إن الأمة التي تتمتع بسلاح الوحدة والتضامن لن ينال البغي منها أي منال مهما استشرى ومهما استعان به من أسلحة الفتك والدمار، وإن الأمة التي تركن إلى عوامل الخصومة والشقاق والتي تصدعت إلى فِرَقٍ وفئات متخاصمة متعادية لا يمكن أن يُكْتَبَ لها النصر مهما تمتعت واستعانت به من الأسلحة الفتاكة المتنوعة، بهذا نطق بيان الله وبهذا شهد التاريخ القريب والبعيد ولولا هذه الحقيقة ما قرأنا في كتاب الله سبحانه وتعالى الدعوة الملحة والمتكررة إلى التضامن، إلى الوحدة، إلى نبذ الشقاق والتفرق، وكلنا يقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى هذه الدعوة المتكررة بأساليب شتى، يقول آناً: ”واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها“، ويقول: ”وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين“، ويقول: ”ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم“، ويقول: ”وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل“ أي لا تتفرقوا بين المذاهب المتطاحنة ”فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون“. وإني لأقولها يا عباد الله ولا أتحفظ كل مجتمع يركن أفراده إلى عوامل الفرقة والتشاحن ويضحي أفراده بواجب الوحدة التي أمرنا الله عز وجل بها في سبيل الانتصار للرأي وللمذهب وللاجتهاد ليسوا صادقين في إسلامهم وليسوا مخلصين في التمسك بأوامر مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، هذه حقيقة ينبغي أن نقولها وينبغي أن نتأمل في هذا الذي يقرره التاريخ وينطق به بيان الله وتشهد به وقائع الأحداث قريبة كانت أو بعيدة. عباد الله إن عوامل الفرقة والشقاق كثيرة ومتنوعة ولكن أخطر هذه العوامل تلك التي تفعل فعلها باسم الدين نفسه. عندما أجد من يحاول أن يحيل وحدة أمتي إلى شتات وفرقة وهو لا يؤمن بالله، وهو يرفع لواء الإلحاد ما أيسر أن أنبذ دعوته وما أيسر أن أتجه إلى النقيض مما يدعو إليه ولكن عندما أجد من يدعو إلى الشقاق والفرقة وهو يرفع فوق رأسه شعار الدين، شعار الإسلام، كم وكم من أناس يُخْدَعُون بدعوته ومن ثم كم من الناس يضحون بالوحدة التي أمر الله بها ويقعون فيما حذَّر الله عز وجل منه من التشظي والتصدع والتحول إلى فئات متفرقة شتى. ولعل من أخطر هذه العوامل التي تتحرك باسم الدين فهم مقلوب منكس لحديث صحيح رواه أصحاب السنن عن رسول الله أنه قال: افترق اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، زاد الإمام الترمذي على ذلك هذه الزيادة على لسان رسول الله قائلاً: كلها في النار إلا ملة واحدة، قيل له ما هي يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابي، فهذا الحديث حديث صحيح وله معنى يزيد الأمة إلى الاجتماع والألفة ولكن في الناس اليوم كثرة ذهبت في تفسير هذا الحديث مذهباً باطلاً، مذهباً منكساً تحول بذلك هذا الحديث إلى عامل من أخطر عوامل الفرقة بين المسلمين، كثيراً ما يرى الرجل صاحبه من هؤلاء الذي فهموا هذا الحديث فهماً باطلاً، يقول له صاحبه سائلاً: من أي البلاد أنت، يسأله عن مسقط رأسه، يسأله عن وطنه فيجيبه أنا من الفرقة الناجية ومعنى هذا الكلام بصريح القول أن الذين يسيرون على خلاف مذهبه ومنهجه ليسوا من الفرق الناجية بل هي ممن قال رسول الله عنهم كلها في النار. من هنا انتشرت عوامل التكفير والتبديع والتضليل وما إلى ذلك، وها أنا أضعكم يا عباد الله أمام المعنى الدقيق الذي عناه رسول الله r وإن كان كلامي هذا يتحول إلى حديث أكاديمي علمي ولكن لا حرج تأملوا لتعلموا فنحن في هذا العصر بل في هذا المنعطف الخطير بأمس الحاجة إلى أن نُقَيِّدَ ضوابط العظة في كلماتنا وخطبنا بالعلم. وردت أحاديث كثيرة بلغت مبلغ التواتر المعنوي تفيد أن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة، من هذه الأحاديث ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: من لقي الله لا يشرك به شيئاً حرَّم الله عليه النار، ومن ذلك ما رواه النسائي من حديث أبي عمرة الأنصاري أن رسول الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبده ورسوله لا يلقى اللهَ عبدٌ يؤمن بهما إلا حُجِبَتْ عنه النار يوم القيامة، وروى أبو داود والحاكم من حديث معاذ رضي الله عنه: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله لم تمسه النار، وصح عن رسول الله أنه قال: من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها دخل الجنة، وأنتم تعلمون أن هؤلاء الذين يقولون لا إله إلا الله ويموتون وهم مستمسكون بها فيهم كثيرٌ ممن تبنى فرقة من الفرق، تبنى مذهباً من المذاهب، اجتهد في إتباع فئة من الفئات وها هو رسول الله يعلن في أحاديث بلغت مبلغ التواتر المعنوي أن لا حرج، كلهم ناجون وكلهم يكرمهم الله بالجنة، أفيمكن أن يناقض رسول الله نفسه فيقول في هذا الحديث ما يناقض مناقضة حادة هذه التأكيدات التي ذَكَرْتُ لكم طائفة يسيرة منها فيقول وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا ملة واحدة ويعني بذلك الفرق الإسلامية والمذاهب الإسلامية المتنوعة إذاً فرسول الله يناقض نفسه! وحاشاه. إذاً فما معنى الحديث؟ تأملوا يا عباد الله فيما أقوله لكم، يقول المصطفى افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، مقتضى بلاغة المصطفى وكونِه حجة في البيان والفصاحة وكونه أوتِيَ جوامع الكلم أن يقابل كلمة اليهود والنصارى بكلمة المسلمين فيقول وسيفترق المسلمون إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة لكنه عَدَلَ عن كلمة المسلمين وإنما قال وستفترق أمتي إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة والمراد بالأمة هنا أمة الدعوة لا أمة الاستجابة، كل من وُجِدَ في عصر رسول الله وكل من وُجِدَ فيما بعد إلى قيام الساعة من أمة رسول الله لكنه من أمة الدعوة ومن آمن منهم أصبح من أمة الاستجابة، يقول المصطفى : وستفترق أمتي، أي أمة الدعوة، إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، أي إلى أديان مختلفة متناقضة شتى، والدليل الناطق على هذا أنه قال بعد ذلك: كلها في النار إلا ملة واحدة ولم يقل إلا فرقة واحدة، كلها في النار إلا ملة واحدة هي ملة الإسلام بكل فئاتها، بكل مذاهبها، بكل أقوامها، الجامع المشترك بينها والذي يجعل لها هوية الرحمة من الله سبحانه وتعالى ويجعلها تدخل إلى بوابة الرحمة الإلهية والواسعة أنها جميعاً لَقِيَت الله عز وجل وهي تؤمن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، هذا هو المعنى الذي قصده المصطفى وهيهات هيهات أن نفسر هذا الحديث بما يروق لنا وبما يبرر المذهبية التي نتعصب لها أو بما يبرر الفرقة التي نتعصب لها والتي نرى أن غيرنا ممن لا يتبناها آيلٌ إلى النار وآيلٌ إلى الدمار، هيهات أن يكون قصد رسول الله ذلك إذاً لناقض نفسه وإذاً لوقعنا أمام مشكلة تجاه هذه الأحاديث الكثيرةِ الكثيرة التي بلغت مبلغ التواتر والتي حدثتكم عن بعضٍ منها. إذا عرفنا هذا الذي نقول أيها الإخوة فالمسلمون اليوم بكل مذاهبهم، بكل فرقهم، ولا أريد أن أذكر الأسماء، كلهم يستظلون بظل الإيمان بالله، كلهم لهم هوياتهم التي يدخلون بها غداً في رحمة الله عز وجل ألا وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذاً لا يجوز لي وقد اتبعت أنا مذهب أهل السنة والجماعة الكثرةَ الكاثرة التي كانت في عصر رسول الله r لا يجوز لي أن أقول أنا وحدي من الفرقة الناجية والآخرون ليسوا ناجين إذا هم كفرة، هل يجوز لي أن أقول هذا؟ هل يجوز لي أن أُكَفِّرَ أخاً بيني وبينه رحم شهادةِ أن لا إله إلا الله؟ هل يجوز لي أن أقطع صلة ما بيني وبينه وقد مدَّ الله عز وجل صلة ما بيني وبينه بصلة الأخوة في الله إذ قال: ”إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم“؟ أرجو وآمل من كل مسلم أن يتشبع بهذا المعنى الذي ذكرته لكم من معنى حديث رسول الله حتى تفوتوا الفرصة على من يريد أن يُحَوِّلَ معنى هذا الحديث وأن يفرغه من مضمونه ثم يجعل منه قنبلة موقوتة تُصَدِّعُ أمتنا هذه وتحيلها إلى مزيد من الشظايا وكأن ما قد منينا به لا يكفي. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا نعمة الإخلاص لوجهه وأسأله عز وجل أن يعيننا على أن تذيب حرقةَ الإخلاص لله معاني العصبية التي قد تكون بين جوانحنا، العصبية للذات، العصبية للمذهب مهلكة وأي مهلكة يا عباد الله. غداً إذا امتد أحدنا على فراش الموت وشم رائحته وطرق ملك الموت بابه ماذا عسى أن تفيده العصبية؟ ماذا عسى أن تفيده دعوى أنه من الفرقة الناجية وأن إخوانه جميعاً إلى النار؟ لا بل ينبغي أن أرحل إلى الله عز وجل وكلي أمل أن جميع عباد الله الذين آلوا إليه مؤمنين به هم في ظل رحمته وفي كنفه ولطفه وجوده أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

عباد الله ورد في الأثر أنه سيأتي على الناس زمان يدعو فيه الرجل لخاصة نفسه فيستجاب له ويدعو لعامة المسلمين فلا يستجاب له، هذا الأثر يتضمن معنى سليماً صحيحاً نراه في كتاب الله ونراه أيضاً في الصحيح من كلام رسول الله ومعناه أن لاستجابة الله الدعاء شروطاً. إذا دعا الإنسان في وقت السحر أو في أي وقت من أوقاته الخاصة بإمكانه أن يُقَدِّمَ بين يدي دعائه شروط الاستجابة فيتوب إلى الله ويصلح ما أفسد ويُقَوِّم ما اعوج ويعيد للناس حقوقهم ثم يدعو وإذا بالاستجابة تحققت لكنه عندما يدعو لعامة الناس كأن ملكاً يقول له هل ضمنت أن يتحقق هؤلاء الذين تدعو لهم بتنفيذ شروط الدعوة، أنت تدعو الله لهم فهل ردوا المظالم، هل أصلحوا الفساد، هل قَوَّمُوا الاعوجاج، هل تابوا وأنابوا إلى الله عز وجل، ادع لنفسك فإذا أصلح هؤلاء الناس أنفسهم وتحققوا بشروط الدعوة حانت الاستجابة لدعائهم أيضاً. هذا الذي أقوله لكم أيها الإخوة يشكل الغصة التي لا نستطيع أن نردها ولا أن نبتلعها بين يدي رغبة ملحة في الاجتماع إلى صلاة الاستسقاء. لصلاة الاستسقاء شروط لابد منها، لابد لكي يكرمنا الله عز وجل بالغيث السخي من سمائه وبالنبات يتفجر من أرضه لابد أن يتوب هؤلاء الناس إلى الله أو أكثرهم، لابد أن يردوا المظالم، لابد أن يؤدوا حقوق الآخرين إليهم أو يستسمحوهم، ما العمل؟ أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ عما قريب سبل التداعي على أعلى مستوى إلى صلاة الاستسقاء بشروطها وآدابها وقيودها وإنا لنرجو الله عز وجل أن يحقق ذلك ببركة شامنا هذه التي أكد رسول الله رعاية الله وحمايته لها، انتظروا عما قريب دعوةً تتجه بإذن الله عز وجل من أعلى المستويات إلى هذه الأمة، إلى هذه البلدة لصلاة الاستسقاء نجتمع عليها في ذل وخشوع وضراعة وانكسار وقد هُرِعْنَا إلى هذا المسجد تائبين آيبين وقد رددنا المظالم وعاهدنا الله عز وجل على أن نلزم خط الاستقامة وأن نسير على صراطه إلى أن نلقى وجهه
.

موقع نسيم الشام:
http://www.naseemalsham.com/ar/Pages...d=124&bk_id=42