[justify]ظواهر بعيدة عن مقاصد الإسلام

د . محمود حمدي زقزوق
وزير الأوقاف المصري السابق


نتج عن التوجهات البعيدة عن مقاصد الدين الحقيقية ظهور الكثير من أشكال التشدد والتطرف في فهم الدين وتعاليمه . وأصبح التشدد في أمور الدين، وبصفة خاصة في الأمور الهامشية، علامة واضحة على التدين .

وقد ترتب على هذا التشدد في أمور الدين على هذا النحو تحول سلبي في السلوك، حيث حلت الفظاظة والغلظة والعنف في التعامل محل الرحمة التي هي السمة الأساسية للإسلام، وانتشرت تهم الكفر والتحلل من الدين ضد من يعتقد أنهم متساهلون في أمور الدين، أو من لهم وجهة نظر مخالفة لهؤلاء المتشددين، وافتقدنا التسامح الإسلامي في مجتمعاتنا الإسلامية هذا التسامح الذي يعبر عنه الشيخ محمد عبده بقوله: “لقد اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر” وقد نقل عن الإمام مالك قول يحمل هذا المعنى نفسه .

وقد نسي هؤلاء المتشددون والمشددون على أنفسهم وعلى الآخرين أن الإسلام دين يسر لا عسر وأن الله سبحانه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر كما جاء في قوله تعالى: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” (البقرة: 185) .

وغني عن البيان أن نشير في هذا الصدد إلى أن هذا التيار المتشدد كان وراء ظهور موجات الغلو والتطرف والتعصب والإرهاب التي جلبت على الأمة الإسلامية عواقب وخيمة .

وقد كان لاهتمام المسلمين بالشكل على المستوى الديني والحضاري أكثر من اهتمامهم بالجوهر، وانتشار تيار التطرف والتشدد في مجتمعاتهم أثر سلبي في العلاقات بين شعوب الأمة على جميع المستويات، وبصفة خاصة على المستوى السياسي والاقتصادي . فالتشرذم قد أصبح هو السمة الغالبة على علاقات شعوب الأمة الإسلامية في ما بينها، وبالتالي أصبح التضامن الإسلامي مجرد شعار نردده في المناسبات، ولكنه شعار يخلو من أي مضمون .

ويعبر ذلك بشكل واضح عن حال المنظمات الإسلامية التي تعد انعكاسا لأوضاع الأمة وصورة لأحوالها، ويمكن للمرء أن يتعرف إلى ذلك عن طريق ذكر مثال واحد من بين أمثلة كثيرة، فحجم التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي لا يتجاوز نسبة (8%) من حجم تجارة هذه الدول مع بقية دول العالم . والتعاون في بقية المجالات الأخرى ليس أسعد حظا من ذلك .

ومن هنا فإنه ليس بالأمر المستغرب أن نرى العالم الإسلامي الذي يشكل سكانه أكثر من خمس سكان العالم قد أصبح مسرحا مباحا للصراعات المحلية والعالمية . ومطمعا للقوى الكبرى ولقمة سائغة في فم أعداء الأمة . وأصبح المسلمون في عالم اليوم أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام .

وقد أدت هذه الأسباب وغيرها كثير إلى هذه الأوضاع الحضارية المتردية التي نعيشها في عالمنا الإسلامي . ومن هنا فإننا إذا أردنا أن نلخص مشكلات أمتنا الإسلامية في عالم اليوم في عبارة واحدة فيمكن القول إن مشكلتنا الكبرى هي مشكلة حضارية بالدرجة الأولى .

ومن الأمور التي أصبحت شائعة في عالمنا الإسلامي أن الكثيرين يميلون إلى تعليق كل مشكلات المسلمين على شماعة الغير الذي نعتقد صوابا أو خطأ أنه يتربص بنا، ويخطط لمحونا كمسلمين من خريطة العالم . ويسترسل بنا التفكير ويمتد بنا الخيال للحديث عن تفاصيل التخطيط الخبيث من جانب الآخرين لنهب خيرات العالم الإسلامي، وتدمير اقتصاده وتجويعه، ومحاولات فرض القيم والمعايير الغربية على الشعوب الإسلامية . . الخ .

ولا ينسى الكثيرون في هذا الصدد الحديث عن مثالب المجتمعات الغربية وتدهورها الأخلاقي، وانحلالها الاجتماعي، وتخلفها الروحي .

وفي خضم تحمسنا لنقد الآخر وفضح عيوبه وانحرافاته وظلمه وقهره للشعوب وتفسخه على المستوى الاجتماعي وتحلله على المستوى الأخلاقي والديني، ننسى أننا بذلك لا نسيء إلى الآخر، بل نسيء إلى أنفسنا، لأننا بذلك نتجاهل عيوبنا ونتغاضى عن نقد أنفسنا .

[/justify]