كيف يمكن لأي يد أن تلوث بركة هذه الأرض المباركة

أ.د. محمد سعيد رمضان البوطي

إن المصيبة الفادحة لا تكمن في المعاصي إذ يرتكبها الإنسان أو تعيش أو تشيع في المجتمع فقد علمتم أن الله سبحانه وتعالى نعت نفسه بالتواب وعلمتم أن الله هو القائل:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر : 53].

وإنما تكمن المصيبة الكبرى في أن تشيع المعاصي في المجتمع أو أن يصطبغ بها الأفراد مع الاستهانة بها ومع عدم الالتفات إلى خطورتها ومع عدم التنبه إلى ضرورة التوبة منها ومع عدم الالتفات إلى النتائج الخطيرة والابتلاءات الكبرى التي قد يبتلي الباري سبحانه وتعالى مثل هذا المجتمع على أعقابها. تلك هي المصيبة الفادحة التي ينبغي أن نتبينها حتى نتوقى من الوقوع فيها. وإنها لسُنَّةٌ أخرى أو قانون آخر من القوانين التي أعلنها الله عز وجل في محكم تبيانه.

حدَّثَنَا عن أمم ارتكبوا المعاصي وشاعت ألوان من المعاصي في مجتمعاتهم فأخذهم الله عز وجل ببعض الابتلاءات ليستيقظوا وليتنبهوا ولتسوقهم تلك الابتلاءات إلى الإنابة إلى الله فلم يلتفتوا إلى شيء من ذلك وأعرضوا عن الرسالة التي أرسلها الله عز وجل إليهم منذراً ومحذراً فحاق بهم العقاب الكبير. تأملوا في قوله عز وجل:

(وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام : 42-43].

هكذا يبين الله عز وجل لنا سبب هلاك بعض الأمم. لم يكن السبب مجرد العصيان ولكن السبب كان الاستخفاف بالعصيان وعدم التنبه إلى الرسالة المحذرة التي وصلتهم من عند الله عز وجل متمثلة في ألوان من المصائب كالتي نعاني منها اليوم. وتأملوا في قوله عز وجل وهو يوضح مصداق هذا القانون:

(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) [المؤمنون : 76].

تلك هي حيثية إهلاك تلك الأمة التي يتحدث عنها البيان الإلهي.

ولقد أنبأنا بيان الله عز وجل عن آياتٍ أرى اللهُ سبحانه وتعالى عن طريق كليمه موسى فرعونَ وملأه وقومَه، نبَّههم الله من خلال تلك الآيات إلى ضرورة اليقظة، إلى ضرورة الإنابة والتوبة إلى الله فأعرضوا واستخفوا، وانظروا كيف يعبر الله بل البيان الإلهي عن استخفافهم:

(وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [الأعراف : 132].

فكان عاقبة هذا الاستكبار العذاب الأطم:

(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ) [الأعراف : 133].

أيضاً لم يستيقظوا، استيقظوا لكن الاستكبار حال بينهم وبين الإنابة إلى الله وعندئذٍ كانت العاقبة كما تعلمون، نبذهم في اليم وأغرقهم في ذلك العذاب الواصب.

عباد الله: إننا نعلم جميعاً أسباب هذه المصيبة التي تطل علينا من سماء الله عز وجل، ليس فينا من يجهل الأسباب الكامنة وراء هذا الغضب الإلهي الذي يتراءى لنا من سمائه ولا ينبع لنا من أرضه، ما أظن أن فينا من يجهل هذا السبب لاسيما الذين يكمنون وراء هذه الأسباب، ولكن الابتلاء الخطير هو هذا الذي أقوله لكم. هنالك من يستكبر على هذا الذي يذكرنا الله عز وجل به، هنالك من يستخف بهذه الرسالة الإلهية التي يخاطبنا بها والتي تحمل بين طياتها النذير الخطير، نعم إنها مصيبة فادحة لا أذكر أننا ابتلينا بمثلها في شامنا هذه قط ولكنها مع ذلك هي مقدمة، مقدمة لمصيبة أطم ولغضب إلهي أشد.

ليست المصيبة – مرةٌ أخرى أقول لكم – كامنةً في معصية تزل بها الأقدام فكلنا ضعفاء وكلنا معرضون للمعاصي، ليست المصيبة كامنةً في أن ينجرف المجتمع لسبب ما إلى بعض الانحرافات، فالمجتمع هو الفرد المتكرر والناس أيَّاً كانوا ضعفاء كما وصفهم بيان الله سبحانه وتعالى، لكن المصيبة الكبرى التي تطل علينا من سماء الله عز وجل تكمن في الإعراض عن التوبة، تكمن في الاستكبار على الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، تكمن في الاستخفاف بهذه المصيبة ومحاولة عدم الاعتراف بها إلى هذا اليوم، هذا هو الشيء المخيف يا عباد الله وهذا ما ينبغي أن نحذره وما ينبغي أن نعود به إلى أنفسنا فإن وجدنا أننا من هؤلاء الذين يستخفون بعقابيل المعاصي فلنسرع بالإنابة والتوبة إلى الله عز وجل ولنذكِّرْ إخواننا، أقاربنا الذين يلوذون بنا بضرورة التذلل والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى وعندئذٍ يرتفع البلاء.

المعصية التي يُساق إليها الإنسان بسائق من الضعف لا تحجب الإنسان عن رحمة الله بل لعلها تسوقه إلى رحمة الله، وصدق من قال: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً.

إنني أقول أيها الإخوة اعتماداً على سُنَّةٍ قرأتُها ولعلكم تقرؤونها في كتاب الله عز وجل، أقول: إن هذه المصيبة التي نعاني منها اليوم والتي هي جديدة في نوعها ستبقى بل هي متجهة إلى الاستفحال وإلى الاتساع إن لم نعالجها معالجة عامة بتوبة صادقة وإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

المعاصي، كل المسلمين متعرضون لها، أصحاب رسول الله تعرضوا للمعصية. في عهد عمر أمير المؤمنين ثاني خلفاء المسلمين وقع قحط في عام من الأعوام يسمى عام الرمادة، خرج عمر بن الخطاب بوصفه أمير المؤمنين مع أصحاب رسول الله جميعاً يستسقون ولاذوا وتوسلوا بعم رسول الله العباس فماذا قال العباس عم رسول الله؟ قال – وهو يجأر إلى الله متذللاً بالدعاء والتضرع – اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولا يكشف البلاء إلا التوبة وها هي ذي أيدينا ممتدة إليك باعترافنا بالذنب وها هي ذي نواصينا بين يديك بالتوبة فاسقنا، نحن تائبون، نحن راجعون إليك. قالها عم رسول الله، قالها أمير المؤمنين عمر، قالها كل أصحاب رسول الله. لما رجعوا إلى الله ولما أعلنوا التوبة والإنابة أمام باب الله عز وجل سُقُوا في مساء ذلك اليوم وامتدت السقيا وامتد كرم الله عز وجل ولم ينقطع.

واليوم لا يقولن قائل – أيها الإخوة – تعالوا نتداعى إلى الاستسقاء، لا يقولن قائل هذا، حسبنا هذا الكلام. إننا إن استجبنا لهذا التداعي وقمنا بما أمرنا الله عز وجل به من الاستسقاء دون توفر لشروط هذا الاستسقاء لن تتحقق الاستجابة. إذا لم نقدم بين يدي هذا الاستسقاء أمام الله توبةً صادقة على كل المستويات ورداً للمظالم فإن الاستسقاء لا يفيد بل ربما كان سبباً لشماتة الشامتين ممن لا يؤمنون ولا يثقون بأن الله عز جل هو الرزاق وأن الأسباب جند من جنود الله عز وجل.

ومع ذلك فإنني أبشركم بأن شامنا هذه مكلوءة بعناية الله، وكيف لا تكون مكلوءة وقد نجَّ الله إليها أنبياءه:

(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء : 71].

هو سيدنا إبراهيم ولوط. هذه الأرض هي هذه الأرض التي أنتم فيها. شامنا هذه مكلوءة بعناية الله، ومهما وفدت إلينا الخطط عن يمين وشمال من أجل امتلاخ هذا الدين من هذه البلدة فلسوف تبوء تلك الخطط وأربابها بالخذلان. وإنني أحدثكم عن وجهٍ من أحد وجهين للحركة التصحيحية التي تعود ذكراها في هذه الأيام. لهذه الحركة التصحيحية وجه سياسي ووجه آخر ديني، وأكثر الناس يعلمون وجهها الأول السياسي، وأنا محدثكم عن الوجه الآخر الديني.

في لقاء من اللقاءات التي كتبها الله عز وجل لي مع رئيسنا الراحل – رحمه الله – جاءت المناسبة للحديث عن هذه الحركة – الحركة التصحيحية – فقال: إن الذي دفعني إلى القيام بهذه الحركة إنما هو شيء واحد، حماية معتقد هذه الأمة ودينها مما كان يراد لهما، فلقد كانت الشيوعية على الأبواب وإن هي إلا خطوات وسيعلن الإتباع للإلحاد والشيوعية ولكن الله سخَّرَنِي فقمت بما قمت به حمايةً لدين هذه الأمة ومعتقداتها الإسلامية، ثم قال لي: وهذه محاضر الجلسات خير شاهد على هذا الذي أقوله لك.

إذاً بالأمس وُجِدَ من تربص بدين هذه الأمة ولكن يداً ربانية جاءت فأبعدت شبح هذا الخطر عن أرضنا المباركة، واليوم اليد الإلهية الحانية موجودة، هذه اليد ستدفع عنها الخطر ومن ثم فالأرض التي وصفها الله بالمباركة كيف يمكن لأي يد أن تلوث بركتها؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.