مكانة الصحابة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

الصحبة مرتبة عظيمة عند الله تعالى وعند المسلمين، اختص الله تعالى بها خواص عباده ليكونوا حملة هذا الدين وناصريه، لا يرقى إلى منزلتهم سائر الناس ولو تناهوا في الصلاح، كما يدل عليه قوله تعالى: {مُحَمدٌ رَسُولُ اللهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِداءُ عَلَى الْكُفارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكعاً سُجداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً ..} وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه». وعلى أمته أن تعرف لهم هذا الفضل وتلك المكانة، فهم الذين أوصلوا لنا الدين، وحموا بَيضة الإسلام، وجاهدوا في الله حق جهاده ليُدخِلوا الناس في النور الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وينالوا الرحمة التي حملها إليهم، ولم يبالوا بنفس ولا نفيس، إذْ لم يكن لأحدهم حظ دنيوي ولا مصلحة ذاتية، إلا الحفاظ على الدين، و التبليغ عن رسول الله، وهداية الناس إلى صراط الله العزيز الحميد، يقول ابن عبدالبر في الاستيعاب: «فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله عليه السلام، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه..».

وقد اتفق المحدثون على أن الصحبة أعلى مراتب التوثيق، فلا يُسأل عن الصحابي كما يسأل عن غيره؛ لأن عدالته ثابتة بيقين فلا يحتاج إلى مراتب المعدلين، ولا تؤثر فيه أقوال الجارحين؛ فقد تجاوزوا قَنْطرة النقد، ونالوا مرتبة ليس بعدها إلا مرتبة الصديقين والنبيين، كل ذلك مع ما كان من بعضهم من خوض في الفتن التي افتعلها أعداء الإسلام، لم تكن تخفى على علماء الجرح والتعديل، فلم يلتفتوا إليها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بن أبي بَلْتَعة رضي الله تعالى عنه الذي أفشى سره لأعدائه في غزوة الفتح: «إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ومثل ذلك لا يغفر عند البشر، لعظيم خطره، ولكن سبق السعادة غطى زَلَل البشر، {إِن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ}.

لذلك يرى أهل السنة والجماعة أن ما جرى بينهم من فتن هي في محل العفو عند الله تعالى، كما عفينا عن بحثها أو الخوض فيها، كما قال عمر بن عبدالعزيز حينما سئل عن قتلى صِفين؟ فقال: «دماءٌ طهر الله يدي منها لا أحب أن ألطخ لساني بها». فالله تعالى هو الرقيب الحسيب، وليس لنا في من أفضى إلى ربه إلا أن نقول: {رَبنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلذِينَ آمَنُوا رَبنَا إِنكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. وقد ذُكر عند مالك رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك آية الفتح السابقة، حتى بلغ: {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار}. وقال: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية، ورحم الله ابن رسلان إذ يقول:

وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نثبت