التفكر قيمة حضارية إسلامية

د . محمود حمدي زقزوق

من الأمور البديهية أن الحضارة لا تقوم إلا بالعلم، والعلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، ومن هنا تأخذ الحضارة في الإسلام حكم العلم فتكون هي أيضاً فريضة، لأن الطلب الإلهي بإعمار الأرض لن يتحقق إلا بالعلم، وقد فتح القرآن الكريم باب البحث العلمي أمام الجميع على مصراعيه ولم يضع حدوداً ولا سدوداً أمامهم في هذا الصدد، ويؤكد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: “وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” .

وهذا يعني أن السماوات والأرض وما بينهما مجال للبحث والدراسة، وختام الآية المشار إليها في غاية الأهمية لأنه يشير إلى أن أبواب البحث العلمي لن تفتح إلا “لقوم يتفكرون”، أي: لهؤلاء الذين يستخدمون عقولهم ويجندون إمكاناتهم الفكرية للبحث والدراسة بصرف النظر عن معتقداتهم وأجناسهم ولغاتهم، والتفكر يعد من القيم الحضارية الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم في كثير من آياته، لأنه الوظيفة الأساسية للعقل الإنساني الذي يعد أجل نعمة أنعم الله بها على الإنسان .

والإنسان هو صانع الحضارة، ومن هنا كان تكريم الله للإنسان وتمييزه بالعقل، وتزويده بالعلم الذي به يستطيع أن يقوم بمهمة إعمار الكون، وهذا يعني أن على الإنسان المسلم مسؤولية حضارية، وهذه المسؤولية الحضارية ذات أبعاد مختلفة وجوانب عديدة، وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم جوانب أساسية مهمة في ما نطلق عليه المسؤولية الحضارية للإنسان بقوله: “لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه في ما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفي ما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به” .

ويلحظ المرء في هذا الحديث الشريف اشتماله على عدة عناصر أساسية لمسؤولية الإنسان في الدنيا التي سيقدم عنها كشف حساب يوم القيامة أمام الله سبحانه وتعالى، وهذه العناصر هي: الوقت والعمل (المعبر عنه بالشباب الذي يعني القدرة على العمل بصفة عامة) والمال والعلم . ولاشك في أن هذه العناصر تمثل عوامل مهمة في العملية الحضارية، ومن هنا يحق لنا أن نصف هذه المسؤولية بأنها مسؤولية حضارية .

وقد كان مبدأ الاجتهاد في الإسلام من المبادئ التي فتحت الباب أمام العقل ليصول ويجول في مجال استنباط الأحكام الشرعية وهو الآلية التي أقرها الإسلام للتجديد المتواصل في الحياة الإسلامية .

وإذا كان الإسلام قد أجاز للعقل هذا الحق في مجال الأحكام الشرعية، فمن باب أولى يكون ذلك أمراً حتمياً في مجال الأمور الدنيوية والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه هو القائل: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، والاجتهاد في حقيقته دعوة إلى الإبداع في كل مجالات العلوم والفنون والصنائع، ومن هنا وصفه المفكر الإسلامي الراحل محمد إقبال بأنه مبدأ الحركة في الإسلام . وإذا كان الله قد وعد المؤمنين في القرآن الكريم بالتمكين لهم في الأرض في قوله تعالى: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً” .

فإن ذلك لن يتحقق إلا بشرطين أساسين اشتملت عليهما هذه الآية الكريمة هما: الإيمان، والعمل الصالح . . فالإيمان هو الأساس، والعمل الصالح هو البناء، ولن يغني أساس ما لم يكن هناك بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن هناك أساس . ومن هنا لا يجوز اختزال العمل الصالح في أداء الشعائر الدينية، ولكن العمل الصالح في حقيقة الأمر يشمل كل عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة، دينياً كان هذا العمل أم دنيوياً، ما دام هذا العمل نافعا للناس، ومحققاً لمصلحة المجتمع، ومساعداً على البناء الحضاري المطلوب .

إن العمل الصالح يشمل خيري الدنيا والآخرة، وهذا يعني أن الإسلام دين للحياة بجميع أبعادها، لا فرق في ذلك بين أمر ديني وأمر دنيوي، فهذه التفرقة غريبة عن طبيعة الإسلام، ومن هنا يمكن القول إن العمل الصالح يعني تحقيق القيم الدافعة إلى تقدم الإنسان ورقيه، ونهضة المجتمع وازدهاره، وهذا معناه تحقيق القيم المؤدية إلى بناء الحضارة، وإذا تم ذلك تحققت بالتالي الوعود الإلهية الثلاثة المشار إليها في الآية الكريمة .