفر الشروط. [النصيحة لزروق] [قواعد التصوف].

ومن أئمة الشاذلية أبو العباس زروق 899هـ.

وقال أبو العباس زروق ـ والذي تنتهي إليه أغلب سلاسل التصوف الشاذلية ـ : ((ومن الباطل: الغناء، والشعر المذكور في القدود، والخدود، والشعور، والخمور، وما يرجع إلى ذلك، والزمر، والطبل والشبابة، ونحو ذلك، وإن قيل بجواز بعض ذلك، فقول من لا يعتد قوله.
فقد جاء في تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ) أنه الغناء، وسئل مالك عنه فقال: أمن الحق هو قالوا: لا، قال: (فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلل) وقال ابن المبارك: السماع ينبت النفاق في القلب وقال بعض السلف: السماع مرقاة الزنا))[النصيحة].

وقال: ((وسئل مالك عن جماعة، يأكلون كثيرا، وذكرت له أحوالهم، فضحك، ثم قال: مجانين هم ومن قال بجواز السماع، فإنما قال ذلك عند توفر شروطه الثلاثة التي هي: وجود الزيادة به في الإيمان، والنشاط به في العبادة.
الثاني: السلامة مما ينكره ظاهر الشرع، كالاجتماع مع النساء، وسماعهن، مما يوجب تحريك الشهوة عندهم، وكذا الأحداث.
والثالث: ألاّ يكون مقصودا غيره على وضعه، من غير رقص، ولا صراخ، ولا إساءة أدب في الذكر، وغيره، مع كون ذلك مرة في العمر، ولا يحضره مقتدى به، إلا مختفيا، والله أعلم.))اهـ [النصيحة]


ومنهم الإمام جلال الدين السيوطي 911هـ:

فللإمام السيوطي الشاذلي كتاب: [تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية] ذكر فيها أحكام السماع ثم قال:

((إذا تقرر ذلك فههنا أمور لا بد منها:

الأول: أنه لا يلزم مما ذكرناه أن ذلك حال كمال فقد قال الجنيد: إذا رأيت المريد يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة...

والثاني قال القونوي: محل ما ذكرناه من الترخيص في أمر السماع ما لم يستكثر منه فأما من اتخذه ديدنه وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته فمذموم نص عليه الغزالي ..

قال الثالث: قال صاحب العوارف: قد كثرت الفتنة في السماع وزالت العصمة فيه وتصدى للحرص عليه أقوام قلت أعمالهم وفسدت أحوالهم وأكثروا الاجتماع للسماع فصار معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات ..

الرابع: قال صاحب العوارف: كان يقال لا يصلح السماع إلا لعارف مكين ولا يصلح لمريد مبتدي، وقال القونوي قد كرهه المشايخ للمريدين في مبادئ إرادتهم ..

الخامسة: قال صاحب العوارف: كانوا لا يسمعون إلا من أهل مع أهل فلما فقدوا الإخوان تركوه، وقيل إن الجنيد ترك السماع فقيل له لم لا تسمع قال مع من؟ قيل له أنت تسمع لنفسك، قال: ممن؟ ..

السادس: قال أبو نصر السراج في كتاب اللمع في التصوف: لا يصلح السماع للمريد حتى يعرف أسماء الله وصفاته ليضيف إلى الله ما هو أولى به ولا يكون قلبه ملوثا بحب الدنيا ..

السابع: قال صاحب العوارف: إن أنصف المنصف وتفكر في اجتماع أهل الزمان وقعود المغني بدفه والمشبب بشبابته وتصور في نفسه هل وقع مثل هذه الجلسة والهيئة بحضرة رسول الله وهل استحضروا قوالا وقعدوا مجتمعين لسماعه فلا شك أنه ينكر ذلك من حال رسول الله وأصحابه، ولو كان ذلك فضيلة تطلب ما أهملوها، قال: فمن يشير بأنه فضيلة تطلب ويجتمع لها لم يحظ بذوق معرفة رسول الله ... )) اهـ مختصرا.

فهذا كلام أئمة الشاذلية المتقدمين ذكرناه ليعرف الشاذلي رأي أئمته في السماع وأنهم ما استحبوه ولا دعوا إليه وأن الأمر في أيامهم إذا كان على شبه استقامة فاقرأ على مجالس سماع هذا العصر السلام، والسلام

قال الشيخ الازهري

اعلم حفظك الله أن كثيرا ممن عرفناهم من مشايخ الشاذلية في هذا العصر أو سمعنا بهم هم من أهل الصلاح الظاهر والمعارف والمقامات كشيخنا العارف بالله عبد الرحمن الشاغوري الآخذ عن شيخه العارف بالله الهاشمي التلمساني الآخذ عن العارف بالله ابن يلس وابن عليوة المستغانمي، وأمثال الشيخ عبد القادر عيسى وأمثال الشيخ الجامي الذي نسمع عنه من المعاصرين .. فهؤلاء من أهل التقوى والصلاح والخير والمعارف والمقامات والأذكار، وفي صحبتهم نفع كثير عظيم جليل، وممن نسمع بهم الشيخ محمد عبد الباعث الكتاني السكندري المقيم بجوار أبي العباس المرسي الذي من استمع إلى كلامه في الوعظ والعلم تحقق علمه وفضله ومكانته .. ومنهم الشيخ العارف بالله الشيخ محمد سعد بدران القاوقجي فهذا من أهل الصلاح والتقوى والمعارف قاوقجي شاذلي .. وكذلك حال كثير من مشايخ الطريقة الشاذلية وفروعها ومن اختبر أخلاق أبناء هذا الطريق ورأى ما هم عليه من حسن السلوك وطيب المعشر وتعاطفهم وتعاونهم وحبهم لمشايخهم وتوقيرهم وما هم عليه من الآداب تحقق طيب الأصل وما جلبه عليهم هذا الطريق من الخير والبركة والنفع والاقتداء بالنبي ومنهم من إذا جلست إليه من أبناء الطريق وجدت من نفحاته ومن خلال كلامه وطريقة حواره ما يدلك على أنه متخلق متأدب سالك .. فكل هؤلاء على خير وصلاح وتقوى إن شاء الله تعالى وفي صحبتهم والأخذ عنهم واقتفاء أثرهم خير كثير .. ولم أر في المتأخرين مثل الشيخ محمد زكي إبراهيم في إنتاجه وعطائه وسلوكه وتجديده ووقوفه مع الشرع الشريف ومحاولته تنقية الطريق مما دخله أو علق به ..

فلا يظنن ظان من خلال كلمتي هذه أن الفقير يسعى إلى التقليل من شأن الانتساب إلى الطريق أو الأخذ عن أحد من مشايخ الطريقة الشاذلية المتأخرين ـ معاذ الله ـ وإنما المقصود أن نبين ما كان عليه أقطاب الطريق، نعم وإذا كانت بعض الأوضاع المتأخرة في الطريق قد تغيرت عما كانت عليه عند المتقدمين بالزيادة أو النقص فهذا محصور في جوانب قليلة ـ منها مجالس السماع هذه ـ لا تتعداها إلى الأصل الأصيل والركن الركين الذي جرت عليه هذه الطرق كلها مما بيناه أعلاه من التزام العقيدة الأشعرية والمذاهب الأربعة والتصوف الجنيدي، فكل هذه الطرق وإلى الآن ساعية في تهذيب الأخلاق وربط العبد بربه وإحياء الذكر سرا وجهرا جماعة وانفرادا وهم عصمة من الانحرافات العقدية والانجرافات الإلحادية وهم أهل الله وخاصته وفيهم أهل الفقه والحديث والقراءات والنحو والبلاغة والتفسير .. وفيهم أهل المناصب العالية الذين يسخرون وظائفهم لخدمة دين الله وأهل الله ، وفيهم القوامون الصوامون الذين يدفع الله بهم البلاء .. وفيهم العدة والعدد للجهاد في سبيل الله، وهم المعول عليهم في الوقوف في وجه كل ضلالة ونابتة من الرفض والتشيع والتجسيم والتشبيه والعلمانية والإلحاد .. فهذا وصفهم وما وفيناهم حقهم ..

فمن توهم أننا ساعون للتزهيد فيهم فقد وهم وأخطأ بل جار علينا، وإنما مقصودنا الحقيقي أن يجد ويجهد خلفاء الطرق وأبناؤهم في الرجوع بمسالك الطريق إلى ما كان عليه أقطاب الطريق ونشر معارفهم وطبع كتبهم والحرص على كتب العقيدة بالذات فيطبعونها ويوزعونها على أبناء الطريق ولا يكتفون بالأوراد ونحوها، فأين كتب ابن اللبان الشاذلي وزروق في العقائد وأين كتب الإمام الأمير الكبير ومدرسته في العقائد وأين كتب الإمام الصاوي في العقائد وأين كتب الإمام الدردير في العقائد وأين كتب الإمام القاوقجي في العقائد وأين كتب الإمام عليش في العقائد وأين كتب الإمام الشرقاوي في العقائد وأين كتب الإمام البكري في العقائد وأين كتب الإمام السنوسي في العقائد ؟؟؟ أين جهود أبناء الطريق في كل هذا؟؟ لماذا تركوا أفريقيا والمغرب تنهشها أنياب التشيع والتوهب ؟؟ أين مشايخ الطريق من الارتقاء بالطريق والعود به إلى سالف عهده حتى لا يكون سخرية على الفضائيات وفي القنوات الساقطة ومواقع الفتنة على الشبكة؟ أين قوافل الدعوة في القرى والنجوع والأمصار؟؟ أين المحاضرات والندوات؟؟ أين مجهودهم على شبكة الفتنة العنكبوتية لبث علوم القوم الراقية والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة؟؟

على كل شيخ طريقة وخليفة أن يكون من أبناء طريقته لجنة علمية من حملة العلم فينظروا فيما يفعل أو لا يفعل وفيما يتقدم بالطريق ولا يرجع به وفيما يتوفر من المال لطبع كتب أقطاب هذه الطريقة الواقعة أسماؤهم في سند الطريق .. وكيف ترتب المحاضرات لأبناء الطريق ومنتسبيه لتفقيههم في دينهم على مذهب إمام من الأربعة وطبع مختصرات معتمدة في المذهب وكذلك وهذا أهم شيء عمل محاضرات لشرح العقيدة الأشعرية وبيان محاسنها ووسطيتها واعتدالها وكذلك التحذير من الفرق الضالة والأقوال المنحرفة التي تحاول التسلل إلى الطرق الصوفية في مصر خاصة كالتشيع أو التجسيم أو الحلول والاتحاد، وكذلك تجنب استعمال المعازف والآلات والاختلاط ـ المريب لا الشرعي ـ بين الرجال والنساء، ويتعاونوا في ذلك تعاونا قويا لحماية القرى والمدن من الدعوات الضالة المضلة ..

فهذا هو مقصودنا وما نقلنا إلا كلام أهل الله تعالى، ومن أجمعنا على أنهم مراجع التصوف الكبرى ومشايخ كل شيوخ الطرق الصوفية نفعنا الله بمحبتهم والانتساب إليهم والاقتداء بهم، والله من وراء القصد والحمد لله رب العاليمن.

http://cb.rayaheen.net/showthread.ph...tion=last&view